من يحرق ذاكرة مصر؟

بقلم/
مصر : ۱۹-۱۲-۲۰۱۱ - ۱۰:٤۳ ص - نشر

من يحرق ذاكرة مصر؟هناك ظاهرة خبيثة ظهرت للأسف مع ثورة 25 يناير، وهي العمل على إحراق ذاكرة مصر الحضارية، بدأت مع محاولة إحراق المتحف المصري وعندما فشلت المحاولة قامت مجموعة، ممن لا أجد وصفاً لهم، بسرقة عدد من مقتنيات المتحف وتحطيم وتخريب عدد كبير آخر.

وبالأمس أيضاً شاهدنا حرق المجمع العلمي المصري تحت مرأى ومسمع منا جميعاً، ووقف من حرقه يرقص كالمجنون!

والمجمع العلمي المصري، لمن لا يعرفه، أنشأ بالقاهرة في 20 أغسطس عام 1798 بقرار من نابليون بونابرت، وهو مبنى أثري عتيق يعد من معالم مصر الحضارية.

وكان للمجمع المصري قديماً أربع شعب: الرياضيات، والفيزياء، والإقتصاد السياسي، والأدب والفنون الجميلة، وفي عام 1918 أصبح مهتماً بالآداب والفنون الجميلة وعلوم الآثار، والعلوم الفلسفية والسياسة، والفيزياء والرياضيات، والطب والزراعة والتاريخ الطبيعي، والمجمع يعد أقدم مركز بحوث خارج أوروبا.

ولمن لا يعرف المجمع العلمي المصري، فهو يتضمن مكتبة بها نحو 200 ألف كتاب، بحسب إحدى التقديرات التي ظهرت حديثاً، من أمهات الكتب التي لا يوجد نسخة أخرى منها غير الموجودة بالمجمع. ومن أهم الكتب التي تحتويها تلك المكتبة علي الإطلاق كتاب وصف مصر، وهو كتاب موسوعي قام بتأليفه مجموعة من العلماء الفرنسيين الذين جاؤوا إلى مصر مع الحملة الفرنسية، وكانت تلك إحدى حسنات حملة بونابرت على مصر إضافة إلى حسنة بناء المجمع بالطبع. هل تلاحظون كم أن تاريخنا الذي نحرقه غني وفريد؟!

الحديث عن ارتباط التاريخ بمصر لا ينتهي وذو شجون، وكنا كشعب نحترم تلك الرابطة التي تربطنا بالتاريخ، ولكن اليوم نشأ أناس على أرض مصر لا يعرفون شئ عن ذلك وها هم ينجحون في إحراق جزء أصيل من ذاكرة مصر التاريخية والحضارية أمام شاشات التلفزة دون حياء أو خوف من تأنيب الضمير، إن كان هؤلاء يعرفون أصلاً معنى كلمة ضمير.

أعترف أن الكلمات لا تسعفني للتعبير عن كل المشاعر الغاضبة المتلاطمة بداخلي، فقد شعرت كما شعر قطاع عريض من الشعب المصري، عندما شبت النيران في هذا المجمع، أن الكرامة الجمعية لنا كشعب تمتهن وأن مقدساتنا تدنس، وهو ما يحتم علينا في هذه اللحظة التاريخية الفارقة من عمر مصر أن نتساءل وبصوت عال: من يحرق مصر؟

ولا أريد أن أسمع من أحد أن هناك مؤامرة تحاك ضد مصر، وأن حرق المجمع العلمي المصري جزء من هذه المؤامرة، فهل حدث ذلك بأيدي غير مصرية أم أنه حدث بأيدي مصرية وأمام أعين الشعب المصري برمته بكافة أجهزته الأمنية والعسكرية؟

هل يعقل أن تترك نوافذ وجدران مبنى المجمع العلمي العتيق، بما يحوي من تراث إنساني فريد، لتلاقي حتفها بمفردها في بلد تعداد شعبه قرابة 90 مليون شخص؟ في بلد عرف التاريخ كيف يسطر صفحاته؟ في بلد تعلم العالم منه كيف تكون الحضارة؟ أمر لا يصدق!

أين هي أجهزة المخابرات والأمن العام والجيش؟! سؤال يجب أن تتم الإجابة عنه بإجراء تحقيق مستقل تعلن نتائجه بكل شفافية بعيداً عن خوف العسكر من الحقيقة.

أنا لا أخفي حزني الشديد وغضبي الأشد من هذه المأساة التي لحقت بنا من جراء إحراق هذا المجمع، فتفاصيل المأساة سوف تتكشف عندما ينجلي الغبار عن ساحة الأحداث في مصر.

والحدث يذكرني بأحد تصريحات المشير طنطاوي، على هامش إفتتاح أحد المصانع، حيث قال إن هناك مخططات لخراب مصر وإن الجيش لها بالمرصاد، وهذا الموقف يوضح بشكل جلي أن الأمر ليس بهذه الصورة!

علينا جميعاً أن نبحث عن الموقع الجديد الذي سيحرق ليخرج من مكونات الذاكرة التاريخية لنا للأبد، علينا أن نبحث بكل ما أوتينا من قوة لأنني أخشى أن تكون الضربة القادمة أشد وأنكى وأكثر شراسة، هذه دعوة إلى كل صاحب ضمير حي يحب هذا الوطن.

المشهد برمته يؤكد لي بشكل أو بآخر أن مقولة الفاجومي أحمد فؤاد نجم تنطبق علينا حالياً وهي"إن الله وهبنا وطناً لا نستحقه"، لا أخفي عليكم أنني أصبحت أخاف من غد وأصبحت أخاف أكثر من وقع الأخبار السيئة التي أتنبأ بسماعها خلال الأيام المقبلة.

محمد صلاح صحفي مصري في قطر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق