حقيقة انتشار الإسلام والشبهات

حقيقة انتشار الإسلام والشبهات والردود

الإسلام هو الدين الخاتم الذي ختم الله تعالى به إلى البشر، ولم يترك هذا الدين معاملة من المعاملات إلا نظمها ووضع لها التشريعات اللازمة للحفاظ عليها وللرجوع عند الاختلاف إليها، فنظم علاقة المرء بأخيه وجاره وسائر من حوله كما نظم سائر التعاملات التي تحتاج إلى اتصال الناس بعضهم ببعض حتى يتحقق العدل والمساواة بين البشر كافة. سنبين هنا إن شاء الله جوانب من حقيقة انتشار الإسلام والشبهات والردود.

كما نظم الإسلام هذه التعاملات بين المسلمين بعضهم بعض، نظمها كذلك بين المسلمين وبين غيرهم، فحدد طبيعة هذه التعاملات، ورسم طريق الخير فيها لكل صورة من الصور التي يتعامل المسلم فيها مع غير المسلم.

فبَيَّنَ الإسلام بنصوصه وقواعده التي أرساها كيفية التعامل مع غير المسلمين في كل مرحلة من مراحل الدعوة المختلفة، التي تتراوح بين القوة والضعف، أو السلم والحرب، أو داخل الحدود الإسلامية أو خارجها، وكذلك بيّن الإسلام كيفية التعامل مع غير المسلم في أي صورة يكون عليها غير المسلم، كأن يكون ذميًّا أو حربيًّا أو أسيًرا. كما حدد الإسلام جميع هذه التعاملات بالضوابط الشرعية المنبثقة من كتاب الله وسنة النبي ﷺ.

ولئن ظهر ذكاء النبي وفطنته فيما كان ينتهجه من شتى أنواع السلوك الإنساني، فإن فطنته قد ظهرت بارزة في تعاملاته ليس فقط إزاء معارفه وجيرانه بل كذلك إزاء المخالفين له في الدين، فقد أثبت بتعاملاته أنه كان على جانب كبير من معرفة نفسية بمن يتعامل معه ورغباتهم، وما يميلون إليه وما ينصرفون عنه، ولعل هذا مما عناه الحق سبحانه وتعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم، الآية ٤].

الإسلام وجد طريقـه إلى القلوب والعقول وخالطت بشاشته النفوس ودخل فيه أفواج من اليهود والنصارى، وخاصة الأحبار منهم والرهبان والمستشـرقين والعلماء، حيث وجدوا فيه بغيتهم وفطرتهم، ووجدوا فيه الأصول الصحيحة لليهودية والنصرانية وغيرها من الأديان الأخرى، فآمنوا بسيدنا محمد وسيدنا عيسى وسيدنا موسى عليهم الصلاة والسلام واعتنقوا الإسلام عن رغبة واعتزاز بالحجة والإقناع، وعلى الرغم من ذلك بقيت بعض الطوائف من غير المسلمين التي حرصت على التجريح في الإسلام وبث الشبهات حوله وحول نبينا محمد ﷺ، ولم يزدهم تطاول الأيام إلا افتراء على الرسالة العظمى وصاحبها الأمين ﷺ، فلا يزالون حتى الآن يشنون حربًا تلو الأخرى من الأكاذيب ضد هذا الدين الحنيف القيم كلما سنحت لهم الفرصة.

وقد انطلق هؤلاء الحاقدون يصفون الإسلام ونبيه ﷺ بأقبح الخصال، ومن بين ما افتروه:

١- أن الإسلام انتشر بحد السيف.

٢- أن هدف النبي ﷺ من فتوحاته إنما كان غرضه اقتصاديًّا بحتًا، فاتهموا النبي ﷺ وصحابته الكرام، عليهم رضوان الله تعالى، بأنهم قوم أضراهم الجوع، فما الجهاد والفتوحات الإسلامية إلا غارات عربية قامت بها قبائل كانت تشتغل قبل ذلك بالسلب والنهب.

٣- كذلك زعموا أن التاريخ الإسلامي على مداره كان تاريخ هضم وظلم لغير المسلمين، وأنه قد أساء إلى مخالفيه.

هذه ثلاثة افتراءات وقضايا في سياق (حقيقة انتشار الإسلام - الشبهات والردود) سيتم بعون الله (سبحانه وتعالى) الرد عليهم فيها، ويأتي ردنا على هذه الافتراءات مصحوبًا بالأدلة الثابتة التي أوردها باحثون غير مسلمين في دراسات علمية محكمة، ونحن قبل ذلك وبعده على أتم اليقين بأن الإسلام ونبيه ﷺ منزهان وبريئان مما أثير حولهما من شبهات المبطلين، كما أننا سنرفق هذه الشهادات في أثناء عرضنا لهذه الشبهات والرد عليها ردًّا علميًّا، وسنرفق اعترافات وشهادات علمائهم ومفكريهم.

الرد على فرية انتشار الإسلام بحد السيف:

هذا الزعم الباطل يعني أن الرسول ﷺ قد أكره الناس على الدخول في الإسلام، وهو زعم باطل مِن ناحيتين:

بعد المقال الحالي شاهد:
الحبانية مدينة الحب والسلام

الأولى: أن الواقع يكذبه على نحو ما مر بنا في سرد مبادئ الإسلام في التعامل مع غير المسلمين، فالتاريخ حافل بالحوادث التي لا يمكن معها إقرار هذه الفرية.

الثانية: أن منهج الإسلام لا يقر الدخول في الإسلام عن طريق الإكراه، لأنه (لا إكراه في الدين)، على حسب ما هو مقرر في القرآن الكريم، فغير المسلم إذا دخل الإسلام عن طريق الإكراه فإسلامه غير صحيح.

قال ابن قدامه: "وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم، لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا" ([١]).

والحق إن الذي يدعي أن الإسلام انتشر بالسيف إنما يريد تنفير الشعوب غير المسلمة عن الدخول في الإسلام، كرد فعل لما يراه من دخول الكثير منهم فيه. فالذي يروج هذه الافتراءات إنما يحاول إيقاف المد الإسلامي الذي ما زال يخرج الكثير من غير المسلمين إلى أنوار التوحيد والإيمان، كما أن كثيرًا من أبواق التنصير في أرجاء العالم ظهر فشلها في استقطاب المسلمين وردِّهم عن دينهم.

فإذا كان الإسلام انتشر بالسيف كما يزعم الزاعمون فلماذا يغزو أوروبا الآن ويهتدي إليه كثير من العلماء والقساوسة بالرغم مما فيه المسلمون الآن من عدم تمكينهم من الدعوة إلى الإسلام؟! ثم كيف كان إسلام الأولين مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، فهل كان النبي ﷺ بيده سيف أدخل هذا العدد الغفير في الإسلام؟!

ثم أكبر دليل على عدم صدق هذا الزعم بقاء غير المسلمين على دينهم حتى الآن، يقول توماس أرنولد: "نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة، وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح" ([٢]).

والحقيقة إنه لم يدرس إنسان عاقل يخلص البحث عن الحق الإسلامَ إلا انقاد وانشـرح صدره لهذا الدين القيم، لأنه دين الفطرة. واللافت للنظر أن أكثرهم من أحبار اليهود والقساوسة.

تحتوي قائمة المهتدين للإسلام أعدادًا كبيرة تجل عن الحصر وأكثرهم من العلماء والمفكرين، يقول برناردشو: "إن الإسلام يستحق الاحترام والإجلال، لأنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، وهو خالد خلود الأبد. وإني أرى كثيرًا من بني قومي من العلماء دخلوا هذا الدين على بيّنة من أمرهم. ومستقبلًا سيجد هذا الدين مجاله الفسيح في كل أنحاء أوروبا. وقد درست سيرة محمد ﷺ فوجدته بعيدًا عن مخاصمة المسيح، ويمكن بحق أن نعتبر محمدًا ﷺ منقذًا للإنسانية، وأعتقد أن رجلًا مثله لو حكم العالم بآثاره وخلقه لجلب الناس إلى السلام والسعادة" ([٣]).

ويقول السير توماس أرنولد: "وإذا نظرنا إلى التسامح الذي امتد إلى رعايا المسلمين من المسيحيين في صدر الحكم الإسلامي ظهر أن الفكرة التي شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة التصديق" ([٤]).

ويقول أيضًا: "ولكننا لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصـى بها فردناند وإيزابيلا دين الإسلام من إسبانيا، أو التي جعل بها لويس الرابع عشـر المذهب البروتستانتي مذهبًا يعاقَب عليه متبعوه في فرنسا، أو بتلك السهولة التي ظل بها اليهود مبعدين عن إنجلترا ٣٥٠ سنة، وكانت الكنائس الشرقية في آسيا قد انعزلت انعزالًا تامًّا عن سائر العالم المسيحي، الذي لم يوجد في جميع أنحائه أحد يقف في جانبهم باعتبارهم طوائف خارجة عن الدين، ولهذا فإن بقاء هذه الكنائس حتى الآن يحمل في طياته الدليل القوي على ما قامت عليه سياسة الحكومات الإسلامية بوجه عام من تسامح نحوهم" ([٥]).

بعد المقال الحالي شاهد:
صدق مر أو كذب جميل؟

ويقول مسيو مونتيه: "لقد انتشر الإسلام منذ نشأته بسرعة وقلما توجد بل لا توجد أبدًا ديانات تنتشر بمثل هذا الانتشار، وليس كما قال ديانات،وإنما هي ملل، وإن ما صادفه الإسلام من أول عهده كان عظيمًا وباهرًا حتى تكونت آراء طائشة عن حقيقة سبب تلك الفتوحات السريعة التي وطدت سلطة نبي الإسلام ﷺ وإصلاحه بعيدًا عن حدود بلاد العرب، ولقد كرروا ولا يزالون يكررون حتى الآن أن نجاح العقيدة الإسلامية يرجع إلى العنف وإلى القوة والسيف في عهد محمد ﷺ وعهد خلفائه الأولين، يعني الخلفاء الأربعة، ولكن هذه الفكرة قد كذبتها الوقائع" ([٦]).

وتقول كاتبة إنجليزية في جريدة الناقد السورية وقد طلبت الكاتبة من الجريدة عدم ذكر اسمها: "يقولون إن دين محمد ﷺ دين السيف، مع أن دين محمد ﷺ دين القوة الإلهية، وتتوالى هذه الشهادات إلى حد يصعب استقصاؤه، على أن العاقل لا يقول: كيف انتشر؟ بل يقول: ما الذي انتشر؟ هل هو الحق أم الباطل؟ ثم يترك عقله وفطرته يجيبان فإذا تيقن أن الله أمره ونهاه فإنه لا يملك بعد ذلك إن كان مؤمنًا إلا أن ينقاد إلى دين الله" ([٧]).

ويقول توماس كارليل: "أنا لا أحفل أكان انتشار الحق بالسيف أم باللسان أم بأي طريقة أخرى فلندع الحقائق تنشر سلطانها بالخطابة أو بالصحافة أو بالنار، فلندعها تكافح بأيديها وأرجلها وأظافرها".

ويقول أيضًا في كتابه "الأبطال": "لقد أصبح من أكبر العار على أي متمدين من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى أناس حاقدين كاذبين على محمد ﷺ، وآن لنا أن نحارب مزاعمهم السخيفة المخجلة. فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ﷺ مازالت السراج المنير مدة أربعة عشر قرنًا" ([٨]).

إن إعطاء الإنسان الحرية الكاملة في اختيار عقيدته وعدم إجباره على تغيير دينه بأي واسطة من وسائط الإكراه ثمرة من ثمار محمد ﷺ.

"إن هذا الشعب العربي كان يمكن أن يمثل في حال النصـر الدور الذي مثله التتارفيما بعد من قتل جماعي كبير وصل لملايين القتلى، فهل هو محو للحضارة؟ ولكن العرب على العكس من ذلك فقد مثلوا على مسرح التاريخ أروع أمثلة الرحمة والتسامح مع الشعوب المغلوبة.

إن عملية الجهاد المستمر والتضحيات الكثيرة التي بذلت من أجل نشر دين الله مع إعطاء الفرد الحرية الكاملة في اختيار عقيدته دون إكراه، لدليل على أن محمدًا ﷺ حقٌّ، فالذين يتصورون أن مقام النبوة يتنافى مع الحرب، تصوراتهم معكوسة، فإن حرب الأنبياء وحدها هي الحرب المعقولة في العالم، إذ إن البشر حينئذٍ إما ملحدون، وهؤلاء أصغر من أن يرد عليهم، لأن القتل والخراب الذي يحدث على أيديهم يَنْدَى له جبين الوحوش، وإما أهل كتاب كاليهود والنصارى وهؤلاء يناقضون أنفسهم فإن في التوراة التي يؤمنون بها جميعهم ما يدل على أن الأنبياء جاهدوا في سبيل الله" ([٩]).

بعد المقال الحالي شاهد:
ترك المعاصي في رمضان

إن "حرية التدين هي أخطر صور الحرية الفكرية وأشدها حساسية، فإذا ضمنها الإسلام فقد بلغ الذروة في ضمان حرية التفكير.. وحرية ممارسة الدين وشعائره هي أخطر صور إعلان الرأي، فإذا ضمنها الإسلام فقد بلغ الذروة في ضمان حرية الرأي والتعبير" ([١٠]).

الهدف الواضح للإسلام يتمثل في قولهﷺ: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم"، وصح عن النبيﷺ أنه لما بعث عليًّا (رضي الله عنه) إلى خيبر قال: "ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالي فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم" ([١١]).

قال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) [البقرة، الآية ٢٥٦]، قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام، وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يُكْره أحدًا من أهله على الخروج منه. وإنما نكون متمكنين من إقامة هذا الركن وحفظ هذه القاعدة إذا كنا أصحاب قوة ومنعة نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا، ونرد بها على من اعتدى علينا، إذ أُمرنا أن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن، معتمدين على أنَّ تَبَيُّن الرشد من الغي هو الطريق المستقيم إلى الإيمان، مع حرية الدعوة وأمن الفتنة. فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار، أي إنه ليس من جوهره ومقاصده، وإنما هو سياج له وجُنَّة، فهو أمر سياسي لازم له للضرورة، ولا التفات لما يهذي به العوام ومعلموهم الطَّغام، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف، وأن الجهاد مطلوب لذاته، فالقرآن في جملته وتفصيله حجة عليهم حتى تقوم الساعة.

ذكر أيضًا في تفسير قوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [يونس، الآية ٩٩]، إن هذه أول آية نزلت في أن الدين لا يكون بالإكراه، ثم نزل عند التنفيذ: (لا إكراه في الدين)، أي لا يجوز ولا يصح به، لأن علماء المسلمين أجمعوا على أن إيمان المُكْره باطل لا يصح، ولكن النصارى ومقلديهم لا يستحون من افتراء الكذب على الإسلام والمسلمين، ومنه رميهم بأنهم كانوا يكرهون الناس على الإسلام، ويُخَيِّرونهم بينه وبين السيف يقطع رقابهم، على حد المثل: "رمتني بدائها وانسلت".

فهذا ما يقوله الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا في تفسير تلك الآية، وهما اللذان كان لهما ولأستاذهما جمال الدين الأفغاني الفضل في تطهير الإسلام مما لصق به من آثار الجمود، حتى أعادوه إلى طهارته وروعته الأولى، فأمكنه أن يقف كالصخرة العاتية الصلدة أمام سيل الشبهات التي توجه إليه في هذا العصـر، ولولا هذا لتزعزعت أركانه، ولاختفى في ظلمات الجمود التي كانت تخيم عليه، وتساعد أعداء الإسلام فيما يوجهونه من طعنات إليه، كما يساعدونهم في جمودهم على تفسير تلك الآية بما يفيد أن الإسلام لم ينتشـر إلَّا بالإكراه والقوة، وهذا قول غير صحيح.

شهادة مفكر مسيحي:

هناك أيضًا شهادات المنصفين من غير المسلمين، ونختار منها شهادة ذلك المفكر المصـري المسيحي الدكتور نبيل لوقا بباوي الذي أصدر مؤخرًا دراسة تحت عنوان: "انتشار الإسلام بحد السيف بين الحقيقة والافتراء"، رد فيها على الذين يتهمون الإسلام بأنه انتشر بحد السيف وأجبر الناس على الدخول فيه واعتناقه بالقوة.

بعد المقال الحالي شاهد:
نحو موقف نوعي من القضية الايرانية

ناقشت الدراسة هذه التهمة الكاذبة بموضوعية علمية وتاريخية أوضحت خلالها أن الإسلام، بوصفه دينًا سماويًّا، لم ينفرد وحده بوجود فئة من أتباعه لا تلتزم بأحكامه وشرائعه ومبادئه التي ترفض الإكراه في الدين، وتحرِّم الاعتداء على النفس البشـرية، وأن سلوك وأفعال وفتاوى هذه الفئة القليلة من الولاة والحكام والمسلمين غير الملتزمين لا تمت إلى تعاليم الإسلام بصلة ([١٢]).

هذا شعار الإسلام (لا إله إلا الله) هو الذي يحقق الوصية التي هي أول الوصايا: "والرب إلهنا رب واحد، رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، كما قال عيسى (عليه السلام). وبالمقارنة مع دين النصارى نجد أن هذه الوصية قد توارت واختفت، وأصبح التثليث وتأليه المسيح واعتقاد صلبه لفداء خطيئة البشرية الموروثة، هو شعار النصارى وأصل عقيدتهم. وأما اليهود فإلههم عاجز ضعيف فقير مغلوب، وهو إله خاص بهم لا يعبده غيرهم. وأما سائر الأمم فهم عبيد العبيد لهم لا مانع من نشر الشرك والوثنية وعبادة الشيطان والشهوات فيهم. فمقارنة يسيرة بين هذه المعتقدات وبين أهل الإسلام في الأسماء والصفات، قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) [الأعراف، الآية ١٨٠].

وقالت الدراسة: حدث في المسيحية أيضًا التناقض بين تعاليمها ومبادئها التي تدعو إلى المحبة والتسامح والسلام بين البشر وعدم الاعتداء على الغير، وبين ما فعله بعض أتباعها في البعض الآخر من قتل وسفك دماء واضطهاد وتعذيب، مما ترفضه المسيحية ولا تقره مبادئها، مشيرة إلى الاضطهاد والتعذيب والتنكيل والمذابح التي وقعت على المسيحيين الكاثوليك، لا سيما في عهد الإمبراطور دقلديانوس الذي تولى الحكم في عام ٢٨٤م، فكان في عهده يتم تعذيب المسيحيين الأرثوذكس في مصر بإلقائهم في النار أحياء على الصليب حتى يهلكوا جوعًا، ثم تترك جثثهم لتأكلها الغربان، أو كانوا يوثقون في فروع الأشجار، بعد أن يتم تقريبها بآلات خاصة ثم تترك لتعود لوضعها الطبيعي فتتمزق الأعضاء الجسدية للمسيحيين إربًا إربًا ([١٣]).

وقال بباوي: إن أعداد المسيحيين الذين قتلوا بالتعذيب في عهد الإمبراطور دقلديانوس يقدر بأكثر من مليون مسيحي، إضافة إلى المغالاة في الضرائب التي كانت تفرض على كل شيء حتى على دفن الموتى، لذلك قررت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر اعتبار ذلك العهد عصر الشهداء، وأرخوا به التقويم القبطي تذكيرًا بالتطرف المسيحي ([١٤]).

وأشار الباحث إلى الحروب الدموية التي حدثت بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا، وما لاقاه البروتستانت من العذاب والقتل والتشريد والحبس في غياهب السجون إثر ظهور المذهب البروتستانتي على يد الراهب مارتن لوثر الذي ضاق ذرعًا بمتاجرة الكهنة بصكوك الغفران.

هدفت الدراسة من وراء عرض هذا الصراع المسيحي إلى:

أولاً: عقد مقارنة بين هذا الاضطهاد الذي وقع على المسيحيين الأرثوذكس من قبل الدولة الرومانية ومن المسيحيين الكاثوليك، وبين التسامح الديني الذي حققته الدولة الإسلامية في مصر، وحرية العقيدة الدينية التي أقرها الإسلام لغير المسلمين وتركهم أحرارًا في ممارسة شعائرهم الدينية داخل كنائسهم، وتطبيق شرائع ملتهم في الأحوال الشخصية، مصداقا لقوله تعالى في سورة البقرة: (لا إكراه في الدين)، وتحقيق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين وغير المسلمين في الدولة الإسلامية إعمالا للقاعدة الإسلامية: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، وهذا يثبت أن الإسلام لم ينتشر بالسيف والقوة، لأنه تم تخيير غير المسلمين بين قبول الإسلام أو البقاء على دينهم مع دفع الجزية (ضريبة الدفاع عنهم وحمايتهم وتمتعهم بالخدمات)، فمن اختار البقاء على دينه فهو حر، وقد كان في قدرة الدولة الإسلامية أن تجبر المسيحيين على الدخول في الإسلام بقوتها، أو أن تقضي عليهم بالقتل إذا لم يدخلوا في الإسلام قهرًا، ولكن الدولة الإسلامية لم تفعل ذلك تنفيذًا لتعاليم الإسلام ومبادئه، فأين دعوى انتشار الإسلام بالسيف؟ وكيف حاربه بالسيف والرسول ﷺ له معاملة فاضلة مع اليهود حتى توفي؟

بعد المقال الحالي شاهد:
دموع وردة ونزيف شجرة

مما سبق نثبت أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، ولم يدخل أحد الإسلام بالسيف، وأن رسول الله ﷺ قد أوتي من جوامع الكلم، فأقواله وأفعاله وتقريراته هي مرجع المسلمين إلى قيام الساعة، فكان العلماء على مر القرون يستنبطون من الكلام القليل والفعل اليسير لرسول الله ﷺ الفوائد الجليلة والعظيمة، ومن أمثلة ذلك هذا الحديث الذي نتناوله في هذا المحور، وهو حديث مروي في العديد من كتب السنة، فقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في "مسنده" ومالك في "الموطأ" والدارمي في "سننه" وابن حبان في "صحيحه"، ورواه أيضًا غيرهم في كتب السنة الأخرى.

سنذكر أهمَّ طرق الحديث، ثم نتبع ذلك بالفوائد الفقهية التي استنبطها العلماء من الحديث، ففي "صحيح البخاري" و"مسلم" وغيرهما عن عائشة أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه درعًا من حديد.

وروى البخاري وغيره عن أنس (رضي الله عنه) أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة، ولقد رهن النبي ﷺ درعًا له بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيرًا لأهله، ولقد سمعته يقول: "ما أمسى عند آل محمد صاع بُرّ، ولا صاع حَبّ، وإن عنده لتسع نسوة" ([١٥]).

أما الفوائد المستنبطة من الحديث فهي ما يلي:

١. أن الرسول ﷺ عندما قال: "ما أصبح لآل محمد" أو "ما أمسى في آل محمد "، لم يفعل ذلك متضجرًا ولا شاكيًا –معاذ الله من ذلك– وإنما قال معتذرًا عن إجابته دعوة اليهودي ولرهنه عنده درعه.

٢. جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين التعامل فيه وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم، وهذا يعني أن التعامل مع الكفار من غير المسلمين جائز بشـرط أن يكون المتعامل فيه ليس محرمًا، ولا يؤثر فساد معتقدهم، حيث إنهم على الكفر ولا فساد معاملاتهم فيما بينهم، حيث إنهم لا يراعون فيها الحلال والحرام، لا يؤثر ذلك في هذا التعامل.

٣. ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم. فلا يعتدى عليها ولا تؤخذ من أيديهم إلَّا بأنواع المعاملات الشرعية التي يبيحها الإسلام، فقد بقيت هذه الدرع عند اليهودي ولم يفك رهنها الرسول ﷺ حتى مات، ثم افتكها أبو بكر (رضي الله عنه) بعد موت الرسول ﷺ، على قول، أو علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) في قول آخر.

بعد المقال الحالي شاهد:
كوفيد-١٩ يهدد بريطانيا العظمى بغروب الشمس

٤. جواز الشراء بالثمن المؤجل، ذلك لأن الرسول ﷺ قد اشترى الطعام من اليهودي إلى أجل ورهنه درعه، فالدرع لم تكن ثمنًا وإنما رهن فقط، ولقد ترجم البخاري لحديث عائشة وحديث أنس في كتاب البيوع باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة، وقال ابن حجر: (النسيئة بكسر المهملة والمد أي بالأجل)، قال ابن بطال: (الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع).

٥. وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والزهد في الدنيا والتقلل منها مع قدرته عليها.

٦. وفيه ما يدل على كرم الرسول ﷺ الذي أفضى به إلى عدم الادخار حتى احتاج إلى رهن درعه.

٧. وفيه الصبر على ضيق العيش والقناعة باليسير.

٨. وفضيلة لأزواجه لصبرهن معه على ذلك. قلت: فلتقتد بهن زوجات المسلمين ولا تتضجر إحداهن بمجرد مرور زوجها بضائقة مالية أو ببعض الابتلاءات.

٩. قال العلماء: الحكمة في عدوله ﷺ عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عنده إذ ذاك طعام فائض عن حاجتهم، أو خشـي أنهم لا يأخذون منه ثمنًا أو عوضًا لم يرد التضييق عليهم، فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك من يقدر على ذلك وأكثر منه.

ثانيًا: إثبات أن الجزية التي فرضت على غير المسلمين في الدولة الإسلامية بموجب عقود الأمان التي وقعت معهم، إنما هي ضريبة دفاع عنهم في مقابل حمايتهم، والدفاع عنهم من أي اعتداء خارجي، لإعفائهم من الاشتراك في الجيش الإسلامي حتى لا يدخلوا حربًا يدافعون فيها عن دين لا يؤمنون به، ومع ذلك فإذا اختار غير المسلم أن ينضم إلى الجيش الإسلامي برضاه فإنه يعفى من دفع الجزية.

وتقول الدراسة: إن الجزية كانت تأتي أيضًا نظير التمتع بالخدمات العامة التي تقدمها الدولة للمواطنين مسلمين وغير مسلمين، والتي ينفق عليها من أموال الزكاة التي يدفعها المسلمون بصفتها ركنًا من أركان الإسلام، وهذه الجزية لا تمثل إلا قدرًا ضئيلًا متواضعًا لو قورنت بالضرائب الباهظة التي كانت تفرضها الدولة الرومانية على المسيحيين في مصـر، ولا يعفى منها أحد، بينما أكثر من ٧٠% من الأقباط الأرثوذكس كانوا يعفون من دفع هذه الجزية، فقد كان يعفى من دفعها: القُصّر والنساء والشيوخ والعجزة وأصحاب الأمراض والرهبان.

ثالثًا: إثبات أن تجاوز بعض الولاة المسلمين أو بعض الأفراد أو بعض الجماعات من المسلمين في معاملاتهم لغير المسلمين إنما هي تصرفات فردية شخصية لا تمتُّ لتعاليم الإسلام بصلة، ولا علاقة لها بمبادئ الدين الإسلامي وأحكامه، فإنصافًا للحقيقة ينبغي ألا ينسب هذا التجاوز للدين الإسلامي، وإنما ينسب إلى من تجاوز، وهذا الضبط يتساوى مع رفض المسيحية للتجاوزات التي حدثت من الدولة الرومانية ومن المسيحيين الكاثوليك ضد المسيحيين الأرثوذكس، ويتساءل قائلًا: لماذا إذن يغمض بعض المستشـرقين عيونهم عن التجاوز الذي حدث في جانب المسيحية ولا يتحدثون عنه، بينما يضخمون الذي حدث في جانب الإسلام، ويتحدثون عنه؟ ولماذا الكيل بمكيالين والوزن بميزانين؟

صدق الإمام الشافعي في قوله:
وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا

وأكد الباحث أنه اعتمد في دراسته القرآن والسنة وما ورد عن السلف الصالح من الخلفاء الراشدين لأن في هذه المصادر وفي سير هؤلاء المسلمين الأوائل الإطار الصحيح الذي يظهر كيفية انتشار الإسلام وكيفية معاملته لغير المسلمين.

بعد المقال الحالي شاهد:
تحريك البحيرة الراكدة

إن الإسلام بدأ بفرد واحد وهو رسول الله ﷺ ولم يشهر سيفه على أحد في مكة، وإنما أتباعه ذاقوا حلاوة الإيمان. وعندما اشتد عليهم الأذى أذن الله سبحانه وتعالى في الهجرة للحبشة ثم للمدينة المنورة، قال تعالى: (أُذن للذين يقاتَلون بأنهم ظلموا وإنَّ الله على نصرهم لقدير) [الحج، الآية ٣٩].

لقد كان معظم قتال رسول الله ﷺ إما لاسترداد بعض حقوق المسلمين كما حدث في موقعة بدر، وإما للدفاع عن المدينة المنورة وتأمين الدولة الإسلامية من اعتداءات قبائل المشركين في قبائل العرب الذين تحزبوا على الإسلام، قال تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين) [التوبة، الآية ٣٦]. فجاهد هو وأصحابه وأرضاهم في سبيل الله (سبحانه وتعالى)، ومن أبدى الرغبة في التعايش السلمي وعدم مظاهرة أحد على قتاله لم يمتنع من عقد المواثيق، قال تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) [الأنفال، الآية ٦١].

ولما حدث صلح الحديبية الذي كان مفتاح انطلاق للإسلام إلى خارج جزيرة العرب وسماه الله عز وجل فتحًا قال تعالى: (إنَّا فتحنا لك فتحا مبينا (١) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (٢) وينصرك الله نصرا عزيزا(٣) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (٤) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزًا عظيما) [الفتح، الآيات ١-٥].

فبدأ رسول الله ﷺ بإرسال الكتب والرسل إلى ملوك الأرض، كملك الفرس والروم، وعظيم القبط بمصر المقوقس، وبعض الملوك العرب الموجودين على أطراف الأراضي المباركة.

لقد كان فتح مكة خير دليل على رحمة النبي ﷺ بأعدائه عندما قال بعض أصحابه: اليوم يوم الملحمة اليوم أذل الله قريشًا، فقال رسول الله ﷺ: "اليوم يوم المرحمة اليوم يعز الله قريشًا" ([١٦])، وقوله ﷺ لكفار قريش: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ([١٧]).

لم يكن النبي ﷺ يحب الحرب، ولذلك قال: "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله تعالى العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم" ([١٨]).

وكان ﷺ ينهى عن ظلم المعاهدين، فعن رسول الله ﷺ قال: "ألا مَن ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" ([١٩]). زاد البيهقى: "ألا ومن قتل معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله حرم عليه ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا" ([٢٠]).

وتتجلى رحمة النبي ﷺ في قتال أعدائه، فقد كان ﷺ إذا بعث أميرًا أو أمر أميرًا على سرية أو جيش أمره وأوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تغلوا ولا تَغْدِروا، ولا تمثِّلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهم ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى أن يهاجروا من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يبرحوا من دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين، لا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء، فإن أبوا فاسألهم الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم وخل عنهم، فإن أبوا فقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فإن أرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمم أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ﷺ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تُنْزِلْهم على حكم الله فلا تُنْزِلْهم على حكم الله ولكن أنزِلهم على حكمك، فإنك لا تدري تصيب حكم الله فيهم أم لا". فقال عبد الرحمن: هذا عندي ([٢١]).

بعد المقال الحالي شاهد:
جدل حول فتوى المشاركة في الإنتخابات

إن القاعدة في الإسلام هي السلام، والحرب هي الاستثناء للضرورة، والضـرورة إما أن تكون للدفاع عن النفس والعرض والمال والدين والوطن المسلم ضد الاعتداء، وهذا ما يسمى بجهاد الدفع أي الدفاع، قال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين) [البقرة، الآية ١٩٠]، وقال رسول الله ﷺ: "من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد" ([٢٢]).

أو للدفاع عن الدولة إذا وقف أحد في سبيلها بتعذيب من آمن بها، أو بصد من أراد الدخول فيها، أو بمنع الداعي من تبليغها وهو ما يسمى بجهاد الطلب، قال تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) [البقرة، الآية ١٩١].

والجهاد في الإسلام إما فرض عين وذلك:

أولا: على من حضـر القتال قال تعالى: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) [التوبة، الآية ٤١].

ثانيًا: إذا أغارت دولة كافرة على ديار الإسلام، ففي هذه لحالة يكون الجهاد فرضًا على كل مسلم ومسلمة، حتى إن المرأة تخرج للجهاد ولو بغير إذن زوجها، في حين أنها لا تخرج للحج إلا بإذنه ويخرج الابن بغير إذن أبيه والعبد بغير إذن وليه، قال تعالى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (١٩٣) الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموت أن الله مع المتقين ) سورة البقرة الآيتان [١٩٣-١٩٤].

ثالثًا: على من أمره الحاكم المسلم بالجهاد في سبيل الله، وليس لحَمِيَّة جاهلية أو اعتداء على الأبرياء، ولذلك قال رسول الله ﷺ: "أَلاَ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْـرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" ([٢٣]). قال رسول الله ﷺ: "مَن قَاتَل لتكون كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيل الله" ([٢٤]).

وإما أن يكون فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الآخرين، وذلك:

بعد المقال الحالي شاهد:
الفحل.. للكبار فقط

أولًا: إذا وقع الظلم على أقلية مسلمة تعيش في البلاد الكافرة كالتشريد والقتل والاضطهاد، قال تعالى: (وما لكم لا تقالتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرًا) [النساء، الآية ٧٥].

ثانيًا: الجهاد الدعوي، قال تعالى: (قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئا ولايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) [آل عمران، الآية ٦٤].

فإن استكبروا عن سماع الحق فليدفعوا الجزية وإلا فالقتال، قال تعالى: (وجاهوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المول ونعم النصير) [الحج، الآية ٧٨].

قَالَ نَبِيُّ الله ﷺ: "إِنَّ رَأْسَ هَذَا الأَمْرِ أَنْ تَشْهَدَ أَلَّا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنَّ قُوَامَ هَذَا الأَمْرِ، إِقَامَةُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَإِنَّ ذُرْوَةَ السِّنَامِ مِنْهُ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله، إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلاَةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ويَشْهَدُوا أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدِ اعْتَصَمُوا وَعَصَمُوا دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله". وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا شَحَبَ وَجْهٌ، ولاَ اغْبَرَّتْ قَدَمٌ فِي عَمَلٍ يُبْتَغَي فِيهِ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ كَجِهَادٍ فِي سَبِيلِ الله، وَلاَ ثَقُلَ مِيزَانُ عَبْدٍ كَدَابَّةٍ تُنْفَقُ فِي سَبِيلِ الله، أَوْ يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ الله" ([٢٥]).

ومن بعد رسول الله ﷺ في عصر الفتوحات، نجد كثيرًا من البلدان المفتوحة قد فتحت سلمًا لا حربًا.

ويذكر البلاذري في كتابه "فتوح البلدان" جملة من الفتوحات السلمية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مدينة بُصرى والتي فتحت سنة ١٣هـ صلحًا، على أن يؤدي أهلها عن كل شخص بالغ دينارًا، ومقدارًا معينًا من القمح، ويؤمنهم المسلمون على دمائهم وأعراضهم وأولادهم وأموالهم، وعلى أن يدفعوا الجزية نظير حمايتهم والدفاع عنهم ([٢٦]).

وفي العام نفسه افتتح المسلمون أرض حوران سنة ١٣هـ على يد القائد الصحابي أبي عبيدة بن الجراح صلحًا على نفس شروط صلح بصرى، وجميع مدن الأردن ما خلا طبرية صلحًا على يد القائد شرحبيل ابن حسنة، بعد أن صالح أهلها على أنصاف منازلهم وكنائسهم، ثم افتتحت طبرية صلحًا أيضًا ([٢٧]). وكذلك افتتح المسلمون مدينة دمشق في المحرم من سنة ١٤هـ صلحًا على يد القائد أبي عبيدة بن الجراح على أنصاف منازلهم وكنائسهم، وعلى دفع الجزية ([٢٨]).

ولمَّا فرغ أبو عبيدة من أمر مدينة دمشق سار إلى حمص، فمر على بعلبك فطلب أهلها الأمان والصلح، فصالحهم على أن أمنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، فلمَّا أتوا على حمص طلب أهلها الأمان والصلح فصالحهم على ١٧٠ ألف دينار ([٢٩]).

وفي سنة ١٩هـ افتتح معاوية بن أبي سفيان مدينة قَيْسارية قسرًا بعد أن حُصرت سبع سنين. وكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية يأمره بتتبع ما بقي من فلسطين، ففتح عسقلان صلحًا بعد كيد ([٣٠]). وافتتح عياض بن غنم الرَّقة وحرَّان والرُّها ونَصِيبينَ ومَيَّافارِقين وقَرْقِيسيا وقرى الفرات ومدائنها صلحًا وأرضها عُنْوة، وذلك سنة ١٩هـ. وفتحت قبرص صلحًا في عام ٣٩هـ، على أن يدفعوا ٧٢٠٠ دينار كل سنة ([٣١]). وفتح حبيب بن مسلمة ([٣٢]) عدة مدن من بلاد أرمينية صلحًا، وذلك أيام عثمان بن عفان. وفتح سليمان بن ربيعة مدينة البيلقان صلحًا على أن أمنهم على دمائهم وأموالهم، واشترط عليهم أداء الجزية والخراج ([٣٣])، ثم أتى سليمان بن ربيعة الباهلي برذعة، فصالحه أهلها على صلح البيلقان ([٣٤]). وافتتح عمرو بن العاص مدينة برقة (بليبيا حاليًّا) صلحًا بعدما صالح أهلها على الجزية وهي ١٣٠٠٠ ألف دينار ([٣٥]).

بعد المقال الحالي شاهد:
تغيير الصور النمطية عن الإسلام

* * * * *

المراجع:

([١]) المغني، لعبد الله بن أحمد بن قدامة، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح الحلو، دار عالم الكتب، الرياض، ط٣، ١٩٩٧، ١٢/٢٩١.
([٢]) الدعوة إلى الإسلام: توماس أرنولد، ترجمة: د. حسن إبراهيم حسن وآخرين. القاهرة. ١٩٧٠م. ص ٥١.
([٣]) مجلة الأزهر  ٦ جمادي الآخرة ١٤٢١ هـ سبتمبر ٢٠٠٠ م ص ٨٣٥.
([٤]) الدعوة إلى الإسلام، ص ٦٥.
([٥]) الدعوة إلى الإسلام، ص ٧٣ ـ ٧٤.
([٦]) محمد رسول الإسلام في نظر فلاسفة الغرب ومشاهير كتابه، محمد فهمي عبد الوهاب. تونس، ص ١٧.
([٧]) محمد رسول الإسلام في نظر فلاسفة العربة ومشاهير كتابه، ص ٢٦.
([٨]) مجلة الأزهر ٦/٨٣٧.
([٩]) الشيخ سعيد حوى: الرسول ﷺ ١٢٥.
([١٠]) د. محمد فتحي عثمان: من أصول الفكر السياسي ٢٣٣.
([١١]) صحيح البخاري، ٤/٤٧، رقم الحديث "٢٩٤٢".
([١٢]) راجع ذلك تفصيلًا في كتاب: انتشار الإسلام بحد السيف بين الحقيقة والافتراء لنبيل لوقا بباوي. القاهرة. ص٢٤ وما بعدها.
([١٣]) انتشار الإسلام بحد السيف، (التقديم) بقلم الشيخ فوزي الزفزاف، ص ١٩.
([١٤]) المصدر السابق نفسه.
([١٥]) صحيح البخاري، ٣ /٥٦، حديث رقم ٢٠٦٩.
([١٦]) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ٨/ ٩.
([١٧]) السنن الكبرى للبيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٣، ١٤٢٤هـ،٩/١٩٩، رقم الحديث ١٨٢٧٥.
([١٨]) سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، دار ابن حزم، بيروت، ط١، ١٩٩٧، ٣/٤٢، حديث رقم ٢٦٣١.
([١٩]) سنن أبي داود ٣/١٧١، ح٣٠٥٢.
([٢٠]) أخرجه أبو داود (٣/١٧٠، رقم ٣٠٥٢)، والبيهقى (٩/٢٠٥، رقم ١٨٥١١).
([٢١]) مسند البزار (البحر الزخار) ١٠ / ٢٥٩ ـ ٢٦٠.
([٢٢]) إطراف المسنِد المعتلي بأطراف المسنَد الحنبلي، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: زهير بن ناصر الناصر، ط١، ١٩٩٣م، ٢ /٤٧٠.
([٢٣]) إتحاف الخيرة المهرة، ٣ / ٢٢٧، رواه أبو بكر بن أبي شَيْبَة بسند رواته ثقات.
([٢٤]) إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي، ٧ / ٩٤.
([٢٥]) إتحاف الخيرة المهرة، ٥ / ٩١.
([٢٦]) فتوح البلدان، لأحمد بن يحيى البلاذري، تحقيق: عمر أنيس الطباع، مؤسسة المعارف، بيروت، ١٩٨٧م، ص١٥٥.
([٢٧]) فتوح البلدان، ص ١٥٨.
([٢٨]) المصدر السابق، ص ١٦٥.
([٢٩]) المصدر السابق، ص ١٧٨.
([٣٠]) المصدر السابق، ص ١٩٠ وما بعدها.
([٣١]) المصدر السابق، ص ٢٠٨.
([٣٢]) المصدر السابق، ص ٢٨٥.
([٣٣]) فتوح البلدان، ص٢٨٥.
([٣٤]) المصدر السابق، ص ٢٨٦.
([٣٥]) المصدر السابق، ص ٣١٤.

انشر تعليقك