موت الغرب وترجل أمريكا عن قيادة العالم ولكن من هو الوريث؟

د. كمال الهلباوي
مصر : ۱۹-۱۰-۲۰۱۹ - ۱:۲۷ م - نشر

هل موت الغرب وترجل أمريكا عن قيادة العالم أمر واقع أو متوقع؟ صحيح إن أمريكا بلد قوي مستقر وديموقراطي، وبه مؤسسات كبيرة ومهمة، تهتم بالتفوق والبقاء فى القمة. تسعى لقيادة العالم منذ قرن تقريبا بكل الطرق بما فيها القوة وأساليبها المتعددة.  وتفوقت فى الادارة وفى التعليم والسياسة والاقتصاد والأمن وغيرها.

فى مقدمة تلك المؤسسات، أشير الى مجلسي الكونجرس والنواب، والبنتاجون والاستخبارات المركزية والأمن الوطني، والشركات عابرة القارات، والجامعات  ومراكز الأبحاث الحكومية والأهلية، فضلا عن البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، مما جعل كثيراً من دول العالم تسير في الركاب الأمريكي، وتخضع للهيمنة في صور مختلفة وأحوال متعددة أو على الأقل  تتحاشى الصراع معها.

قليل من يقاوم الهيمنة الأمريكية والغربية.  وبعض تلك الدول يدفع ثمنا باهظا في ذلك أو في طلب الحماية الأمريكية.  ومجلس الأمن القومي هو الذي يضع السياسات والبدائل أمام الرئيس، وقد شهد المجلس فى عهد ترامب تغييرات بل تجاذبات عديدة بسبب تغيير رئيسه أربع مرات فى عهد ترامب. رئيس المجلس الجديد أوبراين الذى تولى بعد بولتون له كتاب بعنوان: بينما نامت أمريكا. وهذا المجلس وحده يحتاج عدة مقالات إذ هو الذى يحدد السياسة الخارجية والأمنية، وسياسة الدفاع الامريكية. ونحن لا ننسى دور كيسنجر وبريجنسكي في تلك السياسة من قبل.

صحيح أن صواريخ إستنجر الأمريكية، وصقر عشرين المصرية، كان لها دور كبير في هزيمة السوفيات في أفغانستان، ولو حصلت المقاومة الفلسطينية على تلك الصواريخ المصرية لفرض الحل نفسه على قضية فلسطين من وقت مبكر.

وصحيح أن العالم الاسلامي، ساهم فى بقاء أمريكا منفردة على قمة العالم من خلال الجهاد الأفغانى أو الحرب الافغانية، التي نتج عنها تفتيت الاتحاد السوفياتي، وتحرر دول آسيا الوسطى، أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان وطاجكستان وقيرغيزستان. وتحرر دول أخرى في البلطيق أوراسيا والقوقاز بل وأواسط وشرق أوروبا وتحولها إلى النهج الرأسمالي أو هكذا زعمت، ونتج عن ذلك أيضا تفكك حلف وارسو.

كل هذا صحيح وغيره، مما لا مجال للحديث عنه في هذا المقال. ولكن هناك مقاربات وملابسات ومفارقات بل وإرهاصات تدل على حقيقة دامغة، ألا وهي موت أمريكا أو تدهورها وترجلها عن القيادة العالمية. تلك الحقيقة تتمثل فى حقيقة (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) هذا بالإضافة إلى أن الصراع بين التحديات والقدرات، لا تحسمه القدرات فقط. قد تكون القدرات والامكانات كبيرة ومرعبة للآخرين ثم تأتى القشة التى تقسم ظهر البعير وتؤدي إلى موت الغرب وترجل أمريكا عن قيادة العالم.

ولكن التحديات التي أمام أمريكا، والتي أعنيها هنا، قد تحول دون بقائها في القمة على المدى القريب أو البعيد أو كما يقول العرب، مهما طال الزمن. ومن أهم تلك التحديات، خمس في مقدمتها:

التحدي الأول: التنافس الروسي الأمريكى حيث قوي الدور الروسي في عهد بوتين وخصوصا في العالم العربي والاسلامي وبحضور ايران وتركيا والمقاومة، وبسبب الصراع الكبير في المنطقة، والانغماس فى قضية سوريا وقضية فلسطين وغيرها من قضايا الأمة النائمة المستسلمة.

التحدي الثاني: يتمثل في الحرب التجارية الصينية الأمريكية، وهو التحدي الذي يدور وتتحرك رحاه ببطيء شديد، وبهدوء، وتخشاه أمريكا وتعمل له الف حساب.

التحدي الثالث: هو العلاقة أو الصراع مع كوريا الشمالية وترسنتها النووية. إذ رغم اللقاءات الأمريكية الكورية لم ينتهي الصراع، وأحسب أنه قد يزداد لطبيعة المشاركين في الحوار.

التحدي الرابع: هو العلاقة المتوترة مع طهران بعد إنسحاب أمريكا الأحمق من الاتفاق النووي المتعدد الأطراف، وفرض عقوبات أمريكية على طهران وخصوصا على النفط وحتى على الأفراد والمؤسسات، ومنع بعضهم من دخول أمريكا حتى لحضور إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وإنه لعار أن يقبل العالم هذه الهيمنة وهذا الجنوح.

أما التحدي الخامس: فهو الوجود العسكري الأمريكي فى أفغانستان، حيث تسعى أمريكا للخروج، كما وعد ترامب، منذ ترشحه للرئاسة فى ٢٠١٦. وكانت أمريكا تظن أن رحلتها في أفغانستان نزهة، بعد أن فرضت كرزاى على الأفغان، ولكن طالبان جعلت حياتهم فى أفغانستان جحيما، مما يذكرنا بفيتنام. أحيانا ينقلب السحر على الساحر. وقد علق ترامب المحادثات والحوار مع طالبان، رغم رغبته الشديدة للخروج من هذا المستنقع.

وطبعاً ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ حتى لو كان ترامب أو كانت أمريكا. إن طالبان تسيطر على نصف أفغانستان أو أكثر، كما تدرك أمريكا، وحكومة أشرف غنى التى جاءت بعد حكومة كرازاى لا تستطيع فرض الاستقرار في أفغانستان حتى في كابل العاصمة، وقد فشلت أمريكا فى مواجهتها مع طالبان على أرض افغانستان بجبالها وقبائلها وصلابتها على مدى ١٩ عاما تقريبا بعد عاصفة سبتمبر ٢٠٠١.

هناك عشرون ألف عسكري وضابط من قوات الناتو في أفغانستان منهم ١٤ الف أمريكي، يريد ترامب أن يسحبهم جميعا أو على فترات سالمين إلى بلدهم وعائلاتهم. وتريد أمريكا فقط من طالبان ضمانات ألا توفر المأوى للقاعدة وداعش، وألا تسمح لهم بأي هجوم على أمريكا أو مصالحها، كما تريد أمريكا من طالبان قبول محادثات مباشرة مع الحكومة الأفغانية القائمة، ولكن طالبان تريد أن تسحب أمريكا كل جنودها، وكل قوات الناتو ولا يبقى منهم أحد في أفغانستان، مع الحكومة الأفغانية التي جاءوا بها، ومع ذلك فإن أمريكا لا تفهم أن العلاقات الافغانية الأفغانية شأن داخلي.

ولكن (موت الغرب) المقصود هنا، لا علاقة له بالأسباب والتحديات التي ذكرتها آنفا في هذا المقال، إنما له علاقة بنظرات بعض الفلاسفة الغربيين أنفسهم، عن حالة المجتمع الاخلاقية والأسرية وثقافة الغرب. كان بعض الفلاسفة في الغرب ومنهم فرانسيس فوكوياما قد كتبوا من قبل عن نهاية التاريخ، وكانوا يبشرون بسيادة الحضارة الغربية إلى الأبد ووصولها إلى القمة التي يريدها الجميع ولا مجال للبحث بعدها أو لمزيد من التفوق.

ولكن فوكاياما عاد وإعتذر عن نتائج هذا البحث، فالمجال مفتوح للتفوق، والذي ليس له نهاية ولا سقف طالما استمرت الحياة.

وقد ظهرت كتابات عديدة وأفلام تتحدث عن موت الغرب وترجل أمريكا عن قيادة العالم. من هذه الكتب والافلام، فيلم (موت أمة) فى سنة ٢٠١٨، داينش دي سوزا، وكتاب: يوم آخر فى موت أمريكا للكاتب جارى يونج، ومنها: موت الغرب السياسي المعروف، باتريك بوكانان. بعضهم رأى ذلك الموت على نوعين، الموت البيولوجي، والموت الآخلاقي الاجتماعي.

وتتلخص أهم الأسباب التي يشير إليها هؤلاء الكتاب والفنانون في تفشي الجريمة، والكراهية والعنف الأبيض أو خرافة التفوق الأبيض، والمخدرات والمسكرات، والشيخوخة التي أصابت المجتمعات الغربية، بسبب الثقافة الغريبة السائدة، ونقص الانجاب أو التكاثر الطبيعي، وكثرة الأسر التي بلا أب ولا أم. هذا مع كثرة الاجهاض والعلاقات الجنسية خارج الزواج، وبسبب العلاقات الشاذة، ومنها إنتشار أو السماح بالشذوذ الجنسي،حتى في بعض دور العبادة. هذا طبعا فضلا عن كثرة المسنين، وهبوط معدل النمو السكاني، وإهمال القيم الدينية مع وجود التعصب الديني والعرقي الأعمى.

يكفي هنا أن نذكر ذلك البحث الذي نشرته جامعة هارفارد مؤخرا في سبتمبر ٢٠١٨، ذلك الذي يوضح أن اهمال القيم الدينية، وعدم حضور الدروس الدينية ولو مرة واحدة في الأسبوع، يؤدي إلى زيادة الجريمة في المجتمع مع العنف والانحراف الأخلاقي أكثر. البحث قامت به مدرسة شان للصحة العامة في أشهر جامعات العالم. ويبين البحث الصِّلة الوثيقة بين التربية الدينية وبين صحة الجسد والعقل بل والسعادة، والتعافي من المخدرات والتدخين والاكتئاب. وتقوم بالبحث في نفس الميدان حاليا جامعات أخرى شهيرة منها ميتشغان الامريكية وبعض الجامعات البريطانية.

أنا هنا لا أتكلم عن عوامل خارجية في موضوع موت أمريكا، ومنها الانفجار السكاني في دول أخرى خارج أوروبا وأمريكا مثل بعض دول آسيا، وبعيدا عن الاحتباس الحراري أو تغيير المناخ العام أو الزلازال والبراكين أو يوم القيامة، إنما اردت التركيز على الظاهرة التى لفتت إهتمام بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين وفي مقدمتهم باتريك بوكانان.

ويظل السؤال قائما، فإذا تم موت الغرب وترجل أمريكا عن قيادة العالم، من يا ترى سيرث الحضارة الغربية عند موتها؟ وهل العالم الاسلامي مؤهل لتلك المهمة الكبيرة؟ وإذا لم يكن مؤهلا اليوم فمتى يكون مؤهلا؟ وكيف وسط هذه الصراعات والحروب والتخلف والارهاب أو الإتهام بالإرهاب فى العالم العربي والاسلامي، يمكن لنا أن نرث هذه الحضارة ونقوم بتنميتها، وإنقاذ القيم الانسانية؟

أسئلة كثيرة أطرحها لعلها تحفزنا جميعا للتفكير في المستقبل، أوالخروج من الصراع القائم، وأداء الدور العظيم المناط بالأمة (كُنتُم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). لعلنا ننجح في توعية الشعوب، أو ندلهم على طرق بناء المستقبل، خروجا من الصراع ( وقولوا للناس حسنا). وبالله التوفيق.

د. كمال الهلباوي

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق