التحرير.. العباسية.. الجنزوري

بقلم/
مصر : ۲۷-۱۱-۲۰۱۱ - ۸:۱۸ ص - نشر

التحرير.. العباسية.. الجنزوريهذه الكلمات تلخص الوضع الراهن في الشارع المصري، فقد خلقت قرارات المجلس العسكري، التي إتسمت منذ البداية برد الفعل، حالة من الإستقطاب الشديد في الشارع المصري بمعنى أن ذلك الشارع إنقسم على نفسه بين مؤيد ومعارض.

فميدان التحرير يضم المعارضين لوجود المجلس العسكري في السلطة، وميدان العباسية يجمع المؤيدين لبقاء المجلس، وهؤلاء يطلقون على أنفسهم الأغلبية الصامتة، ومكان ثالث وهو أمام مجلس الوزراء أصبح ملاذاً للمعارضين لدخول الدكتور كمال الجنزوري إلى المجلس رئيساً للوزراء منذ الإعلان عن النبأ.

وما يبعث على الحيرة هو ما قام به المشير طنطاوي اليوم من إستقبال محمد البرادعي وعمرو موسى، كل منهما على حدى دون الإعلان عن تفاصيل اللقاءات.

اليوم وبعد ثمانية أيام كاملة من بدء الإعتصامات نحن نقف أمام مشهد لشارع ممزق، بعد أقل من عام على ثورة شهد لها العالم، لمسنا خلالها نحن المصريون، وكذلك العالم من حولنا، كيف أننا جسد واحد يمكنا أن نتفق رغم إختلافاتنا، يمكننا أن نخرج برأي واحد من أجل مصر دون النظر إلى الإنتماءات السياسية والدينية الضيقة.

اليوم ومع مليونية الشرعية الثورية كل تيار سياسي إتخذ موقفاً مغايراً لما عهدناه منذ إندلاع الثورة، الإخوان مع الإنتخابات وضد وجود البرادعي كرئيس لحكومة الإنقاذ، والتحرير إنقسم على نفسه بين مؤيد للجنزوري ومعارض له وجميعهم ضد فكرة بقاء المجلس العسكري.

كل ما ذكرته فقط للتدليل على حالة الإستقطاب الشديد التي يعيشها الشارع المصري قبيل الإنتخابات التشريعية التي من المفترض أن تأتي بتيارات سياسية تستطيع تشكيل حكومة قادرة على حشد الشارع خلفها من أجل بداية العمل الذي تأخر كثيراً، وهذا العرض ليس للتشخيص أو للتأييد فأنا ضد هذا المشهد برمته.

ولكني أشد رفضاً لقتل شباب مصر تحت عجلات سيارات الشرطة أو إختناقاً بقنابل الغاز أو ضرباً بالرصاص الحي أو بالعصي، ففي ظل هذه الحالة مازال الدم المصري مستباحاً، اليوم قتل شاب دهساً تحت عجلات سيارة تابعة للشرطة أمام مجلس الوزراء ليصل العدد إلى 42 شهيداً من المواطنين المصريين الذين خرجوا فقط للتعبير عن رأيهم!

لا أستغرب عدم التوقف عند هذا العدد الكبير من القتلى والجرحي من قبل الحكومة أو المجلس العسكري، فعلى ما يبدو أن إستهانة النظام السابق بالدم المصري، بداية من قتل جنودنا على الحدود بأيدي الصهاينة، مروراً بقطارات وعبارات الموت، وصولاً إلى قتلى ثورة 25 يناير، أصبح قاعدة أساسية للحكم في مصر، فلم يحاسب أحد على ذلك إلا الضعفاء مثل عامل التحويلة في السكة الحديد أو أحد أمناء الشرطة، ربما يقول قائل كيف ذلك والرئيس السابق وكل أركان نظامه في السجن وتحت المحاكمة؟!

أقول لهم المشهد لا يختلف عن قانون سكسونيا، تلك الولاية الألمانية التي وضعت قانوناً يطبق في مصر حتى الآن، فاذا إرتكب الفقير جريمة ما، يقف أمام الجميع عند إكتمال الشمس وتنفذ عليه العقوبة، وإذا إرتكب الغني جرماً، يقف أيضا امام الجميع ولكن يعاقب ظله الذى يظهر نتيجة لأشعة الشمس!

وبالتالي الجميع أمام قانون سكسونيا سواء، مع فارق ضئيل هو إنفاذ العقوبة في الضعيف أو الفقير أما القوي أو الغني فتنفذ العقوبة في ظله!! ما أود أن أقوله أن المشهد لن يختلف كثيرا عما كان عليه.

وأعتقد أن الذي يقدم الدعم القوي لهذا المشهد هو إنقسام الشارع السياسي المصري، كما أكاد أجزم أن الوضع ليس مرشحاً للهدوء، فهو يزيد سوءاً، حيث إستهل الدكتور كمال الجنزوري المكلف بتشكيل الحكومة مشارواته بلقاء فايزة أبو النجا وفخري عبد النور، وأرى ذلك من طرائق الإفلاس السياسي، فلو إستمر الدكتور الجنزوري في ذلك لأعطى من يعارض وجوده على رأس الحكومة الدافع للتصعيد ضده، وإستمرار الإعتصامات لرفض الحكومة قبل أن تتولى مهامها!!

بصراحة وبدون مواربة، فهم هذا المشهد الذي يزداد تعقيداً وتشابكاً يوماً بعد يوم يعد أمراً عسيراً، فالتيارات التي شاركت في ثورة يناير هي نفسها التيارات التي تتصارع اليوم على الأرض وعبر الميادين.

والجديد المدهش أن تلك التيارات إنبرت في لصق تهمة جديدة، أن من خرج إلى الميدان لا يمثل الشعب المصري، وهي مقولة أحد أعضاء المجلس العسكري، وسرت في الشارع السياسي سريان النار في الهشيم.

أصبح المصريون جميعاً لا يمثلون الشعب المصري، وهي مفارقة عبثية تريد النيل من وحدة الصف، وأرى أن من أراد ذلك وصل إليه بإمتياز. المشهد الحالي لم يعد قاصراً على أخطاء المجلس العسكري، بل ظهرت في الصورة من جديد أخطاء جهاز الشرطة وأخطاء التيارات السياسية وأخطاء شباب الثورة وأخطاء الغالبية الصامتة التي بدأت تخرج عن صمتها.

فالبضاعة الرائجة اليوم في مصر هي الأخطاء، ومن ثم فنحن جميعاً نتصيد لبعضنا الأخطاء بشكل فظ وفذ أحياناً، حتى أننا نرسم المواقف التي من خلالها يمكن أن يخطئ الطرف الأخر، فلم نعد نميز مع تلك الحالة بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة، بين ما ينفع مصر وما يضرها، وأخشى أن نصل إلى حالة الدب الذي قتل صاحبه من فرط حرصه عليه، فعندما وقفت ذبابة على رأس الرجل، ما كان من الدب إلا أن إنهال بحجر على رأس الرجل ليرديه قتيلاً!!

يا سادة مصر التي في خاطرنا جميعاً لن نبنيها بالشعارات ولا بالهتافات ولا بالإعتصامات والإختلافات، مصر ستبنى فقط بالعمل، نعم الإختلافات والخلافات والشعارات والهتافات مطلوبة ولكنها ليست الأساس، دعونا نعمل أولاً، نحن نتحدث فقط منذ يناير والإنتاج متوقف.

فبعدما كنا ننتظر الإنتخابات التشريعية ولجنة وضع الدستور وبناء مؤسسات جديدة وإنتخاب رئيس للجمهورية، عاد بنا الزمن إلى الوراء ولا أعلم إلى متى سيستمر ذلك.

وختاماً حالة الإستقطاب التي نراها في الشارع المصري من إنتاج المجلس العسكري بإمتياز، فهو لم يحسن قراءة الوضع السياسي المصري ضمن سياقات الظرف الذي تمر به البلد وضمن معرفة الوضع الإقليمي.

محمد صلاح صحفي مصري في قطر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق