تطور المجتمع السوري

بقلم/ راما خولندي
مصر : ۱۱-۱۱-۲۰۱۹ - ۲:۵٦ م

إن المتأمل في الوضع السوري قد يراه يتّسم بالعشوائية والفوضى بينما تطور المجتمع السوري هو في الحقيقة تطبيق عملي لنظرية تطور المجتمعات. سنستعرض نظرية تطور المجتمعات ثم نرى -بإذن الله- كيفية تطبيقها واقعاً من قِبل المجتمع السوري.

نظرية تطور المجتمعات تنص على أن المجتمع المتطور أو الخاضع للتطور يمر بثلاثة مراحل أساسية هي الانفصال – التحول – إعادة التجمع.

يحدث الانفصال عندما يقرر الشخص أو المجتمع الانفصال عن العرف والتقاليد السائدة، والسير نحو التسامي الروحي. يتم خلال هذه المرحلة تجريد الشخص الخاضع لعملية التطور، يخضع لعملية تجريد من الهوية القديمة التي كان يتمتع بها قبل الدخول في هذه المرحلة. فيتم تجريده من مكانته الاجتماعية، اسمه، ثيابه التي تدل على مكانته الاجتماعية، لقبه، وإلى ما هنالك من عناصر الهوية. بالإضافة إلى تجريده من كل عناصر الهوية التي كان يتمتع بها، يتم تعريض الـشخصية المتطورة لأقسى أنواع الإهانة والإذلال حتى يصل إلى مرحلة بين الحياة والموت. حيث يعود الشخص في هذه المرحلة إلى "الحالة الفطرة الإنسانية الصرفة" (Boltwood 3). بعد عودته إلى حالة الإنسانية الصرفة، تنشأ مجموعة من المبادئ تشكل أساس المرحلة التالية ألا وهي التحول.

في مرحلة التحول، يكون الأفراد المتحولون أو الخاضون لعملية التحول (initiands) قد اكتسبوا مجموعة من المبادئ والقِيم فتتم عملية التحول من المبادئ والقِيَم التي كانوا معتادين عليها إلى القيم والمبادئ الجديدة.

أما عملية إعادة التجمع فتشمل عملية ربط هؤلاء الأشخاص (intinads) بين بعضهم البعض من خلال المبادئ التي اكتسبوها خلال المراحل السابقة من انفصال وتحول. تشكل هذه المبادئ روابط تجمع هؤلاء في ما بينهم. هذه الروابط تكون الأساس الذي يُبنى عليه المجتمع القادم. ويذكر فيكتور تيرنر صاحب نظرية تطور المجتمعات أن الشخص الخاضع لعملية التطور أو التسامي يحتل مرتبة اجتماعية أعلى مما سبق وأن تولى من قبل الدخول في عملية التطور.

وتقوم نظرية تطور المجتمعات على استنتاجات فريزر في كتابه Golden Bough الذي يرى فيه أن البشرية قد رأت الدين على أنه سحر ثم اعتبرته إيماناً وأخيراً على أنه عِلم. لكن عالم النفس سيغموند فرويد يرى أن الدماغ البشري يمر بثلاثة مراحل في تطوره ألا وهي الهو (id) والأنا (ego) والأنا الأعلى (super ego). حيث يرى أن الهو يشكل الفطرة الإنسانية وأن فيه الدوافع والحاجات الأساسية من طعام وشراب وجنس. أما الأنا الأعلى فينشأ من الأنا الذي بدوره ينشأ من الهو ويحمل الأنا الأعلى المبادئ بينما يشكل الأنا قناة الوصل والتحاور بين الأنا الأعلى والهو، مشكلاً قناة يتم من خلالها تلبية حاجات الهو بما لا بتعارض مع المبادئ التي يحملها الأنا الأعلى، ومثال ذلك تلبية الحاجة الجنسية من خلال الزواج.

بالعودة إلى استنتاجات فيكتور تيرنر في ما يخص تطور المجتمعات والتي هي الانفصال والتحول وإعادة التجمع، يمكن القول إنها هي نفسها مستنتجات فرويد، حيث أن الهو تشكل الانفصال الذي قلنا عنه أنه يعيد الفرد المتطور إلى مرحلة الفطرة الإنسانية الصرفة. والتحول بدوره يمثل الأنا لأنه القترة التي تفصل بين الانفصال وإعادة التجمع. أما إعادة التجمع فتتم من خلال الاتفاق على مجموعة من المبادئ التي تم اكتسابها خلال مرحلة التطور والتي بدورها تكافئ الأنا الأعلى الذي يحمل المبادئ. من أجل الإيضاح، هذا جدول لما تم شرحه حتى الآن:

على المستوى الفردي، على المستوى الجماعي، النتيجة على مر العصور. – الهو، الانفصال –  الفطرة، سحر. – الانا، التحول – دين، إيمان. – الأنا الأعلى، إعادة تجمع – مبادئ، علم.

الثورة السورية: بدأت إرهاصات الثورة السورية على الفيسبوك في في بداية الشهر الثالث من العام ٢٠١١، حيث كانت هناك صفحة باسم الثورة السورية. بمعنىً آخر، هناك ثورة افتراضية على الإنترنت قبل الثورة أو الشرارة الأولى للثورة التي تمثل عملية تطبيق حقيقي للثورة الافتراضية. من خلال الدخول على موقع الثورة الافتراضية، يعيش الشخص مراحل مشابهة لنظرية تطور المجتمعات: فهو انفصل عن محيطه الذي يعد الدخول إلى موقع معارض للنظام من الكبائر وجرماً ما بعده جريمة. من خلال الدخول إلى موقع الثورة الافتراضية، نشأت علاقة وطيدة بين الأفراد الموجودين داخل هذه الصفحة، حتى صاروا يتفقدون بعضهم بعضاً وكأنهم أسرة واحدة. ما يربط هؤلاء جميعاً على اختلافاتهم هو أنهم جميعاً معارضون للنظام. كانت هذه تكفي ليلتقوا جميعاً.

من هنا نرى الانفصال، حيث انفصل هؤلاء وشكلوا مجتمعاً منفصلاً عن المجتمع السوري بشكل عام، وبدؤوا يعيشون حياة مختلفة، الحرية الافتراضية. هؤلاء وأنا واحد منهم، كنا نرى التحول يسري فينا. حيث أن الأمر في الوهلة الأولى شديد الوقع على النفس أن يضع إعجاباً لكتابة على جدار، ثم ما لبث الأمر أن صار أمراً اعتيادياً أن تكتب تعليقاً ساخراً من رأس النظام ذاته.

عند الوصول إلى مرحلة القدرة على تطبيق الثورة الافتراضية على الواقع، لم يكن لدى هؤلاء أدنى مشكلة في أن يصدحوا بما تعودوا أن يقولوه على الإنترنت.

من جديد، الانفصال يرافق هؤلاء الذين خرجوا عن عُرف المجتمع السوري الذي لم تخرج فيه مظاهرة منذ ما يزيد على أربعين عاماً.

المتظاهرون متفقون على أمرٍ واحد في البدية، ألا وهو الحرية. بمعنى آخر، مبدأ اشتركوا فيه جميعاً وخرجوا من أجله. أي أن عملية إعادة التجمع أيضاً موجودة هنا، وكذلك التحول لأن التحول يعني بدوره التحول من القيم والمبادئ المتمثلة بالديكتاتورية والفساد إلى الحرية والعدالة والكرامة.

تعرّض هؤلاء لأقسى أنواع الإهانة والإذلال حتى وصلوا إلى مرحلة أن يلبسوا الأكفان وينزلوا إلى المظاهرات. أي أنهم وصلوا إلى مرحلة بين الحياة والموت، وهذا متوافق مع نظرية تطور المجتمعات التي تتضمن هذا الشرط.

في صلاة الجمعة، وبعد الصلاة، كانوا يخرجون بالآلاف ليهتفوا بالحرية وبإسقاط النظام، ليرد النظام بمداهمة وحصار المساجد وبالرصاص الحي على المتظاهرين.

إن الخروج من المساجد، التي هي المؤسسة الإسلامية الأولى التي انطلقت منها الفتوحات، لهو دليل كافٍ على أن هناك قيَماً ومبادئ جديدة تنشأ في هذا المجتمع.

فالمسجد الذي كان معطلاً ومداراً من قِبل رجال الأمن صار مكاناً للهتاف بإسقاط النظام. المسجد يشكل المؤسسة الإسلامية الأولى. والخارج من المسجد كان قد صلّى، وبالتالي خرج من صلاة الجمعة، التي هي بحد ذاتها عنصر آخر من عناصر الهوية الإسلامية. فصلاة الجمعة هي الوقت الذي يأخذ فيه المسلمون شحنة إيمانية تكفيهم على مدار الأسبوع حتى الجمعة المقبلة. وبنفس الوقت، مكان للعظة والتذكير بضرورة نبذ الدنيا والإقبال على الآخرة. أي بمعنىً آخر، خرجوا من مكان قد أعدّهم إعداداً جيداً لعملية التحول التي كما أسلفنا تصل بهم إلى مرحلة بين الحياة والموت.

هنا لا بد من القول أن عملية السمو الروحي هي عملية رحلة روحية إلى الماضي، حيث لم يكن هناك الذي يعاني منه الناس في وقتهم الراهن. فالخروج من مؤسسة الإسلام الأولى هو بمثابة عودة روحية إلى الماضي، عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة وترك الناقة لتجلس ثم أقام مسجداً مكان مبركها، وعندما وصل أقام مسجداً ليكون أول مؤسسة في الإسلام.

وهكذا، نرى كيفية انسلاخ المجتمع السوري من عُرفه السائد وعملية خلعه للباس الهوية القديم واستبداله بثوب الهوية الإسلامية شيئاً فشيئاً وعنصراً تلو آخر. فقد كان المسجد هو العنصر الأول ثم صلاة الجمعة ومن ثم جاءت اللحية الطويلة التي طالما خاف المواطن السوي أن يطيلها لمدى سنوات.

أعود وأؤكد، أن عملية التطور كما في حالة تطور المجتمع السوري تتم من خلال رحلة روحية إلى الماضي، يتم من خلالها اكتساب قيم ومبدائ جديدة سيحتاجها الأفراد المتحولون في عملية تطور المجتمع. ومن يفشل، يحاول مجدداً أو يخرج من حلبة السباق المتمثلة في من يحيط بأكبر قدر ممكن من المبادئ عند نهاية المحنة. فالمؤيدون للنظام، هم من رفضوا الدخول في عملية التطور. فمقابل الدعوة إلى الفضيلة التي انتشرت في أرجاء المجتمع السوري المعارض وخاصة بين شبانه -حتى صار الشاب المعارض ميزة إضافية عند التقدم لخطبة فتاة- رد النظام بالدعوة إلى الحفلات والرقص على الأشلاء وإلى استخدام الجنس من أجل إرضاء الشباب لينزلوا إلى المسيرات الداعمة له.

هنا نتوقف عند مسألة مهمة وهي الأيقونات الثورية. حيث أن المجتمع المعارض أصبح يضم شريحة واسعة، فكان لا بد من إيجاد مجموعة من الأيقونات الثورية التي تجمع كل هؤلاء ببعضهم، وهذه الأيقونات تتغير مع مرور الوقت ولكل أيقونة زمن وبطل.

حيث كان العلم السوري الذي يمثل النظام حالياً هو ما يرفعه المتظاهرون. لكن عملية تطور المجتمع السوري قد تركت فيهم أثراً كافياً للانفصال، فرفعوا علم الاستقلال الذي يمثل أيقونة مزدوجة كونه علماً مخالفاً لعلم النظام من جهة وكونه يحمل دلالة الاستقلال من جهة أخرى. أما في ما يخص نظرية تطور المجتمعات، فهو يمثل الانفصال والتحول وإعادة التجمع بنفس الوقت.

هنا نصل إلى مرحلة ظهور السلاح. حيث أن هؤلاء الذين حملوا السلاح كانت غالبيتهم من الذين انشقوا عن الجيش النظامي. هنا نرى عملية الانفصال عن الجيش واضحة جلية. حيث وصل الحال بهؤلاء المنشقين إلى أنهم خضعوا لعملية السمو الروحي -على عكس الذين مازالوا مع النظام- فاضطروا للخروج من الجيش وتشكيل مجموعات صغيرة. هنا نرى عملية الانفصال والتحول (من جيش نظامي إلى جيش حر) وعملية التجمع تحت مسمى الجيش الحر.

حيث غدا الجيش النظامي يمثل الاستبداد والقهر وانعدام النظافة المادية والمعنوية وكل أصناف الانحطاط الأخلاقي في مقابل الجيش السوري الحر الذي يمثل الحرية والتدين والسمو بالمبادئ والقِيم والشجاعة والبذل والعطاء والتضحية. هنا نرى كيف أن الفجوة قد اتسعت بين المعسكرين، ونرى التحول كيف ترك أثره على كلا الفريقين.

وعلى ذكر السمو الروحي، نعرّج على ذكر السجناء بمن فيهم من مات جوعاً وعلى الذين أكلوا أوراق الشجر أو كانوا جياعاً. حيث أن الشعوب القديمة كانت تعتبر أن الصوم يساعد في عملية السمو الروحي، وأن أكل جذور النباتات مساعد في عملية السمو الروحي أيضاً، وقد استحضر الكاتب الأيرلندي وليام بتلر ييتس في إحدى مسرحياته التي تتحدث عن الهوية كيف أن الأرض ضربتها المجاعة، وأن الناس اضطروا لأكل أوراق النباتات وجذورها، ملمحاً إلى عملية السمو الروحي وفق معقتدات الشعوب القديمة، واليوم المسلمون يستخدمون السواك الذي هو من جذور نبات الأراك.

إذاً، الجيش الحر، الذي انفصل عن الجيش النظامي، هو أمام انفصال جديد عن المجتمع المدني. وهو بنفس الوقت عنصر آخر من عناصر الهوية التي شكلت جامعاً عاماً للسوريين.

ثم ما لبث الجيش الحر أن بدأ بتشكيل فصائل أكثر تشدداً ويتخذ مسميات ذات طابع ديني. هنا نرى أن الرحلة الروحية المتمثلة بنظرية تطور المجتمعات مازالت تعمل. حيث وصل الحال بالجيش الحر إلى تشكيل جيش الفتح الذي يتكون من عناصر من الجيش الحر ومن عناصر من جبهة النصرة، والذين بدورهم ينقسمون إلى انغماسيين واستشهاديين. هنا نرى المراحل الثلاثة: انفصال وتحول وإعادة تجمع على شكل آخر: حيث أصبحت درجة الإيمان والتقوى هي العنصر الذي يجمعهم، أضف إلى ذلك عنصر التقوى والشجاعة والتضحية من أجل الغير هو من يحدد مواقعهم. هنا نرى أن الجامع المشترك بينهم هو التقوى.

رأينا في ما سبق كيف أن الجامع المشترك كان "حرية" الآن ما يجمعهم هو التقوى. التقوى هي فعلاً ما يحدد مكانة الإنسان المسلم. قال تعالى "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" وسبق وأن قلنا أن المجتمعات نظرت إلى الديانات على أنها سحر ثم على أنها إيمان ثم على أنها علم. إذاً، جيش الفتح، بقيادة الجولاني قد جمعت أكبر عدد من عناصر الهوية الإسلامية إلى الآن.

يبقى أن نرى المسألة السورية على أن الدولة الإسلامية تمثل جزءاً لا يتجزأ من عملية تطور المجتمع السوري حيث نرى التسلسل التالي: الجيش الحر، ثم النصرة ثم الدولة الإسلامية. يمكن النظر إليهم من زاوية أخرى على أنهم انفصال، تحول (إيمان=نصرة) وإعادة تجمع=مبادئ. والتي بدورها تمثل الهوية الإسلامية. فالرسول صلى الله عليه وسلّم قال "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" أضف إلى ذلك، أنك قد أصبحت أمام هويتين لا ثالث لهما: هوية إسلامية صرفة متمثلة بالخلافة وهوية النظام المتمثلة برأس النظام.

إذا نظرت إلى الأطراف الثلاثة، ستجد أن النصرة والجيش الحر بين النظام والدولة الإسلامية باحثين عن هوية، والدليل أن الكثير من الفصائل تغادر النصرة أو الجيش الحر وتلتحق بالدولة الإسلامية. فالدولة الإسلامية تمثل إعادة التجمع لأنها تجمع أكبر قدر ممكن من عناصر الهوية الإسلامية والتي سبق وربطانها بالمبادئ. أضف إلى ذلك، استنساخ صفة الخليفة تشكل عنصراً آخر من عناصر الهوية الإسلامية والذي يغيب في بقية الفصائل.

راما خولندي


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر


Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق