فتنة السنة والشيعة

بقلم/
مصر : 7-12-2018 - 6:52 م - نشر

فتنة السنة والشيعةمن أكبر وأطول الفتن التي تظهر كثيرا، ثم تختفي قليلا ولا تموت، فتنة السنة والشيعة في الأمة، وهي في أصلها وجذورها كما أفهم فتنة سياسية في الغالب الأعم، أو خلاف في وجهة النظر السياسية أدى إلى هذه الفتنة وتطوراتها. لبست هذه الفتنة أحيانا كثيرة لباس الدين والعقيدة، وتحملت كثيرا من الفشل السياسي، وتحملت كثيرا من تحديات التاريخ والجغرافيا كذلك.

ولكن بعض الذين وقعوا فيها، حملوها إلى ميادين أخرى أخطرها ميدان العقيدة، وبعضهم يسميها الفتنة الكبرى أو الأولى، نظرا لخطورتها أو لقدمها في التاريخ الإسلامي، إذ تعود جذورها إلى وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

كلمة الشيعة التي يعتبرها بعض الجهلاء وأنصاف المتعلمين رجساً من عمل الشيطان، تعني الأتباع أو الأنصار، أو أنهم المعاضدون أو المناصرون أو المنحازون أو حتى الأهل. انظر إلى القرآن الكريم يذكر الكلمة في عدة مواضع منها:

قال تعالى “وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ” سورة الصافات. وقوله تعالى “وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ” سورة القصص. وقوله تعالى ”وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ” سورة سبأ. وقوله تعالى ”وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ” سورة الحجر. وقوله تعالى ”قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ” سورة الأنعام. نحن نعانى اليوم من هذا العذاب الشديد بهذه الفتنة المستمرة. وقوله تعالى ”إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ” سورة القصص. وهذا فعل فرعون، ما أشنعه من جرم، وكل من يعين في مثل ذلك اليوم فهو مثل هذا الفرعون، سواء في اليمن او سوريا او غيرهما، كفى ما يجري في قضية فلسطين.

أما المقصود بالكلمة هنا في هذه المقالات أو الدراسة، فهم الشيعة أصحاب المذهب الفقهي أو المدرسة الفقهية المعتبرة والمعروفة بالإثنى عشرية، منذ نشاتهم حتى اليوم. ولا نقصد تلك الفرق التي خرجت من المذهب أو من الإسلام عموما أو غالت كما غالى غيرهم من فرق خرجت من المذاهب الأخرى المعتمدة والمتبعة. المذاهب المعتمدة التي أقصدها هنا هم: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والزيدية من قبل وكذلك الإباضية، أو إجمالا، المذاهب التي تتفق في الأصول وتختلف في الفروع التي تختلف فيها المذاهب داخليا، أي داخل المذهب الواحد في ناحية أو عدة نواح، في العبادات والمعاملات على السواء.

هذه المقدمة الهادئة لمناقشة، ملف ساخن حيث قد لمست أن هناك من المتدينين أو الإسلاميين وطبعا من المتسلفة وهم أبعد ما يكون عن السلف الصالح، وربما لأغراض سياسية أو مادية، من يعمق الفصل بين أجزاء الأمة على علم أو غير علم أو بعض علم. سألت بعضهم : كيف يدخل الإنسان في الإسلام إن كان مشركا أو كافر؟ لا يتردد في أن يقول: يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

وهذا صحيح مائة في المائة، ولكن أنصاف المتعلمين من هؤلاء والمقلدين يتبع هذه الأجابة بكلمة (ولكن) وهنا يكمن الخطر، لأن (ولكن) هذه، كلمة مضافة ومخترعة. صحيح هناك نواقض للإسلام ونواقض للإيمان تنطبق على الجميع ، وبعضها مختلف فيه، وكما يقول العلماء والفقهاء: المختلف فيه لا إنكار فيه. إن بعضهم يشرع أمورا جديدة ليست من الإسلام ولا من الهدي النبوي الشريف، وخصوصا أهل التكفير والتشدد والتطرف.

يقول العالم السلفي الكبير، المصري السعودي، الدكتور محمد رشاد سالم –رحمه الله تعالى– في مقدمته لكتاب منهاج السنة النبوية صفحة ٩٤ تعليقا على كلام لابن تيمية فيقول: ”وقد قامت جماعة تقول بوجوب التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعدم جواز التعرض للخلافات بين الفرق الإسلامية المختلفة، حتى نحافظ بذلك على وحدة الصف بين جميع المسلمين، وعلى هذا الرأي يكون نشر كتاب مثل (منهاج السنة) فيه نقد لمذهب الشيعة والمعتزلة، مما يزيد الخلاف ويشيع الفرقة، وهو ما يجب أن نعمل على تلافيه وتجنبه”.

ثم يواصل الدكتور محمد رشاد سالم –رحمه الله تعالى– كلامه الممتع فيقول:
"ولا ريب أن اتحاد المسلمين واجتماع كلمتهم هو ما يجب أن يسعى إليه جاهدا كل مسلم غيور على دينه مخلص لعقيدته، على أن هذا الاتحاد يجب أن يكون على الحق لا على الباطل، وعلى أساس التمسك بالكتاب والسنة، كما أمرنا الله تعالى بذلك في قوله: ”وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ” سورة آل عمران. وحبل الله هو كتاب الله".

وهذا يبين أهمية التقريب بين المذاهب سعياً إلى تحقيق الوحدة في عصرنا الحاضر. فلا العقل ولا النقل، يدعونا أن نحمل فوق رؤوسنا تحديات القرون كلها، بل الفهم واستخلاص الدروس. كفى قضية فلسطين وحدها.

ولذلك فإننى أرى أن من أهم الأعمال الصالحة في هذه الأيام أو في هذا العصر وخصوصا في موسم المولد النبوي الشريف رغم أن بعضهم يرى الإحتفال به بدعة ولا يرى الإاحتفال بالحكام وعيد جلوسهم وغيرها من المناسبات كذلك. أقول أرى من أهم الأعمال الصالحة اليوم، السعي لتوحيد الأمة، وإستعادة الثقة في المسلمين بل في المواطنين جميعا، ودعم بعضهم البعض، ولنعلم جميعا أن المذاهب في الإسلام، إنما هي مدارس فقهية للمقلدين، وأنها نشأت بعد عص الإسلام الأول، ولم يكن إتباع أي منها شرطا من شروط الدخول في الإسلام، وإلا فما رأي من يثيرون الفتنة اليوم في إسلام الصحابة رضي الله تًعالى عنهم، وآل البيت عليهم السلام، ما هو الرأي في إسلامهم وجهادهم ومنهم من بشره الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بالجنة، قبل نشأة هذه المذاهب.

نناقش هنا في سلسلة من المقالات أو في دراسة، هذا الموضوع المهم، راجيا وداعيا الله تعالى أن يكون ذلك سعياً في وحدة الأمة استجابة لقول الله تعالى ”إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ“ وأيضا قوله تعالى ”وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ”. نسعى لهذا ونحن نرى أخطار التشرذم والتفرق على الأمة بأم أعيننا اليوم، وتفرقنا من أسباب الخطر القائم وتفوق الأعداء علينا في مجالات عديدة. وبالله التوفيق.

د. كمال الهلباويكاتب وسياسي مصري

Copyright © 2018 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • سليم العكيلي

    بارك الله فيكم على هذا الكلام الطيب الذي يخرج من انفاسكم الطيبة التي رفت حقيقة الاسلام ووجوب الفاظ لى لمة المسلمين وتلامم …نم استاذنا العزيز ان من اهم اسباب فتنة الشيعة والسنة كما تفضلت هي اسباب سياسية في اغلب الاحيان ، للحصول على مكاسب دنيوية على حساب الاسلام والمسلمين ،  اخي الكريم نحن نعمل وانتم تعملون من اجل الوحدة الاسلامية ولدينا من علماء الشيعة من يعمل على هذا الاساس في التوحيد امثال المرجع الديني العراقي السيد الصرخي الحسني الذي تحمل ما تحمل من اجل هذا التوحيد الذي يبغض الشياطين والمنتفعين من هذه التفرقة . نسال الله لكم التوفيق 

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق