رداً على د. يوسف زيدان فيما قال نقلا عن ابن تيمية (٢)

مصر : ۲۳-۱۰-۲۰۱۹ - ۱۱:۲۰ ص

فيما يختص بنزع القداسة عن بيت المقدس، فلقد استعرض د. يوسف زيدان تاريخ هذه الأرض في أزمنة مختلفة، بدءا من عهد داوود وسليمان عليهما السلام وبناء "هيكل سليمان"، مرورا بعهد السيد المسيح عليه السلام وما تلاه من اضطهاد المسيحية ثم انتشارها بعد ذلك وبناء "كنيسة القيامة"، وانتهاءا ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام، ثم فتح بيت المقدس على يد الخليفة عمر بن الخطاب، وبناء مسجد "قبة الصخرة" بعد ذلك في عهد الملك الأموي عبد الملك بن مروان.

عمد الكاتب إلى التأكيد على فكرة محورية أسماها: "التحميس بالتقديس" ويقصد بها تحميس الشعوب للالتفاف والتكاتف حول الحاكم أو الأرض بوازع التقديس الديني والإيماني لأرض أو فكرة. فاليهود، حسبما يقول، وظفوا هيكل سليمان قديما لخدمة أغراض سياسية، وكذلك جاء بناء كنيسة القيامة رغبة من الحاكم قسطنطين وأمه القديسة هيلانا في التودد إلى الشعب المسيحي بعد سنين من الاضطهاد والتنكيل. فماذا عن موقف الإسلام من بيت المقدس؟

يقول د. يوسف زيدان: "إن هذا المسجد القائم اليوم ويموت من أجله الناس منذ قرون طوال، هو وهم مبني على وهم، وقبة الصخرة التي يقدسها اليوم المسلمون هي موضع قداسه اليهود من قبلنا بقرون، وفي زمن ضعفهم زاحمناهم فيه ودفعنا أوهامهم بالأوهام".

بهذا الأسلوب التقريري، يخبرنا الكاتب بأن المسجد الأقصى مجرد وهم. فعلام يستند في هذا الاعتقاد، الذي يبدو من سياق الكلام، أنه يقين تام لديه؟

المثير للدهشة، أن د. يوسف زيدان لم يورد دليلا على ما ذكره من الأساس. فالفصل المكون من عشرات الصفحات المسمى بالمسألة المقدسية، لم يُذكر فيه سوي عدة سطور منقولة عن كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية، يزعم أنها الدليل القاطع على صحة ما ذهب إليه مخالفا جموع المسلمين المؤمنين بما للمسجد الأقصى من مكانة دينية روحية عظيمة.

نورد هذه الفقرة التي استند عليها د. يوسف زيدان من كلام ابن تيمية، ثم نورد تعليقه عليها، وفي النهاية نطرح الرد على ما ذكر في نقاط مركزة.

الفقرة الواردة من كتاب ابن تيمية: "وكانت الصخرة مكشوفة، ولم يكن أحد من الصحابة، لا ولاتهم ولا علماؤهم يخصها بعبادة، وكانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما، مع حكمهما على الشام. وكذلك في خلافة علي رضي الله عنه، وإن كان لم يحكم عليها ثم كذلك في إمارة معاوية، وابنه، وابن ابنه. فلما كان في زمن عبد الملك وجرى بينه وبين ابن الزبير من الفتنة ما جرى، كان هو الذي بنى القبة على الصخرة، وقد قيل: إن الناس كانوا يقصدون الحج فيجتمعون بابن الزبير، أو يقصدونه بحجة الحج، فعظم عبد الملك شأن الصخرة، بما بناه عليها من القبة، وجعل عليها من الكسوة في الشتاء والصيف، ليكثر قصد الناس للبيت المقدس، فيشتغلوا بذلك عن قصد ابن الزبير، والناس على دين الملك. وظهر من ذلك الوقت من تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا، وجاء بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها، حتى روى بعضهم عن كعب الأحبار، عند عبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير حاضر: "إن الله قال للصخرة: أنت عرشي الأدنى"، فقال عروة: "يقول الله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} البقرة: ٢٥٥، وأنت تقول: إن الصخرة عرشه؟ " وأمثال هذا. ولا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة، ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة، ولا يتحرون الصلاة عندها، حتى ابن عمر رضي الله عنهما مع كونه كان يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى، كان لا يأتي الصخرة؛ وذلك أنها كانت قبلة، ثم نسخت. وهي قبلة اليهود، فلم يبق في شريعتنا ما يوجب تخصيصها بحكم، كما ليس في شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت".

انتهت الفقرة من كلام ابن تيمية، وبعد أن استعرض د. يوسف زيدان قول ابن تيمية، علق قائلا: "هل نريد مزيدا من الأدلة على أن المسألة المقدسية، كانت منذ يومها الأول، مجرد استعمال سياسي للدين. أو هي بعبارة آخري لعب بالدين في ميدان السياسة.."

الرد على ما سبق، يمكن ايجازه فيما يلي:

١- بافتراض صحة ما ذهب إليه د. يوسف زيدان من الاعتقاد بأن كلمات ابن تيمية يقصد بها نفي وجود المسجد الأقصى قبل بناء عبد الملك بن مروان لقبة الصخر وانتفاء قداسته، وهو ما لم يقصده ابن تيمية أبدا كما سأوضح في النقطة الثانية، هل هذا دليل على أي شئ؟

بمعني أنه، إذا اجتمع علماء الأمة، أولهم وآخرهم على أمر، وجاء رجل واحد وهو ابن تيمية بما يخالف ما اجتمعوا عليه، فهل هذا دليل على كذب قولهم وصدق قوله؟ وإذا أراد أحد الناس، مثل د. يوسف زيدان، أن يعتقد ما اعتقده ذلك الواحد، فهل يجب على الخلق أجمعين أن يروا فيما اعتقده الحق لمجرد أنه اختار أن يأخذ بهذا الرأي دون آراء سائر العالمين؟

هل هذه الأسطر المعدودة لابن تيمية ما يراه د. يوسف زيدان -حقا- دليلا ساحقا ماحقا، كاشفا وفاضحا لما اسماه "تخليق واختلاق قداسة القدس" بحيث أنه يتعجب هل يحتاج الناس لمزيد من الأدلة؟

٢- هل قصد ابن تيمية بكلماته نفي قداسة المسجد الأقصى؟

من المعروف، أن المسجد الأقصى لا يقصد به مسجد قبة الصخرة فقط، وهي القبة الذهبية التي بناها عبد الملك بن مروان، وإنما هو جميع المنطقة المسورة الواقعة في القدس الشرقية، بما فيها موضع مسجد القبة، والمسجد القبلي، وغيرهما من المصليات والإنشاءات الكثيرة الواقعة داخل السور.

ما ورد عن ابن تيمية في الفقرة المذكورة، أراد به صرف المسلمين عن اختصاص القبة دون غيرها من بقاع المسجد الأقصى بالتقديس، وليس نفي قداسة المسجد الأقصى بالكلية. هذا هو مربط الفرس في حديثه.

عد أيها القارئ واقرأ الفقرة متأنيا، تجده ينفي (اختصاص الصخرة والقبة التي عليها) بالتقديس. فيقول أن الصخرة ظلت مكشوفة في عهد الخلفاء الراشدين وفي عهد الدولة الأموية إلى عبد الملك بن مروان، الذي يقول ابن تيمية أنه بنى القبة لتجذب الناس إلى القدس حيث مقر ولايته حين كان ينافس عبد الله بن الزبير الموجود في مكة على الحكم.

وبغض النظر عن تحليل ابن تيمية لدوافع عبد الملك بن مروان وعن كونه تحليل صائب أو خاطئ، وبغض النظر عن المبالغة في التخوف من قبله، فإن دافع ابن تيمية في التأكيد على عدم اختصاص القبة منفردة بالمزيد من التقديس واضح وضوح الشمس، يفهمه كل مطلع على تراث ابن تيمية يعرف منهجه ويفهم طريقة تعبيره، كذلك يفهمه أي قارئ إن هو طالع اسم الكتاب الذي ذكرت فيه هذه الفقرة كاملا: "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم".

ففي هذا الكتاب، عمد ابن تيمية إلى ذكر صور ومظاهر التشبه بمعتقدات غير المسلمين، فأفرد فصولا في ذكر أعيادهم ومقدساتهم، وما يجب فيه المخالفة لهم وفقا لما يراه. وفي أحد فصول الكتاب كتب هذه الكلمات، وتحدث عن تقديس اليهود لهذه الصخرة، وكيف أنهم حاولوا دس القصص والنصوص القائلة بتقديسها في التراث الإسلامي. فعارض ابن تيمية اختصاص الصخرة وما عليها من قبة بالتقديس دون غيرها من بقاع المسجد مخالفة لليهود، حسبما يرى هو ويتخوف، وأؤكد مرة ثانية: لا يعنينا هنا صحة مخاوف ابن تيمية من عدمها، فهو فقيه له وعليه الكثير من المآخذ من قبل أهل العلم المتخصصين، ما يعنينا هنا تفسير قوله لا تفنيد مذهبه.

٣- ما يثبت صحة ما نذهب إليه، من أن كلام ابن تيمية يقصد به النهي عن اختصاص الصخرة بالتقديس دون غيرها من بقاع المسجد الأقصى، هو عبارات ابن تيمية في الكتاب ذاته، الدالة على إيمانه بسابق وجود المسجد الأقصى لما قبل بناء القبة، وبإسراء النبي إليه في رحلة الإسراء والمعراج، ، نورد من هذه العبارات ما يلي : "وقد ثبت في الصحيح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين» ولم يصل بمكان غيره ولا زاره".

وهذا تصريح باعتقاد ابن تيمية في وقوع الإسراء إلى المسجد الأقصى، الذي ينفي د. يوسف زيدان الإسراء إليه، لقوله بعدم وجوده من الأساس.

"وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما من العبادات، يشرع في سائر المساجد: كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف، ولا يشرع فيهما ما لا يشرع في غيرهما: لا تقبيل شيء، ولا استلامه، ولا الطواف به ونحو ذلك. لكنهما أفضل من غيرهما، فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما".

وهذا إقرار منه بفضل الصلاة فيه على غيره من مساجد الأرض.

وفي مسلم أيضا، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال «إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن، فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتها ذلك فقالت اجلسي، فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة».

وفي هذه الرواية، الواردة بكتاب ابن تيمية، دليل على مكانة بيت المقدس في نفوس المسلمين منذ القدم، حتى أن المرأة نذرت شد الرحال للصلاة فيه.

فهل غفل د. يوسف زيدان عن قراءة هذه العبارات في الكتاب الذي بين يديه؟

٤- لابن تيمية، في مواضع آخري كثيرة غير هذا الكتاب، أقوال في فضل المسجد الأقصى، نورد منها ما يلي من الفتاوي:

ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما، وقد روي من طرق أخرى، وهو حديث مستفيض متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول والتصديق. واتفق علماء المسلمين على استحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة فيه: كالصلاة، والدعاء، والذكر، وقراءة القرآن، والاعتكاف. وقد روي من حديث رواه الحاكم في صحيحه: "أن سليمان عليه السلام سأل ربه ثلاثاً: ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله حكماً يوافق حكمه، وسأله أنه لا يؤم أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه إلا غفر له" ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنه يأتي إليه فيصلي فيه ولا يشرب فيه ماء، لتصيبه دعوة سليمان لقوله: "لا يريد إلا الصلاة فيه" فإن هذا يقتضي إخلاص النية في السفر إليه، ولا يأتيه لغرض دنيوي ولا بدعة.

المسجد الأقصى صلت فيه الأنبياء من عهد الخليل، كما في الصحيحين عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أولاً؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة، ثم حيث ما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد" وصلى فيه من أولياء الله ما لا يحصيه إلا الله، وسليمان بناه هذا البناء، وسأل ربه ثلاثاً: سأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله حكماً يوافق حكمه، وسأله أنه لا يَؤُمّنَ هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا غفر له.ولهذا كان ابن عمر يأتي من الحجاز، فيدخل فيصلي فيه، ثم يخرج ولا يشرب فيه ماء، لتصيبه دعوة سليمان. وكان الصحابة ثم التابعون يأتون، ولا يقصدون شيئاً مما حوله من البقاع، ولا يسافرون إلى قرية الخليل، ولا غيرها.

هذا كله، من كلام ابن تيمية منفردا في فضل المسجد الأقصي. وهو الفضل الذي أنكره د. يوسف زيدان، مستندا إلى ما زعم أنه رأي ابن تيمية. فمين أتي د. يوسف زيدان بهذا الفهم والتأويل للكلام؟

وأكرر ثانية: لو كان ابن تيمية يرى ما يزعمه د. يوسف زيدان، ما كان حينها هذا سيكون سوى رأي شخص في مواجهة الأمة، فلماذا د. يوسف زيدان برأي شخص في مواجهة أمة، ويصفها بالوهم؟ فكيف الحال وابن تيمية لم يقل بذلك أصلا؟

ما سبق ليس دفاعا عن ابن تيمية، وإنما دفاع عن بيت عظيم من بيوت الله. دفاع عن الحق، الذي هو حق في نفسه، لا لقول أحد به.

رحمة حسام عبد الرحمن

سلسلة المقالات:


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر


Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق