من بيروت إلى بكين – عودة الحوار عن الشرق والمشرقية والحياد الإيجابي

من بيروت إلى بكين – عودة الحوار عن الشرق والمشرقية والحياد الإيجابي

في العام ٢٠١٧ اصدرت سلسلة عالم المعرفة التي يشرف عليها المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب في الكويت كتابا هاما من جزئين يحمل الرقمين ٤٥٤ و٤٥٥ بعنوان: ثلاث مدن مشرقية – سواحل البحر الابيض المتوسط بين التألق والهوية، لمؤرخ البلاطات والأسر الحاكمة فيليب مانسيل، وترجم الكتاب الباحث المصري د. مصطفى محمد عبد الله قاسم، ويتحدث هذا الكتاب القيّم عن منطقة المشرق وتاريخ تطور ثلاث مدن مشرقية هامة وهي الاسكندرية وبيروت وسميرنا، المعروفة اليوم باسم أزمير التركية.

ويعتبر المؤلف أن المشرق يضم الأراضي الواقعة على الشواطيء الشرقية للبحر الابيض المتوسط، وهي تحديدا الدول الحديثة: اليونان وتركيا وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر، التي كانت من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين جزءا من الامبراطورية العثمانية. وفي عصر الحروب الدينية، كان هذا المشرق وتحديدا موانئه، بوتقة للتجاور بين مختلف الاديان والاقوام، وانتصبت فيه المساجد والكنائس والمعابد جنبا الى جنب، وتجاورت فيه اللغات والثقافات والمواريث القومية، وكان نموذجا للتعايش بين الاديان والاقوام، رغم الصراعات والحروب التي حصلت في مدنه المختلفة.

اهمية استعادة الكتاب اليوم، ومؤلفه اوروبي متخصص بتأريخ الملوك والبلاطات والعصور الملكية، نظرا للسجالات القائمة حول الشرق والمشرقية والدعوة الى الحياد، هذه النقاشات الدائرة في بيروت، والممتدة الى اكثر من عاصمة عربية واسلامية، وصولا للمشروع الذي تطرحه الصين حول استعادة طريق الحرير، الذي تجدد مؤخرا في مرحلة ما بعد انتشار فيروس كورونا في العالم، الذي ادى لبروز الصراع المباشر بين الصين واميركا حول قيادة العالم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا.

وقد اعدّ المفكر اللبناني العربي الاستاذ سعد محيو كتابا هاما، وهو قيد المراجعة والنشر، بعنوان: القيم المشرقية، ومن خلاله يقدّم اطروحة جديدة لاستعادة دور الشرق والمشرق والثقافات المشرقية في ظل أزمة الغرب والرأسمالية، التي برزت بوضوح بعد انتشار فيروس كورونا، وهذا المشروع استكمال لما طرحه سابقا محيو ومنتدى التكامل الاقليمي من دعوة الى حوار عربي – تركي – ايراني – كردي والتعاون الاقليمي لمواجهة الازمات والحروب.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
بلسان المصريين وقلوبهم: منحبك يا مصر

ومؤخرا برزت في بيروت، وقبلها في بغداد، الدعوات مجددا للتعاون مع الشرق لمواجهة الازمات الاقتصادية والمالية، وعناون الشرق يتضمن كل المنظومة الاسيوية الممتدة من بيروت حتى بكين، ويمكن ان تضم ايران وتركيا وروسيا وباكستان واندونيسيا وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية والهند واليابان وماليزيا وغيرها من الدول الشرقية، لكن للاسف تم تصوير هذه الدعوة وكأنها تهدف لتغيير وجه لبنان او قطع العلاقات بينه وبين الغرب والدول العربية، كما ان هذه المحاولة جرى إجهاضها في العراق بعد ان قام رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي بعقد صفقة اقتصادية ضخمة مع الصين بمئات مليارات الدولار، ولكن جرى بعد ذلك تحريك التظاهرات ضد حكومته مما ادى الى اسقاطها وتوقفت هذه الصفقة الضخمة.

المعروف أن اشكالية الصراع بين الشرق والغرب ليست جديدة ولا سيما في القرن العشرين، وبعد الحرب العالمية الثانية حيث نشأت كتلتان سياسيتان كبيرتان الاولى باسم الكتلة الغربية بقيادة اميركا، باسم الحلف الاطلسي، والثانية برئاسة الاتحاد السوفياتي وتضم الكتلة الشرقية الشيوعية، باسم حلف وارسو، وحصلت الحرب الباردة بينهما طيلة القرن العشرين وحتى سقوط الاتحاد السوفياتي ، وبالمقابل برزت دعوات في العالم لتشكيل منظومة حيادية باسم دول عدم الانحياز، وقاد هذه المحاولة الرؤساء الثلاثة عبد الناصر وتيتو وغاندي وعقد المؤتمر التأسيسي في باندونغ، وكانت الصين تدعم هذه المنظومة.

كما أن شعار “لا شرقية ولا غربية” تبناه الامام الخميني خلال ثورته على الشاه في ايران، وهو منبثق من القرأن الكريم الذي ورد في أياته الكريمة في سورة النور “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (٣٥).

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
انت ولا فاهم

لكن هل طرح دعوة الذهاب الى الشرق تأتي في سياق مواجهة الغرب؟ وهل استعادة الثقافة الشرقية او المشرقية هي من اجل الرفض الكامل للثقافة الغربية او التعاون المطلق مع الغرب؟ وماذا تعني دعوة الحياد الايجابي او عدم الانحياز اليوم، هل هي بين محوري الشرق والغرب، او بين المحاور الاقليمية والدولية المتصارعة؟ او عن الصراع مع العدو الصهيوني ودعم القضية الفلسطينية؟

كل هذه الدعوات تحتاج الى تدقيق واعادة تعريف للمصطلحات لتحديد ما هو المطلوب في ظل التداخل الكبير في الثقافات والمصالح والعلاقات بين الدول، فلم يعد بالامكان تقسيم العالم بين شرق وغرب، وحتى الجمهورية الاسلامية الايرانية تخلت عمليا عن شعاراها الهام: لا شرقية ولا غربية، واصبح لها علاقات قوية مع روسيا والصين والهند، اضافة لعلاقاتها الاقليمية مع دول الجوار كتركيا وباكستان ودول الخليج والعراق.

نحن اليوم في عالم متداخل ومتفاعل، واذا كانت هناك ضرورة للاستفادة من القيم والثقافات المشرقية او الشرقية سواء كانت ديانات توحيدية او منظومات اخلاقية وثقافية اطلقها بعض المفكرين واصحاب الرؤى الاخلاقية كما هو الحال في الصين واليابان والهند، فان الانقطاع عن ثقافة الغرب وتطوره وتكنولوجياته وعلومه اصبح من المستحيل، مع العلم ان معظم هذه العلوم قد انتقلت ايضا الى دول الشرق التي شهدت تطورا علميا هاما كما هو الحال في كوريا الجنوبية والهند والصين، اضافة للتطور الاقتصادي والمدني الحاصل في هذه الدول وفي ماليزيا واندونيسيا وهونغ كونغ وسنغافورة وغيرها.

قبل الحرب الاهلية في لبنان كانت بيروت تسمى “سويسرا الشرق” ، وكان لبنان يفتخر بأنه جسر التواصل بين الشرق والغرب، واليوم بدل تخييرنا بين الشرق والغرب او تبني مشروع الحياد غير الواضح، لماذا لا نعود نلعب الدور الفاعل في الحوار والتفاعل بين كل هذه الثقافات ونتحول الى مركز لمواجهة الصراعات والحروب بدل ان نكون جزءا من هذه الصراعات.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
النظام العربي ونظرية المؤامرة

هذا هو التحدي الكبير وهو الطريق الاساس لمواجهة الازمات الاقتصادية والمالية والسياسية، من خلال التعاون الاقليمي نستعيد دورنا المشرقي الهام دون ان نتخلى عن حقنا في مواجهة الاحتلال الصهيوني واستعادة اراضينا المحتلة واعادة بناء دولنا على اسس صحيحة من الديمقراطية والتنمية وحماية حقوق الانسان.

وقد يكون كتاب ” ثلاث مدن مشرقية” الصادر عن عالم المعرفة والكتاب الذي سيصدره الاستاذ سعد محيو حول القيم المشرقية وكتاب الاستاذ انيس نقاش باسم كونفيدرالية المشرق وغيرها من الكتب عن الشرق وثقافته ومدنه واديانه وجغرافيته كلها مفيدة لفتح نقاش حقيقي حول الشرق والغرب اليوم في هذا العالم المتحول والذي لا يستطيع احد ان يحدد اتجاهه في المرحلة القادمة في ظل استمرار انتشار فيروس كورونا وتأثيراته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعلمية والسياسية.

[/responsivevoice]

اترك تعليقاً