مصر: الارهاب والاعدامات

بقلم/
مصر : ۸-۳-۲۰۱۹ - ۵:٤۹ م - نشر

مصر: الارهاب والاعداماترحم الله تعالى الشهداء رحمة واسعة، وليتقبلهم فى الصالحين، كانوا من الشرطة أو الجيش، أو كانوا من المواطنين المدنيين الذين قضوا بسبب الارهاب، والحرب على الارهاب، أو على أعواد المشانق أو فى السجون والمعتقلات، قضوا فى المسجد أو الكنيسة أو فى الشارع أو المعسكر، قضوا ظلما أو قسراً أو رهبة أو خطأً. الله تعالى وحده أعلم يقينا من مات شهيدا، فى خضم الارهاب والاعدامات أو غير الارهاب.

الارهاب مرض خطير، سبقه تدريب وتعليم وتجنيد أو تضليل، ودعوات إلى التطرف والتشدد والعنف، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب". هذا بخصوص الكلمة، فما بالكم بالفعل الارهابى. أقول هذا الكلام بمناسبة الشباب التسعة الذين قضوا إعداما فى مصر فى الاسبوع الماضى، بتهمة قتل النائب العام هشام بركات رحمهم الله تعالى جميعا.

اللافت للنظر فى هذه القضية من المتابعة ومشاهدة بعض المحاكمات والتحليل عن بعد، وليس من خلال الاطلاع على الملف عدة أمور.

الأمر الأول: يتمثل فى الفشل حتى الآن فى مواجهة الارهاب بمقدماته من تجنيد وخلافه أو تعليم وتنشئة وخططه الداخلية والخارجية، رغم وفرة المال والمعدات والأجهزة المرصودة والراصدة، والمناط بها هذا الأمر، وكثرة الجهات التى تحاربه أو تزعم أنها تحاربه والتى تسعى لتجفيف أو سد منابع الارهاب. وكذلك طول المدة التى تحارب مصر فيها الارهاب.

الأمر الثانى: يكمن فى عدم تحديد أو تعريف الارهاب تعريفا دقيقا، حتى يقتنع الشعب بهذا التعريف، ويثق فى حسن فهم القائمين عليه أو المحاربين له. وينتج عن هذا الفشل أو الاهمال ظلم كثير واختلاط كبير فى الفهم، والأخطاء تكون قاتلة على كل المستويات.

الأمر الثالث: أن الارهاب خطر على الشعب كله وليس فقط على الشرطة أو الجيش، ولذلك لابد أن يشترك الشعب كله فى محاربة الارهاب الحقيقى، ولا يقتصر على فئة دون أخرى، ولا جهة دون أخرى، وإلا فإن الفشل سيستمر فى حروب القضاء على الارهاب. وخصوصا فى ضوء ما قالته السفيرة آن باترسون مؤخرا من أن مصر فشلت فى القضاء على ألف إرهابى فى سيناء.

الأمر الرابع: أن فشل القضاء على الارهاب فى مصر، يؤدى إلى مزيد من الارهاب، ويكتسب الارهاب أنصارا جددا، ممن ظلمهم النظام أو حمَّلهم نتيجة الفشل الواضح، من جانب من تصدوا لمحاربة الارهاب.

ولقد طرحت سابقا فى كثير من المقالات والندوات والبرامج التلفازية عدة محاور استراتيجية مطلوبة لمواجهة الارهاب فى مصر من وجهة نظرى. وهذه هى المحاور التى ذكرتها:

المحور الأول: دور القوات المسلحة وأجهزة الأمن بما فيها أجهزة الداخلية. نعم هى أولى المؤسسات المنوط بها مواجهة الارهاب وضرورة التغلب عليه إحتراما لحرمة الوطن وخدمته واستقراره. انا شخصيا أرى هزيمة الارهاب وقبره فى مصر بمشيئة الله تعالى، ولكن نفاذ بعض الارهابين الى بعض الأماكن الحيوية داخل مصر وخصوصا فى سيناء أو منها أو غيرها من الاماكن الحدودية، يجعلنا أمام ضرورة ملحة تتمثل فى مراجعة استراتيجية مواجهة الارهاب، وتجعلنا نراجع أهم أربعة نقاط فى استراتيجية تلك الأجهزة والمؤسسات، بشأن المعلومات المهمة لدينا ولدى الارهابين، والآليات المستخدمة، والتدريب، والتقنية المستخدمة فى الناحيتين، ضمانا للتفوق، فنحن فى حرب حقيقة مع هذا الارهاب ومع من يقف وراء الارهابين.

المحور الثانى: محور القضاء وضرورة تفعيل مبدأ العدالة الناجزة، وهى جزء مهم جدا من محاربة الارهاب أو جوانب منه، تلك التى تقع بسبب ما يراه معظم العقلاء ظلما إما فى القوانين وإما فى الاحكام وإما فى الاجراءات. والعدالة الناجزة تقتضى تعديل الاجراءات القانونية أو القوانين نفسها أو سن قوانين جديدة فى ضوء الدستور الجديد. المهم أن تيار القضاء سواء المدنى أو العسكرى، يكون تيارا واحداً محكما، لا يهرب منه أى معتدى على هذا الشعب فسادا أو ظلما أو عنفا أو إرهابا. وتنتعش حقوق الانسان ولا يجرؤ أحد على الافتراء من جميع الاتجاهات.

المحور الثالث: هو الاعلام، والعودة الى الموضوعية، والابتعاد عن الفلولية والتشدد والتطرف على أى جانب أو التهويل، والاهتمام والتركيز على الابحاث والدراسات، ونتائجها، أكثر من الاهتمام والتركيز على برامج أو مداخلات تثير الكراهية والانقسام فى المجتمع، وتعلم صغار السن أحيانا قلة الأدب والنفاق. أنا أخجل أن أرى إعلاما فى دول محيطة بنا مع اختلاف الايديولوجيات، يتفوق على اعلامنا ويجتذب عددا أكثر وأكبر من المشاهدين. ويتمتع بالموضوعية التى نفتقرها فى كثير من البرامج فى مصر والكتابات.

المحور الرابع وهو الأزهر: نعم يحتاج الأزهر، رغم كل جهوده الطيبة، الى تلك الثورة الدينية التى نادى بها كذلك الرئيس السيسى فى احتفالات المولد النبوى الشريف منذ سنوات. ثورة ضد النمطية والفتوى الشاذة، وضد التشدد والتطرف والتأسلف الوهابى خصوصا وضد التسيب والانحراف أيضا، وضد كل ما لم يعد مقبولا شرعاً مما ورد أو يرد فى الكتب والمناهج . الأزهر مدرسة عظيمة يضيف الى الحضارة ولا ينتقص منها، ويسعى لتوحيد الأمة حتى تستعصى على التفتيت والتقسيم، وتستطيع مواجهة الارهاب. وهذا الدور حيوى وهى مهمة ثقيلة ولكنها ضرورية للخروج من نمطية التفكير والافتاء . ولكننى هنا اثبت أن السيسى أحيانا يقول كلاما ويقترح اقتراحات لا تلقى إهتماما ولا تصادف عملا، إلا فيما يتعلق ببقائه فى السلطة مثل تعديل الدستور مؤخرا، وما يتعلق بالقضاء على المعارضة كلها إسلامية وعلمانية، حتى يقود الوطن بكلمة منه فقط ولا أدرى من ينتفع بهذا؟

المحور الخامس: الأوقاف، وإمكاناتها الكبيرة وخاصة اشرافها على المساجد، وأهمية خطبة الجمعة، وتطوير وتصويب الخطاب الدينى بعيدا عن النفاق وتركيزا على صحيح الدين، والسنة الصحيحة حتى لا يُتهم النظام بمحاربة الدين قرآنا أو سنة، وهو ما يستفيد منه  أهل الارهاب.

المحور السادس: المفكرون والباحثون، وضرورة إنشاء مراكز لدراسة الارهاب من المعنيين جميعا، على الأقل إنشاء مركز وطنى واحد محترم مزود بكل الامكانات والقوى البشرية والمادية، لا يتبع حزبا ولا نظاما بل هو جزء من الدولة. مركز مستقل فيه كل الامكانات، والعاملون فيه يمثلون المجتمع تمثيلا صحيحا من المسلمين والمسيحيين، ومن الرجال والنساء، ومن جميع التوجهات السياسية، وكلها تعمل فى خدمة هذا المركز الوطنى أو القومى، وقراءة الواقع بكل جوانبه مهما كان مؤلما ووضع تصورات العلاج اللازم للتحديات. وينتقى باحثوه ممن لهم القدرة على البحث الدقيق، والابتعاد عن التنميق والتزويق، وقدرتهم المهمة فى قراءة الواقع وتحليله بموضوعية، ثم  استقرار النظرة المستقبلية الصحيحة بعيدا عن المجاملة والنفاق والتهويل أو التسطيح كما يحدث الان فى بعض الحالات.

المحور السابع: المثقفون والأدباء والفنانون، عليهم دور مهم فى هذا حتى تكون قصور الثقافة وكل مؤسسات الوطن المعنية خلايا نحل من الحركة، وطبعا نحن نطمع فى العسل المرتقب. كيف تتحول متاحف، آسف أقصد، قصور الثقافة الى حركة دائبة تعيش آلام الشعب وتحدياته، وتفتح أبوابها ولو يوما واحدا كل أسبوع، لندوات وحوارات ولقاءات تصب فى مواجهة تلك التحديات وفى مقدمتها وأخطرها الارهاب وتقود الحوار المجتمعى. عن ضرورة النهوض والخروج من التخلف والاستبداد والفساد الذى لم يجد علاجا حتى اليوم بل يزيد فى بعض التقديرات.

المحور الثامن: واجب الشعب. نحن جميعا يجب أن نكون فى حالة استنفار للحفاظ على الأمن القومى وخدمته، حفاظا على الاستقرار ووحدة تراب الوطن، وذلك باستشعار اية أخطار داخلية أو خارجية والتفاعل التام لحماية الوطن. وهذا الواجب يرتبط بالشعب كله ولا يقتصر على فئة واحدة. ولكن ما هو الحل اذا كان الخطر على الأمن القومى من الداخل.

المحور التاسع: تجفيف منابع الارهاب، وهذا أمر حيوى جدا وهو جزء مهم جدا من الاستراتيجية، بل انه هدف من أهداف تلك الاستراتيجية، إما الوطن المستقر الآمن وإما الفوضى لا قدَّر الله تعالى.

المحور العاشر: على المعارضة بجميع توجهاتها الاسهام فى حرب الارهاب الحقيقى، وعلى النظام إتاحة الحريات وتطبيق الدستور كاملا والتراجع عن محاولات العبث فى الدستور وتعديله من أجل تمديد فترات الرئيس الحالى، ومن الضرورى كذلك استقلال القضاء حتى تكون الأحكام ناجزة. ومن الضرورى كذلك السعى لتحقيق أهداف الثورتين حتى تنعم مصر بالاستقرار الحقيقى. ولنا عودة الى المحاكمات وأحكام الإعدام.

وبالله التوفيق فى القول والعمل.

د. كمال الهلباوي

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق