الإنتحار في غزة ظاهرة جماعية

مصر : ۳-۱۱-۲۰۱۳ - ۳:۲۹ م - نشر

الإنتحار في غزة من مشكلة فردية إلى ظاهرة جماعية… الإنتحار وسيلة الإحتجاج ورفض الواقع..

ما الذي يجعل إمرأة في مقتبل العمر تنهي حياتها؟ وما الذي يجول بخاطر شبابنا وهم يضعون الإنتحار حلاً لأزماتهم المتعددة؟ هل هو تمرد قاتل ضد كل ما يسلب إنسانيتهم وكرامتهم؟ وهل هو حالة إحتجاج أخيرة ضد عالم لم يعترف بوجودهم وسلطة مشغولة عنهم بما هو أكثر أهمية من إنسانية شبابنا ونساءنا وكرامة هذا الوطن؟

تبقى الأسئلة قاتلة وتستنكر إستنكارها لأن بعض الواقع أليم وفاقع المرارة يشير إلى القاتل الحقيقي، لكن الألسنة عجزت عن الجرأة والعين غضت بصرها عن عرى الحقيقة. كعادتها دائما لا تحمل لنا دراساتنا وأبحاثنا واستطلاعاتنا الخير، بل كل ما هو مؤلم وموجع وصادم، فيما تعدنا التصريحات الحكومية بوهم جميل يحمل استهزاءاً واقصاءاً وازداراءاً لا مثيل له.

وعلى الرغم من كل ما قلته، مضطرة دائماً أن أقول أنّ الدراسات تشير إلى زيادة محاولات قتل الذات في المجتمع الغزي، خاصة في الفترة التي تلت فرض الحصار على القطاع. ومن المعروف للباحثين والمختصين/ات أنّ الإنتحار نوع من الإنتقام وإلحاق الأذى بالذات الإنسانية، بمعنى أنه سلوك يتخذه الفرد من أجل إنهاء حياته، وتختلف طرق الإنتحار من شخص إلى آخر، لكن هدفه واحد وهو التخلص من الحياة.

بعض الأسباب:

صحيح أنّ إنتشار المخدرات وإرتفاع معدلات البطالة لها دور مهم في زيادة حالات الإنتحار، لكنّ إنعدام الشعور بالكرامة وإنعدام الحرية باعتبارها روح الحياة وجوهرها الإنساني، وكثافة الضغوط الإجتماعية القاتلة لها أكبر الأثر في إرتفاع حالات الإنتحار، فما قيمة الحياة بلا كرامة وما قيمة الحياة بلا حرية، وما قيمة الحياة دون تواد ورحمة وانسجام؟!

وحين تنعدم الحرية والكرامة والمحبة، تنتعش الكآبة، حتى تسيطر على الذات الإنسانية سيطرة تامة، بحيث تجعلها تقبل الإنتحار، وتندفع نحوه باعتباره خلاص الذات من أسرها، خاصة إذا رافقها شعور بالغضب واليأس تجاه العالم الخارجي الذي لا يفهمهم، وليس هناك من يهتم أو يشعر بهم.

الإنتحار يغزو البيوت:

بلغت محاولات الإنتحار في قطاع غزّة في العام ٢٠٠٩، حوالي المائة محاولة، كان من بينها سبع محاولات انتهت إلى الوفاة. وفي عام ٢٠١١، إنتحر ١٠ مواطنين، وسجلت ٣٦٣ محاولة إنتحار ومنذ عام ٢٠٠٩ وحتى حلول العام ٢٠١٢ تضاعف هذا العدد أربع مرّات ليصل إلى قرابة ٤٠٠ محاولة موزّعة على مساحة القطاع الضيّقة. من بينها ٣ حالات إنتحار سجلت في شهر آب من العام ذاته في محافظة خانيونس وحدها، واليوم، وبحسب إحصاءات قسم الاستقبال في مجمّع الشفاء الطبي، أكبر مستشفى في غزّة، فإنّ ٣٠ محاولة إنتحار شهريّة تصل إليها، يعني معدّل حالة واحدة يومياً. وهناك بالتأكيد حالات لا تصل إلى المستشفيات، وتعالج في المنزل أو في مستوصفات صغيرة وبعيدة عن الأضواء الإعلامية وبعضها يجري التستر عليه. وتدل الأرقام المعلنة على زيادة مطّردة في حالات الإنتحار، سواء أفضت إلى الموت أم لا.

تزداد عمليات القتل والإنتحار في قطاع غزة، بسبب المشكلات الإجتماعية المتزايدة في القطاع والتي تتخذ أشكالاً متعددة من بينها إرتفاع حالات الطلاق حتى وصلت إلى أكثر من ٢٠% خاصة بين الأزواج الشابة أو من لم يتم الدخول بها من النساء، إنتشار المواد المخدرة وتعاطيها وخاصة ما يُعرف بـ'الترامال'.

الإناث الأكثر إقداماً على الإنتحار:

في دراسة أجرتها جمعية الوداد للتأهيل المجتمعي عام ٢٠١١ رصدت ١٠ حالات إنتحار و٣٦٣ محاولة كتب لها النجاة، منوهة إلي أنّ الإناث يقمن بمعظم حالات الإنتحار في حين أن عدد الوفيات من المنتحرين الذكور أكثر من عدد الإناث.

وأوضحت نتائج الدراسة أن الانطباع السائد بأنّ تدهور الأوضاع الاقتصادية المرتبطة بالحصار هو السبب الرئيسي لحالات ومحاولات الإنتحار.. غير صحيح، مشيرة إلى أن العامل الإجتماعي الشخصي والعائلي هو السبب الرئيسي للإنتحار وبينت الدراسة أن ظروف العائلات الإجتماعية وغياب الحوار الأسري لحل المشاكل، إلى جانب تأثير وسائل الإعلام ودور المسلسلات التركية في نشر ثقافة الإنتحار، وإنفتاح الشباب والفتيان على مشاهد العنف التي تعرضها التقنية الحديثة هي أيضاً أسباب رئيسية.

والشباب أكثر إقداماً على الإنتحار:

تشير الكثير من الدراسات حول الظاهرة أنّ السواد الأعظم ممن يحاولون الإنتحار هم من فئة الشباب العمريّة (١٦- ٢٥)، وأغلبهم من الإناث، وتعتبر النظرة الإجتماعية والقانونية غير المنصفة للمرأة الفلسطينيّة، دافعاً مهيمناً على النساء اللواتي يقدمن على الإنتحار. خاصة وأنّ العادات والتقاليد، خاصة في قطاع غزة، غالباً ما تضع المرأة في منزلة أدنى من الرجل، وتحديداً داخل الأسرة خصوصاً، ناهيك عن الضغط الإقتصادي والإجتماعي الشديدين الذي تعاني منهما النساء، ولا تملك في المقابل سلاحاً غير الصمت لمواجهة هذا الوضع المتأزم، على اعتبار أنّ المرأة تمثل «الحلقة الأضعف» مجتمعياً ومحطة تفريغ التوتر الذي يعاني منه الذكور الأقارب داخل الأسرة، والذكور في العمل، الذين غالباً ما يمتلكون السلطة والسيطرة على مجال العمل. هذا كله يجعل المرأة تتصدّر مشهد الإنتحار، لا سيّما في التجمعات السكانيّة البعيدة عن المدينة.

إنّ إقدام النساء، على وجه الخصوص، على محاولة الإنتحار إنما هو تمرد غير مدهش، وشكل من أشكال رفض الواقع، ووسيلة يائسة للتخلص من القهر السياسي والإجتماعي والإقتصادي الذي تدفع ثمنه باهظاً جداً.

دنيا الأمل إسماعيل فلسطين

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق