أقوى دوافع الإنسان هو ما يكره

أقوى دوافع الإنسان هو ما يكره

٢٠٢١/١١/١٩

الأرض الصخرية تجعلك تتسلق. الأرض الرملية تجعلك تمشي. النعومة لا تستفز الحواس. الخشونة تنبه الحواس وتوقظ الألم. أقوى دوافع الإنسان هو ما يكره.

نحن نكره ما يزعجنا، نكره الحقد والحسد والضغينة، نكره التكبر والجفاء واللؤم، نكره الهزيمة والاستسلام، أي أننا نكره كل ما هو سلبي، وحين نكره تتجه طاقتنا بكليتها إلى الطرف الآخر وننسى أننا نحمل قليلاً من كل هذا أو كثيراً منه، وأنه ليس بيننا ملائكة ولكن منا من يفهم نوازع نفسه السيئة فيترفع عنها وينظر إلى هدف سامي يتجه إليه بدلاً من البحث في الأرض عن كل ما يعتريه الخلل والقباحة.

نحن لدينا جميعاً شيء أو بعض من هذه المشاعر ولكن منا من تعلم كيف يروضها وكيف يجعلها في المخزن السفلي من أفكاره أو حتى تمكن من إلغائها من مشاعره لأنها ببساطة لا تقود إلا إلى الهشاشة الذاتية وإلى تعظيم الآخرين ومنحهم ما لا يستحقون.

لكن كل هذه المشاعر السلبية إذا واجهها أي منا فكيف يكون رد فعله تجاهها وهو المهم؟ منا من يختزلها بأعماقه ولا يتخلى عنها كأنه كنز مدفون ويبني كل حياته على هذه المشاعر التي واجهته ربما من أقرب الناس إليه، ومنا من يبحث عن الانتقام ومنا من يجد راحته بنسيان مًفتعل ولكن مريح.

الأفضل من كل هذا هو القدرة على جعل كل هذه المشاعر السلبية والسيئة حوافز للنجاح والتقدم، فأسوء ما يمكن أن تقدمه لمن أساء لك ليس الانتقام منه بل أن تقدم له النجاح والإنجاز على طبق فضي خالٍ من الأحقاد ولكنه ممتلئ بصور الخيانة والإساءة التي صدرت عنه، فيرى نجاحك ثم يرى بشاعته الذاتية ثم لا يستطيع أن يتابع النظر إلى ذلك الطبق الفخم والرائع ألا وهو النجاح.

بعد المقال الحالي شاهد:
عفواً سيدي

حتى الدول والشعوب عانت أو تعاني من الخيانة ومن الاستغلال والاستعمار، فالأمة التي تقوقعت على ألمها تبكيه وتنتحب لأجله وتابعت حياة مريضة بائسة على بقايا هذا الاستعمار لم تنهض ولن تنهض أبداً لأنها أسست واقعها على الهزيمة واجترار المهانة والذل، بينما الأمم التي رفضت الاستسلام والمهانة وأصرت على البقاء والمقاومة أسست حياة كريمة لها ولأجيالها القادمة، لم تنتحب ولم تبكِ البؤس ولكن قضت كل وقتها في العمل والتطور والبحث عن مخرج لكل الأزمات، جعلت من كل ما هو سلبي جسر تسير فوقه بصعوبة ولكنها تصل في النهاية.

نحن في هذا الحياة لا نتسلق حين نسير على الرمال ولكننا نحث الخطى حين نتسلق الصخور، نشحذ كل طاقاتنا وحواسنا للوصول إلى القمة. فلماذا نكره تلك المشاعر السلبية؟ لماذا نكره خيانة الآخرين وجفائهم؟ لماذا نرفض تغير الزمن وتبدل الأحوال والأشخاص؟

كل هذه المحن ليست سوى وسيلة لتطوير الذات لمن فهم معنى هذه المحن وجعلها سلم صعب يرتقي به إلى الأعلى ولا يجعله حفرة تغوص به إلى الأسفل، ومن أهم الدوافع للنجاح هو المشاعر السلبية أكثر من التشجيع، لأن هذه المشاعر السلبية والكلمات القاسية لا يمكن أن تمر دون أن تترك ندبة في الروح، فإما أن تكون ندبة ملتهبة دائماً أو ندبة تجف وتترك لنا أثر نفخر به دائماً.

من أعلى مراتب النضج لدى الإنسان هو قدرته على جعل المحن حجارة كبيرة أو صغيرة تحت قدميه وأن يستمر في المشي لأن خلف الطريق الوعر هناك دائماً حديقة سرية لن يكتشفها إلا من يتابع المسير. إن أقوى دوافع الإنسان هو ما يكره.

انشر تعليقك