قصة نجاح ولماذا العهد البائد؟

محمد سعـد النجار
مصر : ۲۹-۷-۲۰۱۲ - ۱۱:٤۹ ص - نشر

(Linsanity) لن تجد هذه الكلمة إذا بحثت عنها فى القاموس ولكن ستجد لها ملايين الروابط على مواقع البحث بالإنترنت، وهى عبارة عن دمج لكلمتين وهما (Lin) وهو إسم احد لاعبى كرة السلة الأمريكية و(Insanity) ويقصد بها هنا الإثارة التى لايصدقها العقل أو الشئ الذى يبعث على عدم التصديق ويأخذ بالعقل.

جيرمى لين (Jeremy Lin) خريج جامعة هارفارد الأمريكية قسم الإقتصاد، الجامعة التى اخرجت على مدى تاريخها ثمانى رؤساء للولايات المتحدة الأمريكية آخرهم باراك أوباما ولم تخرج سوى اربعة لاعبين فقط يلعبون فى دورى كرة السلة الأمريكية للمحترفين (NBA) آخرهم جيرمى لين وكان عام 1954 هو آخر ظهور لخريج من هارفارد يلعب فى دورى (NBA)، ففرصة خريج هارفارد فى ان يكون رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية أفضل من فرصته في أن يكون لاعبا فى (NBA).

اشترط والدا جيرمى لين اللذان هاجرا من تايوان إلى أمريكا فى السبعينات من القرن الماضى على إبنهما المولود فى عام 1988 بمدينة لوس أنجيلوس الأمريكية، عندما أبدى رغبته فى أن يكون لاعب كرة سلة محترف، بان ينهى دراسته الجامعية اولا، وفعلا انهى جيرمى دراسته الجامعية ولم يكن له حظ ان تختاره احدي فرق المحترفين للعب لديها من خلال مشاركته مع فريق جامعته بدورى الجامعات الأمريكية بما يعنى ان طريقه لدورى المحترفين سيكون فى غاية الصعوبة.

بدأ جيرمى لين يشق طريقه بنفسه فتنقل بين عدة أندية فى الجنوب الأمريكى دون ان يلفت الإنتباه حتى وصل لمدينة نيويورك وتعاقد بشكل مؤقت مع ناديها المعروف بأسم (New York Knicks) فى شهر ديسمبر الماضى وكانت كثرة أصابات اللاعبين بالنادى وخصوصا فى مركزه كصانع ألعاب أو مايعرف فى كرة السلة بإسم (Point Guard) أحد اسباب التعاقد.

تعاقد معه النادى وهو ينوى على إنهاء العقد قبل يوم 10 فبراير 2012 قبل أن يصبح عقد نهائى حتى يعطوا فرصة لأنفسهم فى البحث عن لاعب آخر على مستوى عالى، وكان جيرمى لين ينوى ايضا أن يرحل لأوروبا إن لم يتم التعاقد معه هذه المرة عله يجد فرصته هناك، وقد داعب مدربه الصحفيين عندما سألوه عن الميزة التى جعلت النادى يتعاقد مع هذا اللاعب بالقول انه اكثر اللاعبين ذكاء فهو خريج هارفارد!

إزدادت نتائج فريق نيويورك تدهورا وتوالت الهزائم عليه وألغت شركات التليفزيون الناقلة لمبارياته تعاقدتها معه وأنصرف الكثير من جمهوره عن حضور المباريات، حتى أتى يوم 4 فبراير ودفع المدرب بجيرمى لين للعب فى خلال احدى المباريات بعد ان نفذ كل ما فى جعبته من جميع الحلول الممكنة للفوز، فإذا بلين يتألق ويسجل الكثير من النقاط ويقود فريقه لأول نصر بعد عدة هزائم متتالية ويبهر كل من فى صالة اللعب بمن فيهم مدربه وزملائه فى الفريق ليتم الدفع به بعد ذلك فى باقى المباريات من بدايتها ليقود فريقه لإنتصارات متتالية ويلفت النظر بشدة ويصبح ظاهرة تتحدث عنها وسائل الإعلام الأمريكية فتم صك مصطلح (Linsanity) الذى يتمتع بحماية قانونية فى حالة استخدامه تجاريا.

وعادت مرة أخرى ماديسون سكوير جاردن، وهى الصالة المغلقة الشهيرة التى تقام عليها المباريات بمدينة نيويورك، جاذبة للجمهور ونجوم الفن والأعلام ومعهم طالب هارفارد السابق ومنشا "فيس بوك " الملياردير مارك زوكربيرج. تصدرت صور جيرمى لين صفحات الصحف وأغلفة المجلات مثل مجلة تايم وغلاف مجلة الرياضات المصورة الشهيرة (Sports Illustrated) وتصدرت صورته الغلاف لأسبوعين متتاليين بما لم يحدث مع لاعب من قبل.

وأصبح حديث معظم المحطات والبرامج التليفزيونية وحرص الرئيس أوباما نفسه بأن يشاهد له اجزاء من احدى مبارياته، انطلقت (Linsanity) وأنطلقت ماكينات صناعة الأموال وتحقيق المكاسب، فالأصول الأسيوية لجيرمى لين وكثرة عدد الأمريكيين من اصول أسيوية جعلت ظاهرته تزداد توهجا ودائرة معجبيه تتسع وتمتد من أمريكا إلى الصين بأسواقها الهائلة بعد ان غزتها ظاهرة (Linsanity) وما يتبع ذلك من إتساع لنطاق السوق التجارى لمنتجات يتم الترويج لها من خلال الإعلانات بعد ضمان اعداد كبيرة ستشاهد وتتابع مباريات اللاعب.

أعادت شركات التليفزيون تعاقدتها مرة أخرى مع نادى نيويورك، وتهافتت الشركات على اللاعب من اجل الحصول على توقيعه للدعاية والترويج لمنتجاتها، وانتجت شركة (NIKE) حذاء يحمل إسمه ووقع عقد معها إضافة لعقد مع شركة فولفو للسيارات للإعلان لمنتجاتهم، وتمت طباعة أعداد هائلة من التشيرتات التى تحمل اسمه ورقمه (17) وتنفذ فور عرضها بالمحلات بعد ان كان لايوجد تشيرت واحد مطبوع عليه إسمه سوى الذى يرتديه فى المباريات.

تحول لين من لاعب لايعرفه أحد إلى ظاهرة فى زمن قياسى يقل عن الشهر. جيرمى لين ليس افضل لاعب كرة سلة فى امريكا ولن يكون مشاركا فى أولمبياد لندن فهناك لاعبين آخرين افضل منه، لكنها قصته التى ألهبت وألهمت مشاعر الكثيرين والحلم الذى جرى خلفه حتى حققه، إنه كما يقول الأستاذ الكبير حسن المستكاوى عند تحليله لسبب الفوز فى مباريات كرة القدم بأن السر فى القادمين من الخلف والذى لايتوقع منهم أحد احراز الأهداف فيحرزونها ويلهبوا حماس الجماهير.

جيرمى لين لاعب على خلق ومتدين يذكر الله دائما ويشكره على النجاح وينسب الفوز دائما لزملائه من اللاعبين ولا ينسبه أبدا لنفسه مما دعى أحد المعلقين أن يسأل عندما سمعه يتكلم بأن يقول أى نوع من الوالدين يملك هذا الفتى؟  إنه حسن الخلق الذى يجلب الإطراء والأعجاب لصاحبه وأهله والعكس صحيح.

إنتهى موسم جيرمى لين مبكرا بسبب الأصابة ولم تنتهى (Linsanity) ولم يستطع نادى نيويورك التجديد له بسبب أنظمة تعاقدات اللاعبين هنا، فتعاقد للعب مع أحد الأندية بولاية تكساس بالجنوب الأمريكى، بمبلغ (25.1) مليون دولار لمدة 3 مواسم غير ماسيحصل عليه من الدعاية والإعلان، وكانت قيمة عقده السابق مع نادى نيويورك هو ثلاثة أرباع المليون دولار عن موسم واحد. يقول كوبى براينت (Kobe Bryant) أحد النجوم السوبر بدورى (NBA) ولاعب نادى (لوس أنجيلوس ليكرز) بعد أن شاهده يلعب، هذا اللاعب لم يأتى من المجهول بل هو كان دائما موجود فى خلف المشهد بمستواه العالى وتميزه ولم يكن يراه احد، يؤمن بموهبته وبنفسه، يثابر ويجتهد ويتمرن بجدية ويطور من نفسه وآدائه، يسعى ويستعد لفرصته حين تأتى وقد أتت بجهده وموهبته.

بمناسبة حيرمى لين فقد زرت منذ حوالى عام صالة المشاهير لكرة السلة (Basketball Hall Of Fame) التى تم إفتتاحها عام 1968 بمدينة سبرينج فيلد بولاية ماساشوسيتس الأمريكية حيث نشئت كرة السلة فى هذه المدينة باحد مراكز (YMCA) والمعروفة فى مصر بإسم الواى أو جمعية الشبان المسيحيين، وكان ذلك فى عام 1891 على يد جيمس نايسميث (James Naismith) حيث كان يعمل بالمركز كمدرب للألعاب الرياضية، وهو مولود بكندا عام 1861 وتوفى عام 1939 وحصل على شهادة فى الطب عام 1898.

الصالة عبارة عن متحف لتاريخ كرة السلة كيف بدأت وكيف تطورت، كل شئ مسجل ومصور ونماذج تصور كيف كان شكل الكرة والخامات المصنوعة منها وشكل الباسكت فى بداية تاريخ اللعبة وطبيعة ارضية الملعب، أحذية اللاعبين وملابسهم وملابس الحكام، كيف كان يتم إحتساب الوقت والثوانى ونموذج للآلة التى تحتسب التوقيت، وسجلات مدون فيها كيف تطورت قوانين اللعبة، ونماذج شرح لخطط اللعب فى المباريات بخط يد المدربين القدامى، نماذج قديمة لميكرفونات المذيعيين ومن هم أشهر المعلقين، وأشهر وأفضل المدربين والحكام واللاعبين، شكل وألوان الزى الذى كان يرتديه اللاعبون فى بطولات العالم والأولمبياد وأسمائهم، ماهو طول أقصر واطول لاعب شاركوا فى دورى كرة السلة الأمريكية، نقوشات على الأرض لمقاسات اقدام اللاعبين المشهوريين والكبيرة الحجم (هناك مقاسات تصل إلى 23 مثل مقاس حذاء اللاعب شاكيل أونيل)، مع تزيين الجزء العلوى كله من الصالة بصور مشاهير اللعبة من اللاعبين وهم الأكثرية والمديرين والمدربين ونبذة عن تاريخ صاحب كل صورة، إضافة لوجود تمثال لجيمس نايسميث بداخل الصالة. كل الأشياء والتفاصيل الدقيقة التى تخص كرة السلة محفوظة ومسجلة فى هذا المكان، ويوجد مثل هذه الصالة أو المتحف شبيها لها فى الألعاب الأخرى ككرة القدم الأمريكية والعالمية والبيسبول وغيرهم.

تذكرت هذه الزيارة والمكان عندما قرأت آراء بعض من يكرهون التاريخ بالدعوة لعدم الأحتفال بثورة 23 يوليو بينما هناك دول اخرى تتذكر تاريخها بكل تفاصيله وتسجله حتى ولو كان فى لعبة رياضية. آفة حارتنا ليست النسيان، آفاتها أننا لا نكتب ولا نسجل تاريخنا بكل تفاصيله فى كافة النواحى والأنشطة والعلوم الأنسانية لحفظ ذاكرة الأمة وتكوين قاعدة بيانات نتعلم منها وتدفعنا للأمام.

وبدلا من ذلك يأتى تيار يريد ان يلغى التاريخ الذى قبله، وتواكب ذلك مع ظهور مصطلح سخيف رنينه كان سئ على الأذن عند سماعه لأول مرة بعد الثورة واطلق على فترة النظام السابق وقد تم أطلاقه قبل ذلك على العهد الملكى قبل ثورة عام 1952 وهو(العهد البائد) كإعلان خصومة وقطيعة مع الماضى ومحوه من الذاكرة الوطنية ولعلهم وهو الأرجح لايقصدون النظام السابق فقط بهذ المصطلح بل كل مكان قبله.

ما هكذا تبنى الأوطان وتتقدم، فهنا يتم تدريس التاريخ للطلبة فى المدارس بكل مافيه ولايتم إغفال نقاطه السوداء ويتم تدريسها لهم مثل ماحدث لسكان امريكا الأصليين وإضطهاد السود والتفرقة العنصرية ونظام العبودية ولايتم إخفاء فترة معينة من التاريخ أو محوها، فتثق بذلك الأجيال الناشئة فى التاريخ الذى يدرس لها وتتلقاه من بنى وطنها بدلا من ان تتلقاه ممن يكرهون التاريخ ويريدون محوه وأختصاره فى انفسهم وكأنهم يريدون أن يعطوا لأنفسهم صفة التتار الجدد، يكرهوا كل حضارة وكل تاريخ طالما لايتوافق مع أهدافهم وفكرهم، هم أكثر من يردد مصطلح العهد البائد بإستمرار لترهيب كل من يريد فتح دفاترهم مع هذا العهد وتذكيرهم بأتفاقيتهم ومؤامراتهم معه وضده، يطلقون عليه العهد البائد حتى لايكون هناك عهد إلا عهدهم ولاتاريخ إلا تاريخهم، مع أنهم وكل الموجودين على الساحة الآن من نتاج العهد البائد.

تنكروا أو تكرهوا ثورة 23 يوليو ليس مهما، فلستم سوى لحظة زمنية عابرة فى تاريخ مصر، إن ظللتم على نهجكم وفكركم، وللأسف ستكون تكلفة اللحظة قاسية على المستقبل. ما حدث فى 23 يوليو 1952 تحول إلى ثورة بقيادة زعيمها جمال عبد الناصر بفعل الإنجازات والتغيير على الأرض والإنحياز لصالح الشعب وما حدث فى 25 يناير 2011 كان ثورة شعب لكنها تحولت إلى جريمة سرقة والذى سرقها هو الأكثر ترديدا لكلمة الثورة والتشدق بها كمحاولة لإخفاء جريمته، والسارق سيظل دائما مترددا ومرتعشا وخائفا مهما أظهر من قوة لانه يعرف حقيقة ما حدث وماتم تدبيره فى ليل، وكيف سرق واستولى على السلطة وسيظل يخشى يوم أن يأتى الحساب وآفاقه بادية.

محمد سعـد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق