يوم تغيرت أمريكا.. إلى الأبد

يوم تغيرت أمريكا.. إلى الأبد

يوم تغيرت أمريكا.. إلى الأبد - مرت تسع سنوات منذ يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١. صباح ذلك اليوم كنت أشاهد الأخبار في البرنامج التليفزيوني "صباح الخير يا أمريكا" وبدأت المذيعة في عرض ما سيتم تقديمه في حلقة اليوم، وخلفها شاشات تليفزيون تعرض ما بدا للوهلة الأولى وكأنه فيلم درامي أو لعبة فيديو أو حتى رسوم متحركة لطائرة مدنية تطير على إرتفاع منخفض ثم تصطدم بإحدى ناطحات السحاب المعروفة في مدينة نيويورك الأمريكية وهو برج مركز التجارة العالمي.

مرت لحظات طويلة، أفاقت بعدها مذيعة "صباح الخير يا أمريكا" من ذهول الصدمة الأولى لتعلن أن إحدى الطائرات المدنية إصطدمت بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك في تمام الساعة 8:46 صباحاً بتوقيت نيويورك، وبعد ذلك بربع ساعة إصطدمت طائرة مدنية أخرى بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي بنيويورك، ثم بعد ذلك بنصف ساعة إصطدمت طائرة مدنية ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية، مبنى البنتاجون في ضواحي واشنطن العاصمة، وبعد ذلك سقطت طائرة مدنية رابعة في ولاية بنسلفانيا يعتقد أنها كانت في طريقها لتصطدم بالبيت الأبيض في مدينة واشنطن العاصمة. إنهار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي بعد حوالي 55 دقيقة من الإصطدام ثم إنهار البرج الشمالي بعد حوالي ساعة وأربعين دقيقة من الإصطدام، وأظهرت بعض تسجيلات الفيديو ما بدا وكأنها تفجيرات من داخل المبنيين قبل إنهيارهما مباشرة. وقد قتل في هذه الأحداث ما يزيد على ثلاثة آلاف شخص، من جنسيات مختلفة، بناء على التقديرات الأمريكية الرسمية.

أثناء هذه الأحداث، كان الرئيس الأمريكي جورج بوش "الإبن" في زيارة لمدرسة إبتدائية في ولاية فلوريدا، على بعد أكثر من ألف ميل من واشنطن العاصمة. إتصل الرئيس بمستشارته للأمن القومي، كونداليزا ريس، التي أكدت له الأخبار وطلبت منه أن يبقى في فلوريدا وأن لا يحاول الحضور إلى واشنطن لأن "البيت الأبيض يتعرض لهجوم جوي". ثم تحصن نائب الرئيس، ديك تشيني، وكونداليزا ريس وجميع العاملين في البيت الأبيض، في داخل غرفة عمليات مخبأ البيت الأبيض، تحت الأرض. وتم منع جميع عمليات الطيران المدنى والتجاري فوق الولايات المتحدة بالكامل، وإنقطعت الإتصالات التليفونية واللاسلكية في أمريكا.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
تركيا والهواتف الذكية لمقاومة جائحة كورونا

وسرعان ما تطايرت التحليلات والتفسيرات ونظريات المؤامرة لكشف غموض هذه الأحداث:

  • فمنهم من قال إن تنظيم القاعدة قام بتخطيط وتنفيذ هذه الأحداث من داخل "الكهوف" التي يتنقل بينها قادة القاعدة للإنتقام من تدخل أمريكا الظالم في العالم الإسلامي
  • ومنهم من قال إن نظام صدام حسين في العراق ضالع في هذه الأحداث ليصرف الإنتباه عن برنامجه لإنتاج "أسلحة دمار شامل"
  • ومنهم من قال إن اليمين الأمريكي الرأسمالي المسيحي المتطرف بقيادة المحافظين الجدد (Neoconservatives) وهو ركيزة التأييد الرئيسية للرئيس بوش الإبن، له دور في تلك الأحداث لتقوية قبضتهم على الحكم في واشنطن بخلق عدو خارجي "الإرهاب" حتى يتحد الأمريكيون خلف الرئيس الجديد، بوش الإبن، خصوصاً أنه تولى الحكم بعد إنتخابات مشكوك في نزاهتها لأول مرة في تاريخ أمريكا
  • ومنهم من قال إن الصهيونية العالمية وحلفاءها من ماسونيين وغيرهم، قاموا بتخطيط هذه الأحداث بشكل غير مباشر عن طريق إختراق تنظيمات من قاموا بتنفيذها، ثم بعد ذلك إلصاقها بالمسلمين حتى يكتمل مخططهم بأن تقوم أمريكا وحلف شمال الأطلنطي (NATO) بضرب الأمة العربية والإسلامية وتفتيتها وإحتلالها
  • ومنهم من قال إن الإمبراطوريات الصناعية الأمريكية والعالمية للتسليح وصناعة السلاح وتجارته ضالعة في هذه الأحداث لزيادة ترويج مبيعاتها من الأسلحة المتقدمة في أمريكا وفي العالم أجمع، وفي نفس الوقت وعلى طريقة ضرب عصفورين بحجر واحد، إغراء المحافظين الجدد بغزو وإحتلال مصادر البترول العربية التي تحتاجها إمبراطوريات صناعة التسليح.

وإذا طرحنا جانباً جميع التحليلات والنظريات، بما فيها من نظريات المؤامرة، وإذا إستقرأنا الأحداث التي تلت ذلك اليوم، فإنه أياً من كان الذين قاموا بهذه الجرائم من مدبرين ومنفذين، فإن هذه الجرائم أدت بالفعل إلى تغيير أمريكا.. وإلى الأبد، بما يصفه بعض المحللين بأن هذه الجرائم أدت إلى هزيمة أمريكا من الداخل على أيدي المحافظين الجدد بما إتخذوه من إجراءات إستثنائية وغير دستورية أفقدت أمريكا قوتها ومصداقيتها.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
فلسطين دولة مراقب

فقد تغيرت أمريكا من الداخل بإصدار ما يسمى بقانون "الوطني" (Patriot Act) الذي سمح للحكومة الأمريكية بالإغتيالات والتعذيب وإنشاء السجون السرية في الخارج، والقيام بجرائم ضد الإنسانية في أفغانستان والعراق وجوانتنامو باي، وغيرها. أما في الداخل فقد سمح هذا القانون المشين للحكومة الأمريكية بالتجسس على مواطنيها بالداخل وإعتقالهم إستثنائياً بدون الضمانات القانونية العادية أو حتى ترحيلهم من أمريكا إذا لزم الأمر، كما حدث مع العديد من العائلات المسلمة التي تحمل الجنسية الأمريكية.

تواكب مع هذا القانون المشين حملة تحت مسميات متضاربة مثل "الحرب ضد الإرهاب" التي بدا أن المقصود منها "الحرب ضد الإسلام" خصوصاً بعد ما أعلنه الرئيس الأمريكي من أنها ستكون حرباً صليبية (Crusade). تلى ذلك ما يمكن وصفه بأنه تهديد من أمريكا للعالم أجمع حين قال الرئيس الأمريكي "في الحرب ضد الإرهاب.. إن لم تكن معنا فأنت ضدنا". لقد فقدت أمريكا مصداقيتها وسلطتها المعنوية (Moral Authority) بعد هذه الإجراءات الإستثنائية، وبدا وكأنها تودع دور "القوة العظمى" لأسباب سياسية بعد ما رأينا الإتحاد السوفيتي يفقد دور القوة العظمى لأسباب إقتصادية.

تغيرت أمريكا في سياستها الخارجية أيضاً بغزو أفغانستان بحجة القضاء على تنظيم القاعدة، وحقيقة الأمر كان الهدف هو القضاء على الطالبان وخلق قاعدة أمريكية في هذه المنطقة الحيوية المتاخمة لباكستان. ثم قامت أمريكا بغزو العراق بذريعة أن نظام صدام حسين يملك أسلحة دمار شامل، وثبت بعد ذلك أن هذة الذريعة كانت أكذوبة كبرى لفقتها المخابرات الأمريكية لإحتلال العراق حتى تضع أمريكا يدها على أكبر مخزون بترول في العالم وهو بترول العراق. وإستمر مسلسل المغامرات العسكرية الأمريكية غير المبررة مع إستمرار التأييد الأمريكي الأعمى لبعض قوى الشر في العالم وأولها إسرائيل.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
كورونا والليبرالية الجديدة

فيبدو أن عجلة التاريخ على وشك إستكمال دورتها الحالية، بإنتقال دفة القوى العظمى من قوة أحادية هي أمريكا، إلى عالم متعدد الأقطاب تشمل الصين العملاقة وأوروبا المتحدة وربما نمور جنوب وشرق آسيا إذا إتحدت.

والآن وبعد تسع سنوات من ذلك اليوم المشهود، يوم تغيرت أمريكا.. إلى الأبد، يجب أن نراجع أحوال أمتنا العربية والإسلامية، ويجب أن نراقب بإهتمام تغيرات العالم حولنا. وعلينا أن نستوعب دروس التاريخ، ومن أهمها:

  • إن التغيير لا بد أن يحدث، ومن الضروري أن نكون مستعدين للتغيير، بل وسابقين لأحداثه بمبادراتنا
  • في عالم اليوم، توجد شعوب قوية تقود وتوجه دفة الأحداث لصالحها، وشعوب تابعة تنصاع وترضى بالفتات
  • لا وزن للشعوب والكيانات الدولية الصغيرة أو الضعيفة أو المفتتة، فهي إن لم تأخذ بأسباب القوة العلمية والإقتصادية، وقبل ذلك قوة الوحدة، وفوق ذلك قوة التمسك بدين الله.. إن لم تأخذ بأسباب القوة كلها فإنها تعد نفسها لتصبح الضحية القادمة والفريسة السهلة لكيانات دولية متربصة دائماً.

يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١.. يوم تغيرت أمريكا.. إلى الأبد.

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

محمد علاء الدين

يوم تغيرت امريكا.. الى الابد

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
7 تعليق
أحدث
أقدم
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
عائشة الجيار
عائشة الجيار
2010/09/21 - 10:12 ص

أستاذي الفاضل بفضل جهود من هم مثلك سيظل هناك أمل ،شكرا لك وفقك الله

عائشة الجيار
عائشة الجيار
2010/09/20 - 7:49 م

(إن التغيير لا بد أن يحدث، و من الضروري أن نكون مستعدين للتغيير)
من تقصد د.علاء الدين ،بأن نكون مستعدين ،نحن العرب ،الله يخليك ،الا ترى حكوماتنا ،الا ترى فواجعنا ،أنا أرى الصورة قاتمة،فالتمسك بالكراسي ،واستشراء الفساد لم يترك مجال لنكون أي شيء

،ولك فيما سيحدث في الانتخابات المصرية المقبلة دليل .تحياتي

أحمد حسين الشيمي
أحمد حسين الشيمي
2010/09/18 - 12:54 ص

الدكتور محمد
مقال أكثر من رائع بالتوفيق بأمر الله

7
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x