بين الآراء وسبل الإرتقاء

مصر : ۲۷-۲-۲۰۱٤ - ۵:۰۳ م

يُعتبر تقبل الآراء ومُناقشتها مناقشة جادة، من أجل الوصول لفهم أعمق، من أهم الأمور المُلتصقة بمتطلبات التقدم الحضاري فالمجتمع يُبنى بآراء وإسهامات جميع أبنائه وليس بإسهامات قائد أو مفكر واحد.

وما كان الرأي الآخر إلا دليل عافية فكرية ومصدر إغناء بالمعلومات حيث يُساعدنا على بناء فهم متكامل وشخصية محورية تَعي جوانب الأمر، فلكل شخص زاوية نظر يفكر فيها من جانبه ولكل شخص فكرة خاصة يراها هي الأقرب للصواب، فالإختلاف سمة أساسية في حياتنا تؤدي إلى الإبداع، والحقيقة ما هي إلا عدة أفكار، فالحقيقة لها جوانب مختلفة.

ومن هذا المنطلق وجب أن يكون تقبل الرأي الآخر حقّ مقدس وتقديسه ما جاء إلا بغية الإرتقاء في سلم النجاح، فمتى قبلت فكرة غيرك وأخذت تنهل منها كما طالب العلم وسعيت جاهداً لتفكير جديد يجمع بينها وبين فكرتك ونئيت بنفسك عن أبجديات العصبية والإنتقاص من الغير، فبالتأكيد أنت صعدت أول درجات سلم النجاح، فالإنسان الناجح يدرك أن فكرته خطأ يحتمل الصواب لا العكس، ولنا في التاريخ عبرة وعظة كبيرة فكم من مفكر ومخترع إفترض خطأ نظريته وبدأ يكيل لها النقائص حتى طور فكرته ووصل إلى الإبداع وهذا المبدأ هو ما أشعل أوروبا بالصناعات في عصر الثورة الصناعية.

وما كانت عقبة الطريق الأساسية نحو الأخذ بهذا المفهوم إلا الخوف من مفهوم "هدم مفردات الشخصية" والتي تشربناها منذ الصغر سوءاً كان بالتربية أو بالتعليم، فهذا مفهوم دخيل غرسه فينا عدو وأشربنا إياه إلى حد الإرتواء فأثمر حب الذات والإستقلالية التي أنزلناها في غير منزلها حسب ما سعوا هم لإفهامنا إياه وبذلك خسرنا أول مراحل الغزو الفكري لنكون في آخر الأمم مع الجيل الرابع والخامس.

وهنا قبل أن نُمعن في تفتيت هذه الأفكار لابد من ذكر قول أحد فلاسفة الصين حينما وضع نظريته في الإصلاح فقال "أن الإصلاح لا يبدأ أولاً بإصلاح المفاهيم" وأرجع هذا الفيلسوف الفساد الحاصل في ذاك الوقت في الأمم إلى فساد المفاهيم والأخلاق وما فسدت الأخلاق إلا نتيجة لفساد سبل الفهم وعدم إنزال المعاني مواقعها وما حصل ذلك إلا فسُد الرأي وما فسُد الرأي إلا أستُعبدت الامم وتهالكت.

ونحن إذ نقف أمام هذه الأفكار الدخيلة التي إن لم نسيطر عليها ونهذبها وفق مفهوم عاقل ففنى عليها الكبير وكبر عليها الصغير وفصح عليها الأعجمي فلا يسعنا إلا الوقوف أمامها والمناداة بإصلاح مفاهيمنا وأخلاقنا الجديدة لنرجع إلى أخلاقنا الحميدة، إلى عصر الشورى والأخوة وما كان عصر الشورى إلا عصر إزدهار للرأي والفكر وعدم فساد سُبل الفهم وإنزال المعاني مواقعها.

ولنا في تاريخنا الإسلامي الكبير أشدّ العبرة والعظة ووجب أخذنا بمفهوم نادى به أسلامنا وأكد عليه خليفتنا عمر وهو مشروع قويم لنبذ الإستبداد ودرء العصبية الذي بدوره يلغي تأثير ثالوث القمقمة والحصار لنصل إلى اقتدار في الإحترام والفكر ولنسود عالم ساده من قبل عمر.

وحينما نتكلم عن الرأي والرأي الآخر فإننا نتكلم عن سبيل قوي وطريق مستقيم لتوحيد الأمة المُشتتة، فأول خطوات ترسيخ مبدأ الوحدة هو تطبيق المفهوم بوعي شامل وإدراك كامل لمتطلبات هذا المفهوم، فمتى أدركناه حق إدراكه إلا إندمجت أفكارنا، ومتى إندمجت وإحترم أحدنا فكرة الآخر إلا غدونا عصبة قوية عصية على الإنكسار وكنا حائط صدّ منيع ضد محاولات العدو لتفتيت عضد هذه الأمة، فإندماج الأفكار يؤدي بدوره إلى نسيان الذات، الذي يقودنا إلى إعطاء ذاتنا قوة كامنة ينتج عنها إمكانياتنا الحقيقة، فتنبت عطاءاً ساعياً إلى أبعد الحدود ويؤدي أيضا إلى إدراك التحديات والعمل لرفع المهارات حسب هذه التحديات.

ومتى فقدنا مصطلح الرأي والرأي الآخر إلا أهدرنا فكرنا وعليه وقعنا فريسة الأفكار الضالة وقبل أن نخوض في غمار تفسيره دعونا نوضح شيئاً مهماً في مسألة هدر الفكر ساقها لنا د. مصطفى حجازي في كتابه القيم الإنسان المهدور، حيث قال "إن مشكلة الإنسان هذه الإيام هي التسارع وإنعدام التأكد وهما يبقيان شيئان مضمونان هما اليقين والإقتدار الفكري وفقط المعرفة والإقتدار الفكري هما الضمانة الوحيدة للحفاظ على المكانة ولعب الدور الراهن والمستقبل بأفضل الطرق" فكيف لهذا الإقتدار دون وعي بآراء الآخرين ودون إيمان بأن للحقيقة أوجه مختلفة لا يعد إقتدراً بل يعد هدراً فبالتأكيد أنت بفكرة واحدة لن تسود العالم وحتى لو تخيلت يوماً ذلك وبنيت على أساسه أفكارك ومهما تعاظم جهدك فسبيلك معروف نحو الوقوع لا الصعود بل نحن بفكرة وفكرة وفكرة.. وفكرة جديدة جمعت بينهما سنستعيد حضارتنا ومجدنا التليد.

ويضيف د. مصطفى حجازي أن ألوان هدر الفكر ما هي إلا ثلاثة كونت معاً ثالوتاً خطراً هم "الاستبداد والعصبية والأصولية" فمتى تجمع هذا الثالوت الخطر فُقدت المعرفة والفكر وفقدا وظائفهما الأصلية، ومتى فقدناهما مهدنا الطريق نحو بناء إمبراطورية إستبدادية كما يحصل في عالمنا العربي الآن من إرهاب للفكر، فمن خالفني فهو عدوي ومن خاواني فهو صديقي، بدلاً من بناء الكفاءات وإعداد الطاقات بتقبل وتشرُب مفهوم الرأي والرأي الآخر. وللعلم هي وظيفة لا تقوم بها إلا المعرفة ليس إلا، دمرناها بالإستبداد نتيجة الأصوليات والعصبيات. وأخيراً تذكروا أننا لن نرتقي الا أن نلتقي، فهيا نلتقي نحو بناء هرم النجاح.

د. أمير عطية عوض السودان

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق