في عصر التقدم

بقلم/
مصر : ۳۱-۷-۲۰۱۸ - ۲:۳٦ م - نشر

في عصر التقدمفي كتاب الزمن وفي تلك النقطة الفاصلة بين أطلال الماضي المجيد وآفاق المستقبل المجهول، يسقط ستار الأعراف والقيم تحت شعار التقدم والتطور، شعار كتبته شياطين تتلحف رداء الملائكة بخط عريض لتكمم أفواه، تكبل أنامل كل ناقض ومقاوم لهجمات انتهاكاتها، ما كشف أعراض الأمم والمجتمعات فذاع الفسوق والفجور واندثرت الأخلاق والمبادئ الحميدة لشباب كان الجميع يرى بصيص أمل المستقبل الزاهر في عيونهم.

شباب من كلا الجنسين فضلوا اتباع نزوات هذا التقدم الوهمي ومظاهره من موضى وما تبع ذلك، فنرى العديد من فتيان هذا العصر يركبون أفخم السيارات ويرتدون أغلى الثياب. قمصانهم السوداء، أحذيتهم اللامعة نظاراتهم الشمسية البراقة. كل يضيف بصمته في أيقونة الرجولة المعاصرة الفاشلة، ساعاتهم الثمينة ذات النواقيس المتعاكسة توهمهم بتغيير الوقت بحسب نفحاتهم، يقعدون بجلسات تبدي مدى الزهو والخيلاء المستحوذة على أرواحهم.

ينتظرون أول فريسة تمضي من بين أنيابهم الحادة لينهشوا عرضها بعبارات سب وشتم تقشعر لها الأبدان، مع نظرات احتقار تتخلل تفاصيل بدنها المثير. كل هذا كاف ليتملك الضحية شبح رعب وخجل يدفعانها للهرولة والإسراع من خطواتها. ليليها في نهاية قهقهة وضحك صاخبان يطلان أكثر على سفالة أولائك.

لكن للأسف كل ذلك مجرد حبر على ورق يمحى بمجرد سكب بضع قطرات ماء عليه، فالرجولة الحقيقية لا تكمن في التزين والتعطر بأفخم وأثمن أنواع الروائح لجذب واستقطاب أكبر عدد من الضحايا لشراكهم، أغبلهن فتيات في مقتبل العمر يعشقن حياة البذخ والرفاهية وكذا التلاعب بمشاعرهن فقلوبهم المتحجرة ودخيلتهم الميتة أفقدتهم طعم الإنسانية. بل الرجولة الحقيقية تنبعث من زهور العفة والشجاعة وورود الفطنة والحكمة.

ليس بالضرورة أن تكون الضحية مظلومة في كل مرة، ففي الضفة الأخرى نجد الكثيرات ممن يلبسن قناع الغزال الهارب في هجوم الافتراس ذاك، هن الدافع الأول لإيقاظ غريزة أولائك الذئاب الجائعة والمعطشة لوبخ والتهام إرب اللحوم المتحركة تلك، ذوات الشعر الطويل، القصير، المجعد أو حتى المنسدل. الشقراء، الصهباء، السمراء.. فتيات تختلف أشكالهن ولكن الغاية واحدة: الإيقاع بأكبر كم من الفتيان الأثرياء ابتغاء سلبهم اكبر المبالغ المالية يرتدين الألبسة الضيقة، التنانير القصيرة القمصان الفاضحة لتبدي أكثر تفاصيل جسم مغري بالغ الأنوثة، يستدرجنهم به للوقوع في شراكهن تحت بمبدأ الأكثر إغراء.. الأكثر جمالا. لكن نسين أن الانوثة الطاغية والجمال الساحر في الستر والطهارة والحشمة والحياء.

ما كتب في هذه السطور ما هو إلا وصف بسيط مصغر لما يحدث في مجتمعاتنا حاليا وما أخفي أعظم، والحل لفرز هذه الفوضى العارمة هو في العودة لأسس وضعها عمالقة العصر الماضي، فالتخلف الحقيقي يكمن في بعض العقول الآن والتطور الحقيقي كان مع أجدادنا.

مريم عتمانيAlgeria

Copyright © 2018 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق