علاقات افتراضية

بقلم/ أحمد القاضي
مصر : ۳۱-۱۰-۲۰۱۹ - ٤:۳۷ م - نشر

إنها علاقات افتراضية فأصبحت العواطف جافة، الحياة نمطية، الصداقة مقيدة بحدود بين أطراف الشاشات، حتى أبناء الأسرة الواحدة يتبادلون الرسائل النصية وهم على مائدة العشاء؛ إن هم عليها اجتمعوا، وقد أضحى من العسير أن يجتمعوا، فالكلمات الرقراقة غدت تفر من العقول ليُشرى بها أحرفا غير ذات شعور على إحدى شاشات العالم الشبكي الافتراضي، بينما تنهال أولة من الشرر لدى أدنى خلاف بسيط، ويكأن الصدور لم تعد تسع أحبابا ولا محبين، ويكأن القلوب باتت شاغرة من الشعور جافة من العاطفة تهجرها أرواحها إلى ملكوت لا نعلمه، وصارت الحياة كلها افتراضية، يهرب الناس من وقائع واقهم الأسيفة إليها، يخادعون ويزورون ويتخفون متسابين ومتلاعنين.

لئن تعاين صفحات العوالم الافتراضية تلك لوجدت انعكاسا ظاهرا جليا لحفائظَ ملتهبة، وحنقٍ مكظوم، وغل مشحون، وكآبة تهيمن على الواقع؛ خيانات تدور حولنا، سرقات للقلوب أفرغتها من حنينها لأي شيء ومن حنوها، قساوة لا تكاد تغفل عنها النهى الواعية والأعين المستطلعة.

والقطيعة حولنا في كل مكان؛ وقد عادت العلاقات كلها افتراضات وكأنها علاقات افتراضية لا تُحس ولا تُعاش، تفتقر إلى الصدق كما تخلو من العاطفة والشعور، فما أسهل أن تدخل حياة إنسان بقبول طلب صداقة افتراضي، ثم تحدثه حديثا افتراضيا يتناهى إلى نفايات العقل الباطن، فتعبر عن امتنانك بوجه باسم، وعن استيائك برمز عابس، وتتحابان بقلب، وترتبطان بقبلة، ثم تنفصلان بدمعة وفراغ سحيق، وسرعان ما تنقطع تلك العلاقات الافتراضية بضغطة زر (حظر) كما بدأنا أول شيء نعيده.

وأين الحياة من ذلك كله؟ هل أصبح البشر عبيد آلة كما اتجه إليه سارتر منذ عقود في فلسفته؟ آلة ولدت لتخدمهم فملكت زمامهم واحتكرت ألبابهم وسيطرت على حيواتهم؛ آلة ابتدعت لتيسر عليهم الحياة فأبادتها وجعلتها افتراضا معقدا، وعلاقاتهم قلبتها: إن هي أدنت القاصي فقد أقصت القريب، وإن اختزلت المسافات مع أولئك البعيدون فإنها رسمت أضعاف المسافات بين أبناء الآصرة والرحم، بل أبناءِ الأسرة الواحدة.

أين نحن من ورقة كنت تكتب عليها خطابا فتطبع عليها القبلة وتدمع عليها الدمعة وترسم عليها البسمة؛ فتجد الورقة تتفاعل معك بخلجات صادقة تصل إلى المتلقي، وعواطف جياشة لا يملكها في هذا الأوان إنسان من أولئك الذين يعيشون حولنا مع الأموات، دماء يابسة، وقلوب تنبضها بلا روح، وعقول تابعة عششت في أركانها العناكب من العطالة وقلة الوعي والتثقف والتفكير.

الآن تكتب باللمس على شاشة ذات ضوء أزرق مزعج، يصيب قلبك قبل عينيك بالجفاف والتشقق، وتقرأ كذلك حروفا لا حسَّ فيها ولا معنى لها؛ أما الكتاب أضحى في تباب، محل استصعاب وانتقاد وتكاسل وتخاذل، والأوراق تنزلت عليها الرحمات، وقد كانوا جميعا أصدق الأصحاب في كل الأمكنة والأزمان.

من أصعب الأمور اليوم أن تسأل أحدهم قلما فتجده حاملا إياه أو في حقيبته، بينما بات أصعبها على الإطلاق أن تجد من ينسى سماعة هاتفه أو شاحنه، وإنها لكارثة لا تكاد تحدث أبدا أن يسهو أحدهم عن اصطحاب هاتفه الذكي.

وقد يكون مؤسفا أن ينطبق هذا على كتاب هذا العصر، إذ يغدون ويروحون في زمرة أجهزتهم اللوحية وحواسيبهم يكتبون ويدونون وقد عزلتهم تلك الشاشات بما تقدمه من تسهيلات تقنية عن الاتصال بالواقع من حولهم الذي يدلي لهم بالفكَر وحجبتهم العلاقات الافتراضية عن صدق التجربة الذاتية الشعورية، وبات انفصالهم الحسي عن الطبيعة يقصيهم كل البعد عن رقة التعبير في قصائد شوقي وبهاء العاطفة في شعر مطران وزهو الشعور في مأثورات ناجي وشاعر النيل، وكأن المعاني باتت أضعف، والألفاظ تهرب منهم إلى فضاء ينتقيها؛ فضعفت الأعمال فاقدة حسَّ النقل الصادق للواقع وانعكاساته الذي امتازت به أعمال يوسف إدريس في السبعينيات ونجيب محفوظ في الثمانينيات، حتى أن الفكر غدا قاصرا والتعبير عاد أركَ.

كأنني الآن تخلد بي الذاكرة إلى كلمات العقاد عن وصفه لاختيار اللفظ ودقة التعبير عن المعنى؛ تلك الألفاظ الملقاة من حولنا في كل مكان وكل طريق وكل معْلَم وكل أثر، إنه الاتصال بالطبيعة، فكل مُستَقبَل حسي منهذا العالم الخارجي يثري عقولنا بكم من الألفاظ والمفردات لا حصر له، وقوة الاتصال بالطبيعة الخلابة والواقع الصادق والاختلاط بالمشاعر المختلجة للمجتمع وحركاته المتباينة الحثيثة، كل هذا يؤدي بنا إلى دقة اختيار للفظ الملائم للمعنى: فالشخص الباسم غير المبتسم غير المتبسم غير الضاحك، والحانق ليس كالآسف، واللون الأحمر يختلف عن القرمزي والزهري غن الوردي، وفي السماء ترى الرباب والضباب والغمامة والكِسَفَ والمزن والصيب، وترى من الشمس الشروق والضحى والدلوك والغروب، وترى القمر منازلَ، والزرع أطوار، وتجد المطر ندىً وغوثا وفيضا وسيلا، وتلفي الأشياء ونقائضها: هذا مسرور وذاك مكدور، هذا متواضع وذاك مغرور، الظُلَم والضياء، الأرض والسماء، اليابس والماء، الخير والشر، الغنى والفقر، الرضى والحنق، الشح والسخاء، المحبة والبغضاء… وكل ذلك يخدمك في الوصف والتعبير، ويحقق لك دقة النقل.

كلها علاقات افتراضية فاليوم أمست علاقة القارئ بالكتاب افتراضية، وعلاقة الكاتب بالكتابة افتراضية، حتى باتت علاقة الأعمال بالواقع افتراضية بالتتابع، فاقدة للمصداقية شاغرة من الشعور، لا تجسد براعة اللغة، ولا تحمل دقة المعنى، ولا تعكس الواقع في موضوعاتها، وأمست كذلك علاقات البشر كلها افتراضية، فالابن يرسل إلى أمه في الصباح صورة مكتوب عليها (صباح الخير) وترد عليه بصورة كُتب عليها (صباح الورد) وينتهي التواصل لبقية اليوم، وفي الأعياد يتبادلون صورا مشابهة تغنيهم عن مشقة الكتابة وعناء الاتصال، وغدت جُمعة العوائل جمعة افتراضية في (جروب) بدلا من (بيت العيلة)، والأصدقاء يتبادلون المقاطع والـ(البوستات) والتعليقات عن بعد يغنيهم عن التلاقي ويورثهم وحشة الاغتراب وسط ملايين البشر، وألم الوحدة بين عشرات الأقارب والأصدقاء، باتت الكلمة بقدَر يضنون بها على بعضهم البعض، ويظنون أنهم أقرب وهم في تباعد دائب، يتراسلون بالقلوب المحبة وصدورهم تنشع البغضاء والقطيعة، ويظل أكثرهم قربا أبعدهم منفى.. ولا عزاء.

أحمد القاضي

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق