أراك عصي الدمع

بقلم/
مصر : ۱۹-۲-۲۰۱۵ - ۸:٤۷ ص - نشر

قال لي، بعد أن تفضل مشكورا بزيارتي في مستشفى الجامعة: "لم أقرأ لك شيئا في الأسبوعين الماضيين… لماذا توقفت عن الكتابة؟… أعرف أن وضعك الصحي ليس على ما يرام… ولكنك لم تتوقف عن الكتابة رغم مرضك". وعلى الرغم من أنه ليس من عادتي أن أجيب على السؤال بسؤال، قلت له:

ماذا تريدني أن أكتب؟ وحاولت أن أوضح له الأسباب: أبحث عن شئ يصلح للكتابة… أبحث عن موضوع قابل لأن يتحول إلى قطعة من السكر تذوب في قهوة الصباح، لكن إزدحام المواضيع في أحيان كثيرة يؤدي إلى تشتت الافكار.

لم اجد شيئا اكتب عنه بالرغم من أن الكتابة بالنسبة لي أيقونة تمنحني الأمان والشعور بالوجود والمشاركة والانغماس بهموم الناس ومعاناتهم.

أريد أن أبقى كما أنا بكل تمردي، بعشقي للوطن والناس والفقراء، "ملح الأرض"، وأن أبقى فقيراً حتى لا أصبح برغياً في آلة معطوبة.

أريد أن أكتب عن البطون الخاوية في العالم العربي، وعن قيادات سياسية خاوية متخاذلة بحق هذه الشعوب، لكنني أخشى أن أتهم بالمزاودة لانني في الخارج.

أريد أن أكتب عن تكديس الاسلحة في عالمنا العربي والتي لا تـُستعمل الا في مواجهة البطون الخاوية ومواطنين مغلوبين على أمرهم.

أريد أن أكتب عن انبطاحنا المخجل للغرب، عن الأموال العربية المكدسة في بنوكهم، عن ارتماء زعمائنا في أحضانهم.

أريد أن أفك طلاسم هذا الجنون… وخيـّم صمتٌ ثقيل… نظر إليَّ مطولا، وقال كأنه يهمس كي لا تسمعنا الممرضة: "أراك عصيَّ الدمع.." قلت له بحرقة: أرغب في البكاء. لا قهراً ولا حزناً ولا فرحا، بل البكاء الخالص لِذاتِه، كما ضبابٍ ناعسٍ، أو شِتاءٍ وحشي حميم.

كم مرَّة أوشكت وهَمَمْت أو هكذا ظننت لكنني لم أستطع، وظلَّت دموعي مُكابرة،عَصِيَّةً، لا تـَرِيـْم. أجهل كُنه هذه الرغبة المبهمة التي تعتادني من حينٍ لحين.

وحينما أتذكر المَرَّات التي بكيت فيها، أجد أنها لم تبلغ عدد أصابع اليد الواحدة. أول مرة عندما توفي الرئيس جمال عبد الناصر، أو "أبو خالد" كما إعتاد الناس أن يقولوا من باب الاُلفة والتقدير.

أتذكرُ الموقف بوضوح: شعرت بغصَّةٍ وإختناق فيما كنت واقفاً أستمع إلى المذياع وهو يعلن الخبر: تماسكت وإنزويت في العتمة.

وفجأة – ودون أن أدري – تحَدَّرت الدموع من عينيّ، فتظاهرت بإنشغال ما، وأشحت بوجهي جانباً، كي لا يراه رفاقي المتوترون الملتفون حول المذياع.

لم أبكِ بعدها سوى ثلاث مراتٍ: مرَّة في موقف قهرٍ وغيظٍ، ومرتين إثر وداعِ عزيزَين رحلا فجأة إلى الأبد، بكاء صامتاً مكلوماً إنطلقَ فغَلبَني على نفسي.

قلت له وأنا أنظر عبر النافذة إلى الثلوج التي تتساقط على الحديقة الخلفية للمستشفى: ليس إعتذاراً ما أرويه لك…، ولا تبريراً لسلوك شعوري يبدو مخالفاً لتنشئةٍ ثقافية ترى في بكاء الرجال علامة ضعف.

فأنا لم أبكِ من ضعف ولا فزع عند المِحن، والملمات التي ألِفتها إلى درجة اللامبالاة بها وكأنها اُمور طبيعية. ففي الظروف الصعبة الطارئة، وحتى الخطرة جداً التي عايشتها، كنت وما زلت أتصرف بهدوء تلقائي كمن يزاول أمراً إعتاد عليه.

ما أرويه إذاً، هو إسترجاع لما أرغب به الآن ولا أستطيعه، لعله يفتح باباً لدمعي الحَبيس المضطرم الذي لا أعرف سِرَّه.

لكنني لا أريد أن أبكي هذه المرة على أحد، بل على آمالٍ حشدتها وعَبـَّأتها عبر السنين، وعلى عيونٍ حزينة غادرتها اللهفةُ وبَرَّحَها الصَّبرُ الجميل وشوق الإنتظار، فإتكأت كإضمامةِ وَرْدٍ، على طاولة في مقهى مُعتمٍ خلا من الرواد.

نظر إليَّ مطولا ثم قال: لم لا تستطيع البكاء؟ لعلك خَجِلٌ من نفسك؟ أو تخشى أن "يذاع لك سِرّ"؟ لا أنتظر منك أن تخبرني.. أعرف أنك عنيد جداً، ولن تعترف، وستحدثني عن شأن آخر… تلوذُ بصمتك، مُوارِياً ما أنت فيه، بإبتسامةٍ حارقة. ويندلعُ سؤالٌ تعرف مُسبقاً إجابته: من ذا الذي يفهمك في هذا الزمن القاحل الموحش؟ أعرف جيداً أنك ترغب في البكاء.. لكنك لا تجدُ صدراً تبكي عليه… آهٍ عليك… آهٍ عليك.

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق