أمة العرب في ثلاث غنوات

أمة العرب في ثلاث غنوات

لقد بات من الواضح حولنا فى منطقة العالم القديم، أو ما يطلق عليه حديثا الشرق الأوسط، بأن هناك تحولات كبيره. تتمثل فى نهوض عدد من الأمم بعدما أعادت إدراك حقيقتها الأممية وبدأت تتطور فى تفاعلها وتتطلع لدور يليق بهذا التطور. بدءا من الفرس والأتراك وقبلهم الكيان الصهيونى وحتى أثيوبيا. أصبحوا جميعا يتصارعون ويتكالبون على أمة مازالت شعوبها لا تدرك أنها أمة تعيش فى محيطها ومطلوب منها أن تفرق أغنامها بين المغيرين رضت أو لم ترضى.فما هي حكاية أمة العرب في ثلاث غنوات؟

كإنسان عربى أخشى على وجودي وأعرف مبادئ أولية لا أحول عنها، مهما الزمان حال دون ذلك. فإنا على نفس الإصرار من أن الكفر بفكرة الوجود العربى ووحدة مصيره، بل ووحدة أمنه القومى، لن يغير أو يلغي حقيقة وجوده. وأن أى تفريط من أى نوع هو تفريط غير ملزم لي ولا لأي من الأجيال القادمة.

وبين التكفير والترهيب حول مفهوم الأمة وبين التيه الذى ضرب بأصولنا وأعرافنا حتى أصبحت فكرة الأمة العربية إما فكرة محرمة يطال صاحبها بتهمة التكفير، أو حلم من الأحلام يخيب الأمال مع كل إنتكاسة عربية بعد أن أصبح العرب لا يبدعون فى شئ سوى الإستنكار والشجب واللطم وشراء الإستثمارات غير الحيوية فى أوروبا كالأندية والمولات.

ولكن هل هناك فعلا ما يمكن أن يوصف بالأمة التى تجمعها وحدة اللغة والأرض والتاريخ؟ وهل فى هذا العالم ما يمكن أن يطلق عليه لفظ الأمة؟ رأيت بمناسبة الشهر الكريم أن يكون حديثي عن الأمة كما جاء وصفها في القراّن الكريم من تعريف ومعنى حول تلك الكلمة.

وردت كلمة أمة فى القراّن الكريم فى أربع وستين آية من آيات القراّن. جميعهم يحملون نفس المعنى والدلالة إلا أربع أيات فقط.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
جرائم ضد الإنسانية بسوريا

فقد جاء كمثال فى سورة النحل "إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ" (الآية ١٢٠) وبذلك يكون سيدنا إبراهيم قد اصطفاه الله فجعله أمة لوحدة دون من سبقه من عصب لكى يكون من جاء من نسله فيما بعد أمة إبراهيم.

ثم جاء قول الله فى معنى أخر للأمة من المعاني الأربعة فى سورة هود فى قوله تعالى "وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ" فجاءت الأمة بمعنى الأجل. وفى آيتين سورة الزخرف (الآية٢٢ والآية ٢٣) جاءت الكلمة بمعنى الطريق أو العقيدة.

أما غير تلك الأيات الأربع فقد جاءت الكلمة للدلالة فى الستين آية على مطلق الجماعة إذا تميزت عن غيرها مهما كان مضمون التمييز "دل على أن الأمة جماعة إنها فى كل موضع جاءت فى موقع الفاعل الغائب أشير إليها فى الفعل بواو الجماعة". عن العروبة والإسلام، المؤلف د. عصمت سيف الدولة. ولا تنحصر الجماعة على جماعة من البشر ولكن قد تكون من الطير أو الجان كما جاء فى قوله تعالى "قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ" (الأعراف الآية ٣٨).

بل اختصت الكلمة المجموعة الواحدة وفقا أيضا لعنصرى الزمان والمكان فقال الله تعالى "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً" (البقرة الآية ٢١٣) أى فى بدء الخلق كان الناس جماعة واحدة متميزة عن بقية الخلق. ثم شاء الله أن التعدد كنفاذ لأمر الله تعالى "وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا، وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" (يونس الآية ١٩).

وعليه فإن كلمة أمة كما ذكرت فى القران جاءت لتميز بين كل عنصر مشترك فأعطته وصف الأمة وبالتالى قد يكون هناك مجتمع متميز من المسلمين فيكون هناك الأمة الإسلامية، كذلك قد تتميز جماعة دون غيرها فى اللغة أو التاريخ أو الأرض فتكون بتلك الصفة هى الأمة كحال الأمة العربية التى باتت منقرضة فكريا. من ينكر ذلك فهو ينكر حقائق إجتماعية، وذلك فقط لما أصابه من خيبات آمال متلاحقة لتلك الامة المنكوبة. والآن إلى عنوان الموضوع: أمة العرب في ثلاث غنوات.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
أريد حكومة.. أريد شعباً

لكي نختصر تاريخ تلك الأمة فى السبعين عاما المنصرمين، سنجد مثالا حيا لثلاث أغنيات فى مراحل زمنية مختلفة تجسد تاريخنا الحديث ومأساته. فكانت أولى تلك الأغنيات أو كما سميت بأوبريت "الوطن الأكبر" الذى ذاع صيته وإمتد نشيده من المحيط إلى الخليج فى فترة الستينات عندما كان هناك حلم أو مشروع مهما كانت أسبابه أو أهدافه أو مؤامراته أو النهاية التى آلت إليه.

ولكن بالتركيز مع الكلمات وألحان محمد عبد الوهاب التى إستلهمها من المارشات العسكرية، أمدت تلك الأوبريت بالحماسة المطلوبة والتى كانت عنوان تلك المرحلة، ولمن يرى الأوبريت اليوم لا يمكن مقارنة أى من الأجيال المتعاقبة عليه مع ابطاله وروائع الاّمال التى بنيت من هذا النشيد.

أما الأوبريت الذى تلاه فقد مر حوالى أكثر من ٣٨ عاما بينهما وهو أوبريت "الحلم العربي" وشتان الفارق فى الكلمات والألحان بين النشيدين، ولا أقارن هنا أيهما أرقى فنا أو أروع إبداعا، ولكن أقارن حجم الحماسة والآمال التى توارت عبر الثلاثين عاما، وعن المرارة التى باتت واضحة بين طيات الكلمات والناى الذى ملا الألحان مقارنة بالمارشات التى كانت قبل ذلك الزمان بزمان. وإن كان هناك بصيص من الأمل لازال موجودا يحاول أن يجد منفذ للنور وسط كهوف عقولنا.

وأخيرا بعد هذا الأوبريت بأعوام جاء أخرهم وهو "الضمير العربى" والذى إن أردت أن تقارن بينه وبين الأوبريت الأول لجاءك أحساس بأن هذان النشيدان يمثلان أمتان مختلفتان وأنه من غير الممكن أو المنطقى لهؤلاء الأباء الذين تغنوا بالوطن الأكبر بمنتهى الحماسة والقوة والتفائل جاءوا بأبناء يتغنون عن الحسرة والمرارة والضعف والوهن. فبإختصار تلك حكاية أمة العرب في ثلاث غنوات.

ولعل جيلا جديدا يوما ما يدرك أنه وسط كل هذا العار والصمت، أننا أمة واحدة، من الجائز تتميز عن غيرها من الأمم بما يميزها من وحدة، أولها فى اللغة، وإن كانت تلك هى أهم المكونات، بل من أعظمها لدى أى شعب من الشعوب بل الأخص عندما تكون تلك اللغة هى اللغة العربية التى هى أصل للغات كثيرة ولغة القراّن الكريم، إلا أنها فى مسار أخر يمكن أن تعد هي لعنتنا، فسحر الكلمة العربية جعلت من العرب عبر العصور وخاصة في هذا العصر السعيد شعب الخطابة واللجاجة والإستنكار والمدح والهجاء ولا نملك أكثر من هذا فى مواجهة أعدائنا ولا نملك إلا ألسن تلعن بعضنا بعضا، من إتهامات بالعمالة والخيانة والجبن من جانب، أو إتهامات بالفقر والشحاته والتسول لدى البعض الأخر.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الحكم في المذبحة

أصبحنا بعنصر اللغة خصوم، وبعنصر المال البعض متسولون وأخرين تنابله مانحين. وحتى حدود أوطاننا فقد قسمت ما بين ١٨٤٠ تارة بسلخ مصر وأخرى فى ١٩١٧ ومأساة ١٩٤٧ وأخيرا بالخليج فى عام ١٩٧١، حدودا رسمها المستعمر ورحل ولكن تظل تحت رعايته وأوامره وأحكامه.

وبالعودة إلى بداية حديثى لوجدنا فى وطننا الواسع أمم من حولنا أخذت من عبرة غفلتنا وكرهنا لأنفسنا درسا لإعادة لملة أنفسها ورسم مخططاتها ضدنا، فالأمم الإيرانية والتركية والأثوبية وحتى اليهودية "الصهيونية" هم الآن يطرحون أنفسهم بقوة كمجموعة من الذئاب والهدف هو بقايا ما تبقى من كرامة تلك الأمة العربية وأرضها وثرواتها وانحدارها كما ترى في أمة العرب في ثلاث غنوات تعبر عن سبعين عاما من السير إلى الوراء.

انشر تعليقك