هل قال الإمام القرطبي إن "المرأة كالنعجة لأنها مركوبة" كما زعم إسلام بحيري؟

بقلم/ رحمة حسام عبد الرحمن
مصر : ۸-٤-۲۰۱۵ - ۸:۲٦ ص - نشر

المرأة والنعجةأصبح الأمر جلياً للعيان أن الكثير من المصطلحات مثل تجديد الخطاب الديني.. وإعادة النظر في التراث.. قد باتت من اختصاص من لا اختصاص له، وبدلاً من استخدام هذه المصطلحات من أجل تحقيق مفاهيمها السامية التي تهدف إلى إحياء الخطاب الديني ليلبي احتياجات العصر الحديث ويجيب على الأسئلة التي تستجد كل يوم في عقول المسلمين فيما يختص بشؤون دينهم ودنياهم، أصبح استخدامها لا يكثر إلا على ألسنة أولئك الذين لا يألوون جهداً في تحقير تراثنا الفكري وإهانة رموزه وقاماته العلمية وتجريدهم من كل فضل وإنساب كل خبيث لهم، وهم في ذلك لا يستندون إلى منهج علمي في النظر إلى الأمور وتقييمها، بل أهواء تنضح بها كلماتهم وأساليبهم الانتقائية المتحيزة التي تكشف ما في سعيهم من ضلالٍ بعيد.

الأمثلة على ذلك اليوم لا حصر لها، على شاشات التليفزيون يخرج علينا كل مساء من يتحدث إلينا داعياً إلى التخلص من، بل وحرق، كل تراثنا العفن علي حد قوله، مما ترك العلماء والفقهاء، زاعماً أن دعوته الحمقاء تلك إنما هي دعوة ٌ من أجل التنوير، ولا أعرف أحداً في الأولين ولا الآخرين قال بأن التنوير يتأتى بحرق الكتب، بل إن الذين حرقوا الكتب فيما مضى من العصور السابقة أعلنواها صراحةً آنذاك بأنهم ضد العلم والتنوير، أما أن نحرق الكتب من أجل تحقيق التنوير فهذا لا يستقيم أبداً إلا في منطق المجانين.

آخر المضحكات المبكيات مما يزعم أولئك، ما قاله السيد إسلام بحيري مساء يوم السبت الموافق ٤-٤-٢٠١٥ على قناة "القاهرة والناس" في ضيافة الإعلامي أسامة كمال، ويناظره أو هكذا كان يفترض أن يحدث لولا الأسلوب الفارغ من تصيد الكلمات وشخصنة الأمور الذي تم اتباعه في الحلقة، الدكتور عبد الله رشدي، يقول السيد إسلام بحيري منفعلاً صارخاً: في القرطبى في الجامع لأحكام القرآن (١٥-١٧٢) يقول في تفسيره لآية {إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} ما نصه "والعرب تُكنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة، لما هي عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب. وقد يُكنَّى عنها بالبقرة والحجرة والناقة، لأن الكل مركوب" ويستطرد منفعلا: القرطبي يشبه المرأة بالنعجة لأنها مركوبة.

في حقيقة الأمر إن المطلع على تفسير الإمام القرطبي للآية الكريمة وما قبلها وبعدها، يدرك للوهلة الأولى ليس فقط سوء فهم السيد إسلام بحيري لما كتب القرطبي بل سوء تعامله وانتقائه لبعض العبارات من التفسير واجتزائها من سياقها مما يدفعنا للشك دفعا في دوافع هذا الفعل الغريب، وليفهم القارئ حقيقة الأمر، من الأفضل إيراد الأية الكريمة في سياقها بما سبقها وتلاها من آيات، وإيضاح بعض النقاط فيما يختص بتفسيرها سواء لدى القرطبي أو غيره من أئمة التفسير.

قال الله تعالى {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} * {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} * { إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} * {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} * {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} * {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} الآيات الكريمة تشير إلى عناية الله بأنبيائه وتربيتهم وصنعهم على عينه عز وجل، فنبي الله داوود يدخل عليه بينما كان جالسا في محرابه خصمان ليحكم بينهما، فيروي له أحدهما أن أخيه له تسع وتسعون نعجة وأما هو فلديه نعجة واحدة، ولكن الأخ الأغنى طلب منه أن يضم نعجته إلى نعاجه وغلبه في الحديث، فبادر داوود بإصدار الحكم وقال له إن أخاه قد ظلمه بفعله ذلك، ثم تنبه داوود عليه السلام إلى خطأ كاد أن يصدر منه، فلقد بادر بإصدار الحكم دون أن يسمع من الطرف الآخر فاستغفر ربه تائبا، فيقول الله عز وجل له {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ}، وفي هذا إشارة إلى رفعة مقام الأنبياء الذين يعصمهم الله من الزلل بعنايته وتوجيهه.

الذي يعنينا هنا أن الكثير من كتب التفسير القديمة قد أورد تفسيرا عجيبا للآيات لا يستقيم مع ما ينبغي للأنبياء من عصمة وتنزيه عن ارتكاب الفواحش، وهم، بما فيهم القرطبي، لم يكتبوها على سبيل الإقرار بصحتها بل على سبيل الإخبار بما وصل إليهم نقلا ممن سبقهم، ينقلون القول بأمانة لا يسلمون بصحته بل إن كل نص غير كتاب الله هو عندهم موضع للبحث والتحقيق، فالكثير منهم كما سأبين لاحقا أورد التفسير كما أورد أيضا أقوال القائلين برفضه وأسبابهم في ذلك، مما يكشف عن منهج المصارحة ومواجهة الحجة بالحجة الذي تمتع به علماء القرون الأولي في مقابل السيد إسلام بحيري الذي ينادي في القرن الواحد والعشرين بحرق الكتب التي لا يعجبه كلامها.

يقول التفسير الموضوع "إن سيدنا داوود كان يجلس ذات يوم في محرابه فرأى إمرأة حسناء تستحم من بعيد فأعجب بها وطلب من زوجها أن يتنازل له عنها فرفض، وكان زوجها مجاهدا، فأمر أن يُرسل إلى حرب تهلكه ليموت ويتزوج هو بزوجته، فأرسل الله ملكين في صورة خصمين يرويان له قصة النعاج على سبيل التعريض، فيشيران إلى المرأة بالنعجة في القصة، فعلي حد زعمهم كان لداوود ٩٩ زوجة وحين ضم هذه المرأة له صرن مائة، والقصة شائعة عند اليهود، ليحكم في أمر الخصمين فيما يختص بالنعاج وينتبه إلى أنه قد فعل ما يشبه ذلك ويدرك سوء فعله ويكون قد حكم بنفسه على نفسه" وهذه الرواية من الروايات التي رفضها المحققون وقالوا بعدم جوازها أبدا وأثبتوا بالدليل ضعف إسنادها وهنا يتبين لنا مدى أهمية علوم الدين الباحثة في الأسانيد وأقوال الرواة وتحقيقها، ذلك العلم الجليل الذي أعلن السيد إسلام بحيري مرارا وتكرارا أنه "كلام فاضي ملهوش لازمة" كما أن الدكتور محمد أبو شهبة العالم الأزهري نشر كتابا بتكليف من الأزهر لمن يقول أين الأزهر من إعادة النظر في التراث، اسمه الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، جمع فيه الكثير من الروايات التي ثبت بطلانها ووردت في بعض كتب التفسير القديمة ومنها هذه الرواية السابقة.

نعود للإمام القرطبي فأقول إنه كغيره ممن سبقه في التفسير أورد الرواية كما وصلت له، والإمام القرطبي ليس بعربي فهو من الأندلس، لذا عني بشرح الألفاظ ودلالاتها لمن لا يفهم لغة العرب ولا دراية له بقديم ثقافتهم، فبعد أن أورد الرواية أخذ يشرح لمن لا يعرف أنه ليس بمستغرب عند العرب أن يأتي تشبيه البشر بحيوان، فمثال ذلك كثير عندهم فقال: والعرب تُكنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة لما هي عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب وقد يُكنَّى عنها بالبقرة والحجرة والناقة، لأن الكل مركوب.. إذن فالرجل لا يتحدث عن رأيه في المرأة بل يقول إن هذا كان مشهورا عندهم أن تشبه المرأة بالنعجة في الكناية، وأي طالب في المرحلة الثانوية يعرف ما هي الكناية في الشعر، لما يظهر لهم من ظاهر المرأة من ضعف وسكون في مقابل الرجل، كما أنه كثر تشبيهها أيضا بغيرها من الحيوانات التي ظاهرها السكون والانقياد كذلك مثل البقرة والشاة، فالكل مركوب يقصد بها الحيوانات التي ذكرها أن جميعها تشترك مع النعجة في كونها حيوانات أليفة تظهر السكون والانقياد.

سواء اتفق ذلك مع ثقافتنا اليوم أم لا فإن هذا لا يعني أن نقول إن القرطبي أجرم بقوله هذا، لأن هذا ليس رأيه بل هو ينقل لنا ثقافة شاعت عند العرب، وهو ليس عربي أصلا ولا تلك ثقافته أساساً، خاصة في الجاهلية وهي ثقافة حسية تتضح في أشعارهم، والدليل على صدق ذلك، وهو ما لم يقرأه على الارجح السيد إسلام بحيري، أنه أتي بعدها بأبيات من الشعر لعنترة وابن عون فيها تشبيه للمرأة بالشاة والنعجة ليدلل بها على أن هذا كان شائعا لديهم.

فهل يفهم القارئ إذن من قول الإمام القرطبي أنه يقول إن المرأة كالنعجة لأنها مركوبة كما يزعم السيد إسلام بحيري؟ هل إذا قلت إن العرب كانت تئد البنات ونقلت ذلك عنهم فهذا يعني أنني أقر وأد البنات؟ ما هذا المنطق الأعوج؟ ألا يعرف السيد إسلام بحيري أن العرب كانت تكني الرجال أيضا بمثل هذه التشبيهات التي ترفضها ثقافتنا بالطبع اليوم؟ والأمثلة في أشعارهم وأخبارهم لا حصر لها، يكفي من الدليل أن يتذكر أن زوجة النبي كان اسمها زينب بنت جحش، والنبي، صلى الله عليه وسلم، نجد في نسبه الشريف أسماء مثل "لؤي" أي الثور الصغير و"كلاب" و"فهر" أي الحجر الصغير، فهلّا صرخ السيد إسلام بحيري وأقام الدنيا علينا زاعماً أننا نشبه الرجال بالثيران والكلاب والأحجار.

حقاً العلم نور.. ومن الجدير بالذكر أن الإمام القرطبي كما أسهب في شرح ما وصل إليه من رواية بتفصيلها، أتى بأقوال الرافضين لها، وذلك فعل العلماء، وهذا ما ينبغي إدراكه اليوم، فلو أننا حذفنا وحرقنا اليوم ما لا يعجبنا، فربما يأتي غداً من يريد الجور علينا فينسف كل ما ينسب الحق لنا وينصفه، فبدلاً من حرق الكتب وسب العلماء دعونا نتفق أن يحترم لاحقنا سابقنا، وألا قداسة لأحد، فالسابقين اختلفوا فيما بينهم، آخذين في ذلك بأدوات العلم لا بأهواء النفوس، فهلّا اتعظنا؟

رحمة حسام عبد الرحمنEgypt, Cairo Governorate

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق