إسبانيا.. المدينة الفاضلة على أرض الواقع

بقلم/
مصر : ٦-۱۱-۲۰۱۸ - ۳:۱٦ ص

سمعنا عن "المدينة الفاضلة" أحد أحلام الفيلسوف المشهور "أفلاطون" فهي مدينة يجد فيها المواطن والمقيم والزائر أرقى وأكمل أنواع الخدمات وبأسلوب حضاري سهل بعيدا عن التعقيد، ترى فيها الجمال البشري والمعماري والسلوكي يحيط بك بكل شبر، فهي أسطورة تمنينا ان نراها على أرض الواقع ولو لساعات قليلة ولكني لم اكن لاتخيل أني سأقضي بها ٣ أيام كاملة، فلم اكن أتخيل خلال رحلتي لحضور أحد المؤتمرات بمدينة برشلونة في إسبانيا أنني سأرى جنة الله على الأرض.

تلقيت دعوة من منتدى "أمواج" لحضور فعالياته المميزة عن المياه والتنمية المستدامة بمدينة برشلونة الإسبانية، الا أن أكبر ما سيطر على تفكيري وقتها هو ضيق الوقت من ٤ أسابيع تفصلني عن ميعاد المؤتمر، ولم اكن قد جهزت أية ورقة من المستندات اللازمة للسفر، لكن إرادة الله التي ساقتنى لتلك الرحلة بصورة خفية ثم الزميلات والزملاء بإدارة المنتدى كان لهم دور كبير فى تحفيزى لحضور ذلك الحدث الصحفي التنموي الكبير الذي يجمع بين طياته نخبة من الصحفيين وصناع القرار والمتخصصين في مجال التنمية.

توكلت على الله وقررت البدء فى الاجراءات التي لم أصدق نفسي أن العديد من تلك الأوراق انتهيت منها بالفعل خلال ٤٨ ساعة، ثم أتى الدور على تقديم الورق لمركز التقديم التابع للسفارة الإسانية بالقاهرة، وفعلا قمت بتقديم الورق كأنى أسابق الزمن وكل أملي ان تتفهم السفارة ظروف السفر السريعة لحضور المنتدى وبدأ العد التنازلى لحضور المؤتمر والإجراءات تسير في طريقها المعتاد إلا اني بعد أيام قليلة لا تتجاوز ٨ أيام من تقديم الأوراق للسفارة، فاذا بي أجد رسالة على التليفون المحمول من مركز التقديم للحضور لاستلام جوز السفر الخاص بي من مكتبهم لأجد التأشيرة قد صدرت بالفعل لم أكن اصدق تلك السرعة والاهتمام والتعاون من جانب السفارة الإسبانية بالقاهرة وفريق منتدى "أمواج" الذى جعلنى أشعر بسعادة غامرة ليس بسبب الرحلة المميزة فقط بل الاهتمام الحافل وتقديرهم لدور العمل الصحفي المستقل المحايد في تقديم المعلومة الصادقة للقراء.

هنا أستطيع أن أقول إن الرحلة قد بدأت بالفعل فبعدها بأيام قليلة توجهت لصالة ٢ بمطار القاهرة، ثم ركبت مع زميل لى من الأردن طائرة "مصر للطيران" التى قابلتنا المضيفة مع طاقم الرحلة على متن الطائرة بابتسامة خفيفة لترشدنا على مكان الجلوس لتبدأ بعدها رحلة الاقلاع متوجهة نحو برشلونة، ليقوم بعدها مضيف الطيران بتوزيع سماعات أذن على الركاب ليتمكنوا من سماع الموسيقي خلال الرحلة وتلك كانت أولى المأخذ وهي عدم وجود شاشة عرض صغيرة الحجم امام كل مقعد يتيح للركاب رؤية برامجهم المفضلة خلال ٤ ساعات ونصف مدة الرحلة، أما الوجبة التي قدمت على متن الطائرة فكانت عبارة عن مكرونة مسلوقة وحوالي ٧ قطع صغيرة من الدجاج وقطعة حلوى صغيرة لم تكن تلك الوجبة فى رأيي الشخصي مميزة أو تحمل مذاق خاص يجعلني أتذكرها أو أستمتع بها، وها هى بدأت سواحل برشلونة في الظهور من شباك الطائرة ليبدأ الهبوط التدريجي بالمطار، الذي عندما تدخله لأول مرة تجد صرح كبير يسير كل شىء فيه بشكل إلكتروني، فلم أرى وجود للعنصر البشري سوى لضابط الجوازات وموظفة الاستعلامات.

ثم تجمعنا كمجموعة صغيرة من الصحفيين المصريين والعرب كان معظمنا يزور إسبانيا لأول مرة، لنذهب لمكتب الاستعلامات السياحية ونسأل الموظفة بشوشة الوجه المرحة التى لم تمل أو تتعب من كثرة أسئلتنا أو عدم معرفتنا بالطرق ووسائل المواصلات، بالعكس قامت بفتح حاسبها الآلى، ثم طلبت منا اخبارها بوجهتنا ثم شرحت لنا أفضل وسائل المواصلات للذهاب هناك، وحرصا علينا نصحتنا بعدم دفع اكثر من مبلغ معين في حال ركوبنا للتاكسي، كانت تلك الموظفة هى أول تعامل بشري مع موظفة إسبانية امتازت بسعة صدر وترحاب جعلنا نستبشر خير بتلك الرحلة.

قررنا ركوب تاكسي حتى الفندق مقر اقامتنا ببرشلونة وفى الطريق الذى لم يستغرق أكثر من ١٥ دقيقة كانت الطبيعة والشوراع النظيفة والأشجار الخضراء هي التي تميز ذلك الطريق، بالإضافة للهواء النقي الذي يجعلك تشعر إنه يخترق رئتيك ليأخذك ويطير بك فوق سطح الأرض، فضلا عن أن هناك عشق واحترام شديد من الشعب الإسباني لاشارة المرور بطريقة أبهرتني.

وصلنا الفندق لنجد موظف الاستقبال الاسباني الجنسية البشوش الوجه الهادىء الطباع المحب للحديث يعطي كل منا خريطة ويشرح لنا معالم المدينة ويرشدنا على المناطق التي يراها جديرة بالزيارة، ويعطينا نصائحة القيمة للاستمتاع بمدة إقامتنا هناك،لأبدأ بعدها مباشرة مع الزملاء بالتوجه بجولة سريعة لقلب المدينة فتوجهنا لمحطة مترو "ماريا كريستينا" فلم نجد هناك موظف أو شباك للتذاكر بل وجدنا ماكينة إلكترونية للتذاكر، كل ما عليك فعله هو اختيار نوع التذكرة ثم تضع النقود بالفتحة المخصصة لذلك بالآلة ثم تخرج لك بعدها مباشرة التذكرة، لتبدأ رحلتك بالمترو، فهناك مثلا تذكرة ١٠ يورو تستخدمها ١٠ مرات ولكن إذا استخدمتها خلال ساعة ونصف فلن تحسب لك مرة ضمن تلك المرات بل تكون مجانية، فهناك احترام للمواطينن وحفاظ على حقوقهم بطريقة تشعرك بطمأنينة على نفسك وعلى من معك.

ركبنا المترو الذي يتكون من عدة خطوط تربط المدينة ببعضها من أقصى اليمين للشمال حتى هناك خط يصلك لصالات السفر بمطار برشونة مباشرة، المترو به عدة أدوار مختلفة فضلا عن مصعد خاص لأصحاب الإعاقات وكبار السن والمرضى، كما ان هناك نظام فطري لدي الشعب الإسباني يجعلك تعجب بذلك الشعب للغاية، ثم خرجنا من المترو لنتوجه مباشرة لكنيسة "ساجرادافاميليا" أو كنيسة العائلة المقدسة، وهي كنيسة كاثوليكية رومانية تعد من أضخم كنائس أوروبا، تقع في حي ساجرادا فاميليا بمدينة برشلونة التى كان يحيط بها السائحين من مختلف الجنسيات وهم يلتقطون السلفي والصور التذكارية وسط بهجة وحركة وأصوت ضحكات تحيط بالمكان المميز لتجد دوريات الشرطة تمر بتلك المنطقة باستمرار للحفاظ على راحة السائحين والمواطنين على حد سواء فى مشهد يشعرك بأمان وراحة.

بعد ذلك توجهنا لقلب المدينة السياحية لنخرج الخريطة التى استلمناها من الفندق ونبدأ التنقل من شارع لشارع وبالطبع كنا نواجه صعوبة فى التنقل لنسأل المارة بالشوارع ولكن المثير هنا، والذي لم أكن اتخيله يحدث بتلك الصورة الرائعة هو عند سؤالنا أي شخص بالشارع عن مكان ما نجده يقف ويتحدث معنا ويحاول الإشارة على الخريطة للمكان، حتي أنه فى أحد المرات استوقفنا أسرة لنسألها عن أحد الاماكن لنجد رب تلك الأسرة يخرج هاتفه المحمول ويشغل نظام تحديد المواقع "GPS" ليشرح لنا كيفية الذهاب لهناك، أما شاب اخر كان يمارس رياضة الجري ونحن كنا بالفعل ضللنا طريقنا نحواستاد برشلونة، لنسأله عن كيفية الذهاب إلى هناك، فاذا به يتصل بصديقته ويفتح سماعة الموبيل لتشرح لنا الطريق لأنه لا يتحدث الانجليزية ويعتذر عن ذلك.

فى تلك اللحظة لم نهتم أنا وأصدقائي بوصولنا للاستاد الذي كنا نبحث عن عنوانه لساعة كاملة، بل كل ما شغل بالنا عظمة ذلك الشعب وكرمه وترحابه ومساعدته بصدر رحب بالضيوف بشكل لا يصدق، الذي جعلنا نشبه الشعب الإسباني بسكان المدينة الفاضلة.

ثم توجهنا في اليوم التالي لمقر منظمة "الاتحاد من أجل المتوسط" بقصربيدرالبيس لحضور فعاليات منتدي "أمواج" الذى دق جرس الانذار حول أزمة ندرة المياه التي تهدد منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط ومنطقة المتوسط.

في نهاية زيارتي لتلك المدينة التي أقل ما يقال عنها أنها رائعة، توجهت لقلب المدينة لأقوم بجولة سريعة داخل المركز التجاري الذي يضم مجموعة كبيرة من المراكز التسويقية فضلا عن ماركت كبير يضم جميع الأصناف التى من الممكن ان تفكر فيها من المأكولات بأسعار تناسب الجميع بحيث انك تجد منتجات متعددة بمجموعة مختلفة من الأسعار فمن يمتلك مبلغ بسيط يستطيع ان يشتري ما يريد. هنا بدأت نهاية الرحلة، لنتوجه بالمترو لمطار برشلونة الذى يصلك إلى داخل صالات المطار بكل سهولة ويسر.

زيارتي لبرشلونة أكدت لى أن دولة إسبانيا بجانب أنها تمتاز بجمال طبيعتها وسحرها الخلاب، إلا أنها تمتلك ثروة لا تقدر بثمن وهي شعبها العظيم الكريم المضياف الذي يجعلك تشعر كأنك في بيتك وسط أبناء وطنك، فهي فعلا المدينة الفاضلة التى لم تراها عيني من قبل.

عمرو سليمEgypt, Giza

Copyright © 2018 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

*/ ?>


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق