إنفصال جنوب السودان وإنفصال جنوب اليمن

بقلم/
مصر : ۲۱-۱۰-۲۰۱۰ - ۹:۵۵ ص - نشر

إنفصال جنوب السودان وإنفصال جنوب اليمنفي البدء قد يتساءل المرء لماذا السودان؟ وماهي المبررات لتقسيم السودان؟ ولماذا التشديد الدولي على ضرورة إجراء الاستفتاء في يناير المقبل لتقرير مصير الجنوب؟ وإلا فان انهارا من الدماء سوف تسيل، بل لم يتعظ السيد اوباما من تصريحات سلفه جورج دبليو بوش بعد أحداث سبتمبر 2001م عندما قال ان الحرب القادمة هي حرب صليبية وسوف تشمل ما يزيد عن ستين دولة من دول العالم.

وحينها برر الكثيرون للسيد بوش القول، انها زلة لسان والرجل كان يقصد محاربة الإرهاب ولم يقصد شيئا أخر، في وقت لم يكن هناك توصيفا دقيقا للإرهاب ولم يأتي التوصيف الحقيقي حتى الان.  لكن حتى لا نطيل في سرد وقائع وحقائق تعد تاريخية بنظر البعض، نقول إن السودان دولة ذات مساحة كبيرة جداً تصل إلى مليون ميل مربع وهو ما يعادل في مساحته ثماني دول أوروبية مجتمعة ـ وبديهى أن أي حكومة سودانية لاتستطيع السيطرة بكفاءة على كل تلك المساحة الهائلة.

والسودان من منظور الغرب هو مفتاح إفريقيا، وهو جسر التواصل بين الشمال العربى وإفريقيا، وهي بوابة الإسلام إلى إفريقيا، ومن ثم فان السيطرة عليه أو تفكيكه غربيا هو هدف غربي أمريكي ثابت ومن منذو مدة طويلة، ثم ان هناك مصالح دولية أمريكية وفرنسية وبريطانية بل وإسرائيلية في إفريقيا، وبديهي ان السودان يتمتع بموقع مهم سياسيا وجغرافيا واقتصاديا وثقافيا في ظل تداخل وتعارض مثل تلك المصالح والصراعات، زد على ذلك الاستثمارات الصينية الهائلة التي تغلغلت في السودان و رفعت من وتيرة حماس نسور وصقور البيت الأبيض للتدافع والتحشيد ضد السودان هذا على المستوى الدولي.

أما على المستوى الاقليمي فان هناك مشاكل مزمنة مع دول الجوار وهناك صراعات اقليمية يلعب السودان ويشكل جزءا هاما منها، والسودان يشترك في حدوده الجنوبية مع أوغندا وزائير وكينيا ومن الشرق مع أثيوبيا واريتريا ومن الغرب مع تشاد وإفريقيا الوسطى ومن الشمال مع مصر وليبيا، وبديهي ان تضارب المصالح وتداخل القبائل في تلك المناطق يخلق صراعات واحتكاكات مستمرة لها أول وليس لها اخر ثم  ان السودان يمتلك قدرة إنتاجية زراعية هائلة تستطيع، لو تم استثمارها الاستثمار الحقيقي والأنسب، ان تحدث اكتفاء ذاتيا عربيا وإسلاميا من المواد الغذائية وغير الغذائية أي تحقق استقلالا عربيا وإسلاميا يقلص بالضرورة من النفوذ الغربي على امتنا وشعوبنا.

ومن ثم فان تفكيك السودان أو إرهاقه بالمشاكل هدف غربي استعماري ثابت ولا مجال للمكابرة والدخول في لعبة كبيرة لا يقوى العرب مجتمعين الدخول فيها أو استعراض عضلاتهم او عبقرياتهم السياسية التي (لا تسمن ولا تغني من جوع) وكما حدث مع أسلحة الدمار الشامل العراقية والتي ثبت إنها ليست سوى كذبة أمريكية 100% صدقها العرب وساروا في ركب امريكا ثم عادوا للتباكي على العراق وارض العراق التي صارت مستباحة من الشقيق قبل الصديق وها نحن نجني ثمار تبعيتنا لواشنطن وللغرب بأسره وإلا من سلم بلاد الرافدين لإيران وغير إيران أليسوا العرب وخبالهم السياسي ومراهقتهم السياسية؟

أما القول بان السودان به تنوعا عرقيا وثقافيا ويفتح الباب على مصراعيه للاحتراب والاقتتال، وهذا ما دفع السيد اوباما بإطلاق تحذيره الأخير بان ملايين القتلى سوف يسقطون في السودان في حال لم يتم الاستفتاء وتقرير مصير الجنوب، والتصريح حسب اعتقادي يفتقر للدقة والمصداقية ويسير على ذات النسق الذي سار عليه خطاب سلفه  دبليو بوش خصوصا عندما حذر من أسلحة الدمار الشامل العراقية وخطورة نظام صدام حسين على جيرانه والعالم وثبت بعد ذلك العكس.

جدير بالذكر ان الرئيس السوداني كان قد حذر في النصف الثاني من العام 2006م من خطورة ما يدبر ويحاك للسودان قائلاً:  "إن نشر قوات حفظ سلام غير إفريقية في السودان سيكون (استرجاعا مطابقا) للغزو الأمريكي للعراق عام 2003 للإطاحة بنظام صدام حسين". وتابع البشير: "نحن دولة لنا دستور ولم تنهار الدولة". واتهم البشير معدي القرار الاممي 1706 بشان دارفور بأن لديهم "دوافع مخفية ويحاولون تقسيم السودان".

وأكد البشير أن السودان مستهدف. وكافة بلدان المنطقة مستهدفة الان، معتبرا ان ثمة خطة لإعادة رسم خريطة المنطقة. وتقضي هذه الخطة بإضعاف كافة بلدان المنطقة لحماية امن إسرائيل. وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى السودان بان برونك انذاك قد أبلغ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن اتفاقية السلام المبرمة في 5 مايو 2006م بين حكومة الخرطوم وجيش تحرير السودان أكبر الجماعات المعارضة في دارفور (ماتت تقريبا).

كما ان قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1706) الصادر بتاريخ 13 أغسطس 2006م والخاص بأزمة دارفور جاء بنفس الصياغة والطريقة التي تقدمت بها كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية فيما عدا فقرة واحدة اشترطت موافقة الحكومة السودانية على نشر القوات الدولية للبدء في تنفيذ القرار، وهو أمر له الكثير من الدلالات الإستراتيجية والتكتيكية.

ونص القرار على نشر حوالي 17 ألف جندي بالإضافة إلى ثلاثة آلاف شرطي بدلاً من القوات الإفريقية العاملة في دارفور والتي تعثرت مهمتها بسبب نقص التمويل وكانت تعاني من نقص في إمدادات الغذاء بعد ان امتنع الموردون عن توريد الطعام لها بسبب عدم صرف مستحقاتهم وكذلك عدم صرف مرتبات الجنود ولعل هذا ما اعتبر  نوعا من الضغط على الحكومة السودانية للموافقة على إحلال قوات الأمم المتحدة بدلا من القوات الإفريقية كنوع من الحل الوحيد المتاح وإلا انسحبت تلك القوات فجأة وعادت المشكلة إلى المربع صفر.

على كل حال هذا الأمر في حد ذاته يعد دليلا واضحا على عجز الحكومات العربية التي لم تتقدم لتمويل تلك القوات لإنقاذ الخرطوم  والخروج من أزمة القرارات الدولية التي ستعود بالويل والخراب والدمار على السودان والأمة العربية بأسرها، وكما حدث مع العراق على ذات السياق يجزم العديد من المحللين بان تقسيم أو انفصال جنوب السودان عن شماله هو مقدمة لتقسيم دويلات عربية أخرى مثل اليمن والعراق ولبنان والصومال، والحبل على الجرار.

وهذا حسب اعتقادنا ما دفع الرئيس اليمني على عبدالله صالح إلى التطرق للشأن السوداني في كلمته التي القاها أثناء انعقاد قمة الجامعة العربية الأخيرة التي عقدت في سرت، وحذر من خطورة  تقسيم السودان في الوقت الذي لم يشر إلى دعوات بعض الانفصاليين في جنوب اليمن، والذين يحلمون بالحصول على تأييد دولي مشابه لما حصل عليه جنوب السودان مؤخرا، وان كان لا وجه للمقارنة بين جنوب اليمن وجنوب السودان من حيث التركيبة السكانية او من حيث العادات والتقاليد او العرقيات لكن هذا من باب على من سيكون الدور هذه المرة والقادم.

اسواء بلا شك وختاما، هل يفهم العرب ما معنى قرار دولي يصدر بحق هذا البلد او ذاك؟ الاجابة بكل تأكيد، لا نظن انها لا تعنيهم، لكن لله في خلقه شؤون وللموضوع صلة.

عبد الباسط الشميري اليمن

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

5 تعليقات

  • الحجاج الصلوي

    كم انت رايع يااستاذ عبد الباسط وكم هي رائعه تحليلاتك ومقالاتك فالاموار التي تدور هذه الايام في السودان تعد قضية من اهم القضايا التي لا يدركها الاكاتب ومحلل مثلكم ودمتم

  • عبد الرحمن محمد عبد الجليل الميرابي

    منذو ان اشغفت بالقراءه والمطالعه اعجبت بكافة المقالات والتحليلات التي يكتبها الاستاذ عبد الباسط الشميري سوى مايكتبه في الصحف المحليه او الخارجيه وانا اهنيه على نظرته البعيده لكل الامور التي تتعلق بشرق الوسط او الشان المحلي فادمت يا استاذ عبدالباسط ومزيد من الابداعات

  • محمد الميرابي

    ليس بغريب على صحفي متميز مثل الاستاذ عبد الباسط الشميري بان يكتب اويحلل اويهتم في مثل هذه المواضيع التي تهم كل صاحب فكر تهمه قضاء الشرق الاوسط

    وبذات مايدور في السودان وماهي الادور المجهوله التي يرنوا الغرب الي الوصول اليها وافقك الله ياسيد عبد الباسط

  • مبارك السرور ـ السعودية

    شكر وتقدير للأستاذ / عبدالباسط الشميري عن الجهود المبذولة من قبله وارء تحليلات الهام والهدف في قضياء الشرق الاوسط وقد يكون من اهمها في الوقت الحاضر التشديد الدولي على ضرورة إجراء الاستفتاء في يناير المقبل لتقرير مصير جنوب السودان .

  • عادل الميرابي

    الموضوع مميز ورائع لما له من تحليل عميق ورويا واضحة ومن المعروف ان الصحفي عبدالباسط معروف عنة مثل هذة التحليلات الجريئة ومتابعتة لجميع الاحداث الهامة التي تحدث على المستوى المحلي و العربي ومن خلال مقالتة استطاع الربط الوثيق بما يدبر للعرب من قبل امريكا بخلق شرق اوسط جديد

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق