معذرة... لم نفهمك

بقلم/
فاتن حافظ
مصر : ۸-۱-۲۰۱۳ - ٦:۱۲ ص - نشر

لم نسمع مرة أن الرئيس السابق قام برفع دعوة قضائية ضد كاتب أو مذيع أو جريدة أو ممثل بتهمة إهانة الرئيس، وهم لم يرحموه من النقد اللاذع ولم يسلم إبنه جمال من لسانهم والعداوة المعلنة ضده، أما في عهد الحرية والديمقراطية والحنان الفياض للرئيس محمد مرسي، يقوم الرئيس ذو الصفح الجميل برفع قضية ضد جريدة الوطن وجريدة المصري اليوم والكاتب عبد الحليم قنديل والمذيع محمود سعد والمذيعة هالة فهمي والمذيع باسم يوسف بتهمة إهانة فخامة وعظمة كيانه الموقر… نشكر الرئيس المنتخب علي سعة صدره وحسن إستيعابه للنقد وتجسيده لمثل قوي يحتذى به في تطبيق روح الديمقراطية والحريه ودعمه البناء لحق التعبير عن الرأي وحق الإفصاح عن وجهات النظر… فمعذرة لم نفهمك!

أليس هو من طالب من العشيرة والقبيلة في إحدى خطاباته أن يحاسبوه إن أخطأ؟! يبدو أن سياساته المفعمة بالعفو والصفح وصلت إلى حد العالمية، فإن كان الإعلام المصري يتشجبها وينتقدها، فيكفيه الإعلام الإسرائيلي الذي يفتخر بها ويمدحها ويثني عليها بسخاء.

الأخذ بالمشوره والرأي الأخر والإنصات للنصح والإرشاد من أهم سمات حكمكم الرشيد، فلن يكفينا فيها قصائد أو دواوين شعر لنسديك فيها حقك من المدح والإطراء، فلم نشاهد رئيس دولة من قبل يستشير ويتباحث ويتدارس أمور الدولة وشؤونها بهذا العمق مع مستشاريه من قيادي الحزب ويترك لهم مطلق الحريه في إلقاء التصريحات واصدار القرارات! حتي ظننا أنهم هم من يحكمون البلاد ولم نظن أبداً أنه من فرط بساطتك وتواضعك أمام شعبك وأمام منصبك المبجل ومن فرط ولاءك لجماعتك… فمعذرة لم نفهمك!

كانت من أهم مواد الدستور المبجل وأبرزها المساواة بين كل المصريين، فلم نكن نعلم أن معناها أعمق من فحواها، فاغفر لنا قصور البصر والبصيرة، فلم نكن ندرك أن بند المساواة في دستوركم المبجل يشمل اليهود المصريين الذين تركوا مصر من ستين عاماً، وهم من لم يجرؤ أحدهم أن يحلم بها في يوم من الأيام. وتتجلى لنا روح العائلة والإحتواء مشرقة جليه عندما نسمح لهم بالعودة والعيش في التبات والنبات بينتا وحولنا وننسي أنهم قتلوا جنودنا في حروب ٤٨ و٥٦ و٦٧ و٧٣ وصبوا القنابل الفسفورية علي روؤوس الفلسطينين ومحوا إسم دوله فلسطين من خريطة الشرق الأوسط، وعفى الله عما سلف، كل ذلك تمكيناً منك وترسيخاً لمبدأ المساواة والعدل بين كل المصريين… فمعذرة لم نفهمك!

ومن عبقرية أسلوب حكم البلاد التي اتبعتموها، والتي تتشابه بشكل مريب مع نظام الحكم السابق، مركزية الحكومة والإنفراد بالسلطة والتوحد في القرار، وهو فقط نابع من إيمانكم العميق ونظرتكم الثاقبة في أن الحرية والديمقراطيه لن تتحقق إلا بالقبضة المحكمة والسلطة المطلقه على سياسات الدولة، حتي لا تتركوا مجالاً لأصحاب الدسيسة والمؤامرة والوقيعة أن يتوغلوا في دهاليز عبقريتكم السياسية ويصيبوكم بالتشتت والتشوش، منهج وعبقرية فذة لن ندرك نجاحها إلا على المدي الطويل، وما هذا إلا قطرة في محيط من نبوغ وعبقرية فائقة في الإدارة والسياسة والتقنين ولكن قليل منا من يفقه… فمعذرة لم نفهمك!

لابد وأن أشيد بموقفك البطولي أمام الشعب عندما حملت علي ثاقلك عبئ الهوة الإقتصادية التي تلوح في أفق البلاد وأصررت علي عدم إفلاس البنك المركزي وإحتياطي نقد يحتضر حتى ظننا أنه الثراء والرخاء الخفي وراء بوابة علي بابا، وهو في الحقيقه حالة رفض ونكران الواقع قمت بها يا سيادة الرئيس بشموخ وكبرياء أمام الآلاف ممن يؤيدوك، أردت أن ترسل بها رسائل إطمئنان للمصريين ورسائل دهاء ماكرة لأمريكا وقطر والسعودية حتى لا يشمت فينا الشامتين ويتربص بنا من في قلوبهم مرض… فمعذرة لم نفهمك!

رفع الأسعار علي المواطنين أمر يزيدنا إحتراماً لك، فليس المقصود به زيادة الغلاء أو تضخم الأسعار بل هو درس قاسي لكل المصريين حتي يتعلموا الإقتصاد والتوفير فلا يهدروا منتجاً ولا يبذروا نقداً ولا يبخسوا قيمة الأشياء، وليتعلموا أن هناك من لا يجد كسرة خبز فيحمدوا الله ويشكروه ويدعوا بمزيد من الغلاء. وهي من ناحيه أخري مناورة ماهرة حتي يواكب سعر المنتج الذي نستورده بالدولار سعر المنتج المحلي الذي نصنعه بالجنيه المصري فيضاهيه ويتكافئ معه، وهذا في حد ذاته دهاء سياسي إقتصادي محنك قلما يستوعبه أصحاب العقول البسيطة… فمعذزة لم نفهمك!

سيناء الحبييبة برمالها الذهبية شهدت هجوماً وكراً وفراً من قوى غريبة مجهولة الهوية وعندما أرسلت القوات المسلحه للتصدي والمواجه قابلوهم بهدؤ وسلبيه غير معهودة وعلي مرئ ومسمع منك ومع ذالك لم تعلن قصورهم أو تقاعسهم بل تركت الشعب يدركها بعينه ويحملهم مسؤلية الإهمال لحماية الرمال الذهبية. ويلقنوهم درساً لا ينسى. أسلوب شهد شاهد من أهلها أنه أسلوب غير تقليدي مهذب أبدعته خبرة الرئاسة وعبقريتها ليحذو حذوها رؤساء وحكام العالم… فمعذرة لم نفهمك!

نرى يا سيدي الرئيس جرأة وإندفاعاً في قراراتكم ولكنه اندفاع الفراشات الفرحة التي تتأرجح وترفرف عشوائيا حتي تسلك المسار الصحيح، ولا يسعني إلا أن أستعيد بالذاكرة المقولة المأثوره للرئيس التونسي زين العابدين بن علي عندما خاطب شعبه الثائر وأعلن راضخاً "فهمتكم… فهمتكم" فنحن نعلنها لك الآن من موقعنا هذا بكثير من الندم الأسف ونقول لك "فهمناك فهمناك" وعزاءك أننا لم نتأخر بها عليك ثلاثين عاماً كما تأخر بها الرئيس التونسي علي شعبه.

معذرة لم نفهمك، كانت عقولنا مشوشة وعدساتنا معتمة، اعترانا سؤ الفهم وجهلنا المغزى والمضمون، إحساسنا بالذنب لا يحتمل والإعتراف بالخطأ واجب، لذالك ندين لك بإعادة التقييم وإعادة التقدير ونعدك بإعادة إنتخابك. نعم سنعيد انتخابك ياسيدي الرئيس ولكن هذة المره لبلاد الواق الواق.

فاتن حافظأمريكا

كاتبة مصرية مقيمة في الولايات المتحدة

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق