المعارضة السياسية السورية

بقلم/ د. محمد حاج بكري
مصر : ۳۰-۱۲-۲۰۱٤ - ۱۰:۰۷ ص

لم يكن السياسيون في الصفوف الاولى في الثورة السورية ولم يكونوا مؤججين لغضب الجماهير المنتفضة بل أن البعض منهم والموجود حاليا في صدارة الائتلاف حاول لاخر رمق وبعد مرور اشهر من عمر الثورة أن يتعاون مع راس النظام وحاشيته وحقيقة كان التحاقهم بالساحات والشعب الثائر متأخر كثيرا الا قلة قليلة وهذا يدل على انها لم تكن يوما ما ثورية بقدر ما كانت اصلاحية.

حاليا تم اعتقال الثورة ومطالب الجماهير التي لم يكن لها قياداتها وتنظيماتها في مكاتب السياسيين المغلقة وبدأ الحديث عن نظرية الانتقال بأوجه متعددة وقبل اسقاط النظام وكأن سباق اقتسام الكعكة قد بدأ ومن هنا بدأ الغطاء ينكشف عن مستوى النخب السياسية التي لم تكن بحجم الثورة وما الصراع الاسلامي العلماني الذي نراه اليوم الا دليل على غياب التصورات الحقيقية لفلسفة الدولة والسلطة وعلى القطيعة الموجودة بين مطالب الشعب والحراك الثوري ومطالب السياسيين المعلنة وان الصراع بين السياسيين على الوقوف في صدارة المشهد السياسي تحول الى ساحة يستباح فيها كل شيئ حتى الدماء في بعض الاحيان فأضحى صراع سياسي اقرب الى البلطجة من أي شيئ اخر.

إن المعارضة السورية في الخارج هي مجموعات لم تتوحد رؤاها بل كانت لها اديولوجيات مختلفة واختلافات بين بعضهم البعض قد يكونون علقوها منذ بداية الثورة ولكنهم بعد ذلك جائوا ونقلوا اختلافاتهم الينا بالداخل وهذا سوء تصرف منهم او من بعضهم عل الاقل وأدى الى اهمال كبير في شؤون الناس وتفرغوا لصراعاتهم بحيث تمكنوا من خلال منظومة الائتلاف أن يأسسوا كيانات شخصية ويفسدوا كل الاجتماعات والمؤتمرات التي حضروها او نظموها يدفعهم الى ذلك التبعية الدولية وانانيتهم بالاضافة الى أن معظمهم غير مؤهل للعمل السياسي او الاداري.

إن الشيئ المهم الواجب الاشارة اليه هو أن نظام الاسد عمل جاهدا للتواصل مع المجموعات المعارضة في الخارج قبل الثورة حفاظا على سمعته الخارجية واستطيع أن اجزم بأن الاكثرية منهم قد تواصلوا معه رغم بعدهم الجغرافي عن سورية اما بشكل مباشر او عن طريق اصدقاء او ابناء عم او اسرة لانه من الواضح والمعلوم اننا في سوريا نعرف بعضنا بعضا وبالتالي لا يوجد معارض الا وله قريب او صديق يعمل في دوائر الدولة التابعة للنظام أي أن جميع المعارضين تم التواصل معهم ولكن التجاوب كان متفاوتا وهذه حقيقة.

اما الشيئ الاخر والاهم فهناك البعض من اللذين تجاوبوا ومنحوا اموالا في شكل دعم او استثمار او وظيفة او مشروع مقابل تسهيلات معينة من قبل النظام ليتحول عن معارضته ثم اتت الثورة المباركة فعاد الى صفوف المعارضة الان انتصرت ارادة الشعب والتغيير مسألة وقت ولم يكن ذلك بفعلكم او فضلكم ابدا ولا بفعل مخابرات الدول التي كنتم فيها والتي كانت تنقل اخباركم اول بأول لنظام الاسد وهي تعلم انه حكم ظالم ولكنه يحقق لها ماتريد فهو وراء حماية امن اسرائيل وافشال كل مشروع تكامل عربي واغتيالات كثيرة وبالتالي فهم لم يكونوا راغبين في دعم المعارضة والشعب السوري اثناء ثورتهم.

نعم هناك حقيقة يوجد بين المعارضين الذين يتباهون اليوم بمعارضتهم ونضالهم ويجلسون على كراسي السلطة ممثلة بالائتلاف والحكومة والمؤسسات المتعددة من استلم مبالغ ومنح امتيازات وتم تغطية نفقات حياته وتعليم اولاده ويعلم ذلك جيدا السفراء السوريون السابقون في دول العالم المختلفة واذا افترضنا يا سادة انكم صادقون في نضالكم والبعض منكم الذي استلم المال نتاج لضعفه امام الاغرائات المادية او نتيجة لعدم وجود مورد رزق والان عدتم فكونوا مخلصين لهذا الوطن ولهذا الشعب جئتم وكأنكم الفاتحون الذين يعلمون كل شيئ وسوريا حاليا اقرب الى أن تكون مدمرة ولا بد من بنائها من جديد وانتم العلماء والفطاحل والخبراء العظام واحضرتم معكم بعض اهل العلم من الخارج ولكنهم لا يعرفون مايسمى بالمعرفة السورية لكن يبدو أن هدفكم لا يتجاوز الامور المادية او السلطوية.

إن اعادة ترتيب وتنظيم دولة استمرت ادارتها لحوالي نصف قرن من الزمن بالتسلط والاستبداد لا يمكن أن تأتي من ناس لا يعرفونها جيدا نعم قد يستعينون بخبراء ولكن لا يكون هؤلاء الخبراء وزراء ومدراء ومتنفذين وكان مفترض منكم أن تفرقوا بين رجال خبراء عملوا في مجال الادارة وهم في المعارضة وبين رجال النظام الذين يرتبطون بعلاقة اديولوجية وروحية معا ولكنكم لم تهتموا وافسدتم ماتبقى من الادارة السورية الشريفة.

يظهر الامر كأنكم تقولون للشعب لقد غرف النظام سوريا لفترة طويلة من الزمن والان جاء دورنا لنغرف ما نستطيع عموما ونحن لا نعمم لقد أن الاوان لنكون عاقلين ونتعامل بأسلوب مختلف، إن المعارضة للاسد او التهجير ليست المؤهلات الاساسية التي تمنح الاولوية في تقلد المناصب التشريعية والتنفيذية بل يجب أن يضاف عامل الكفاءة والامانة والمعيار الاهم الوطنية علاوة أن يكون خلق الثورة موجودا لدى اصحاب المناصب.

حقيقة لقد صدم السوريين بعد فرحهم بثورتهم بواقع مرير كانوا يحلمون بعكسه من مؤسسات الى التنظيم وحسن الادارة يكفل فيه الجميع الحياة بحرية وكرامة وعدل ومساواة وبدون تهميش بالاضافة الى التطور في خدمات الحياة الطبيعية ولكن هذا الحلم تبدد وتبخر وظهر بعض الابطال المدعين باسم الثورة يتخاصمون على رؤاهم السياسية وينحازون الى تفاهات اديولوجية ليس وقتها في هذه المرحلة ومع الاسف تركوا هموم الشعب ومصالحه البعض الاخر من المناضلين الذين حملوا السلاح جرت الاموال في ايديهم بالحلال والحرام وفتح البعض منهم قنوات تمويل مع دول خارجية واستعانوا بمجرمين فأصبحوا يعيثون في الوطن فساد فلهم سجونهم الخاصة ويلقون القبض ويداهمون ويقتلون ويعذبون ويغضون الطرف عن ممارسة بعضهم الاجرامية بل انهم احيانا يتسترون عن المجرمين ويدافعون عنهم نعم كل هذا يحدث في سوريا ولم تسلم منه مدينة او قرية الا في القليل النادر.

لنبحث في واقع معظم من استلم منصب في الثورة من الناحية المادية قبل وبعد الثورة لنرى الفارق الكبير الذي طرأ عليه وللأسف الشديد لازال يتحدث ويتهم ويخون لا يشبه الا الزرافة التي تضع رأسها في الارض وتظن أن لا احد يراها ولقد وصل الامر الى مرحلة القرارات والاجتماعات التي لا تعطى الاصوات فيها الا مقابل مبالغ مادية كبيرة من الواضح أن المقاربة التي تسير عليها التسوية السياسية لا تنظر الى الحقل السياسي كأفق واسع تلتقي فيه وتتأثر به كل المعطيات الاخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وانا يرون انه شأن ضيق يمكن ضبطه والتحكم فيه بالتراخي والاستمالة والصفقات السياسية مع الثوار على قاعدة مايعرف بالشراكة بين السلطة والثروة.

على ضوء مايلوح من مقدمات يبدو أن التهميش منصب على شباب الثورة الذين يبدوا انهم اقصوا عن الترتيبات والسؤال الاهم هل يستطيع شباب الثورة أن يستعيدوا زمام المبادرة في ثورتهم فدعم الخيار الثوري بصطدم بمجموعة من الحقائق التي يحاول شباب الثورة اشاحة النظر عنها ربما خشية من خمول حماسهم الثوري فالحقيقة الاولى أن الثوار والكتائب العاملة على الارض لم يستطيعوا أن يتوحدوا في اطار تنظيمي جامع بسبب مطامع الزعامة والقيادة التي افشلت الكثير من المحاولات التوحيدية والحقيقة الثانية أن صفة الاستقلالية اصبحت مفهوم غائب الدلالة لاسباب عديدة منها أن بعض الاحزاب تغلغلت بقسم من الشاب الثوار من اجل المناورة على جبهة الخيار الثوري وتساوم عليهم في المسار السياسي من اجل رفع حصصها التمثيلية سواء في هيئات او لجان كما أن الاختراقات الامنية السرية وتزايد الاستقطابات المذهبية وسط الشباب جعلت معظم الكتائب والالوية ترتاب في بعضها مما اعاق تجمعها في اطار موحد عدا بعض المحاولات التي لازالت تراوح مكانها نتيجة ضعف الامكانات والقدرات المادية.

الحقيقة الثالثة أن طول امد الثورة ادى الى انهاك الكثيرين من المنخرطين بها خاصة المستقلين منهم الذين فقدوا اعمالهم وجمدت انشطتهم وتوقفت مصادر رزقهم وبطبيعة الحال فهذه الوضعية دفعت بالكثير منهم الى الابتعاد نتيجة البحث عن لقمة العيش والحقيقة الرابعة أن المبادرات الفردية التي يطرحها كل فترة بعض رجال الدين او السياسيين حول ايجاد حلول لتسوية سياسية تختلف عن البعد الوطني لمطالب الثورة وخاصة بعد كل هذه التضحيات والدمار ادت الى اضعاف الروح المعنوية حيث هيمنت النزعة الفردية او الاجندات المسيسة.

في القريب العاجل سيخرج الشعب بكامله كما خرج ضد بشار الاسد ونظامه ليقول لكم من انتم نحن الشعب نحن الثورة انتم تسلقتم على اكتافنا نحن من ثار ضد الظلم والاستبداد بعضكم كان في صفوفنا واليوم تصادرون العدالة وتغتالون حريتنا وتسرقون مالنا وتعيثون في الارض فسادا نعم سينتفض الشعب بشرفائه الابطال ليوقف هذه المهزلة غير الاخلاقية التي تمر بها ثورتنا ليعود القطار السوري الى مساره الطبيعي الذي رسمه له المولى عز وجل نعم سيعود الشعب الى مسار الحرية والكرامة والعزة والشرف والعمل بنمط وثقافة ديننا الحنيف وسلوكيات سيد الخلق الذي خرجتم عن مبادئه، لن نعود ابدا الى عهود الاستبداد فالثوري اذا اغرته المادة وبريق السلطة تحول الى مشروع طاغية صغير وعلينا استئصاله قيل أن يكبر.

الى كل شرفاء سوريا شيوخ وشباب اطفال ونساء مدعوون في هذا الوقت لانتفاضة جديدة ولكل الثوار الشرفاء المرابطون أن ينحازوا الى الحق والى مبادئ ثورتهم وان يتذكروا من قضى شهيدا من رفاق دربهم والعهد الذي استشهد عليه.

إن الوطن غال ومن ليس له خير في وطنه فستجده مع الايام ليس له خير في كل معتقداته، اننا نخاف على وطننا من الرياح التي تعصف به يمينا وشمالا ونخاف عليه ممن لا يخافون الله.

د. محمد حاج بكريTurkey, Hatay

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق