ندبة الروح

مصر : 8-9-2018 - 5:40 م - نشر

الندبة التي يتركها الجرح على الجسد هي قصة مختصرة، بعض الندوب تظهر على جسم الإنسان ووجهه.. لكن ندوبا أخرى تصيب الروح، وفي الغالب لا تظهر بذاتها، لكن يظهر الدليل عليها.

كانت الحب الأول لأنها كانت كذلك.. الحب حقا هو أن لا تعرف سببا له، في الحب المسبب هو نوع من خدمات الكهرباء أو الاتصالات، تستمر باستمرار السبب وتختفي باختفائه، وهو لم يكن يعرف سببا لحبه لها، لم يعشقها بعينيه، لكن بعيني قلبه وعين القلب لا تخطيء توأم الروح حين تراه.

هل لعبت حداثة سنه دورا في القصة؟ ربما.. كان قلبه جديدا نقيا وكل الأشياء الجديدة تعمل بكفاءة في بدايتها، ربما لهذا تغرينا بالاستخدام الزائد، وهو قد حمَّلَ قلبه الكثير.. الكثير بالنسبة للقلوب التي لا تجيد الدنيا شيئا سوى إحباطها.. لم يدرك أن الحياة أمامه مليئة بالصدمات ولم يترك في قلبه سعة لشيء سواها، ربما لذلك هو نافد الصبر دوما، لأنه فقد كل رحابة صدره في صدمة واحدة.

ما زالت في خاطره زهرة متفردة.. شيئا يحن إليه ويحزنه في نفس الوقت.. ذكرى يستعيدها ثم يبعدها من تفكيره ما أن تتضح ملامحها.

كانت ملاكا جاء من ذات العالم الذي جاءت منه براءته الأولى، لا يعتقد أنه خُدِع، القلوب التي تنتمي لهذا العالم لا تُخْدَعْ، الأرواح التي تأتي من هذا العالم تعرف بعضها، وترتبط فيما بينها بعلاقة لا تصفها أي لغة، من قال أصلا أن اللغة هي أرقى أشكال التواصل؟ هي كانت أخت روحه بمعنى الكلمة، قطعة من ضلعه هو وحده، وخُلِقَتْ له هو وحده، لكن أقدارنا ليست هي نفسها أقدار أرواحنا، نحن نسير في طرق لا تكون بالضرورة نفس الطرق التي تسير فيها قلوبنا أو تبقى واقفة فيها بالأصح.

لا يتجنى على قدره فيدعي أن لم ير السعادة، كان له من السعادة حظ، وكل حظه منها، منذ وُلِدْ، هو ليلة صيف لا تنتمي للصيف إلا بحساب الزمن، في شارع عنوانه عطر زهر الياسمين على جانبيه، حين تجرأ وعانق كفها بيده، شبك يدها بيده كعروسين، أخذ اليد الغالية التي يمكن أن ترى كل شريان دم فيها لتكون أقرب ما يمكن إلى قلبه، كأنهم أنزلوا الشمس من عليائها لتكون له وحده، وحتى الآن، لا زال يرى أنه راضٍ، فهو من دون البشر امتلك الشمس لنصف ساعة وفقا للتوقيت المحلي لعالم البشر، ولعمر كامل وفقا لتوقيت الذي تنتمي روحه إليه.

لا أحد يعرف تفاصيل الجراحة التي أجرتها الحياة لتستأصلها منه، هو نفسه لا يذكر التفاصيل، مثل فقدان ذاكرة ما بعد الحوادث، يتذكر ما قبل وما بعد، لكن لحظة الكسر نفسها شيء ضبابي للغاية لا يريد استحضاره أصلا، هما أدركا منذ البداية أن الاستمرار ممكن، لكن نتيجته مستحيلة التحمل، كانا على قدر من الحزن الماضي يسمح بهما باستشراف الحزن المستقبل.

هذا القلب لم يبق في قلبه موضع صالح للألم.. مع الاعتذار لأحمد مطر.

رحل ورحلت أو رحلت ورحل، ومضت الأيام بعدها سريعة وبطيئة في نفس الوقت.. مشهد في نافذة الطائرة، لون أزرق لا يغيره سوى غيوم تظهر وتختفي من آن لآخر.. بعد كل هذه السنوات، عرف أن السنوات يمكن أن تغير الكثيرين، لا يعرف أين هو منها لكن يعرف أين هي منه، كلما ابتعدت أصبحت أقرب.

تُرَى هل تتقاطع الطرق التي اختلفت يوما؟ هل يلتقيها؟

اعتاد الجرح، مثلما يعتاد من فقدوا أطرافهم على ما ظنوه مستحيلا، فقط عندما يحتاجون لاستخدام اليد أو الساق المفقودة يتذكرون، لأن ما يحركهم شعور أعمق بعدم الفقدان، غريب أن الفقدان وعدمه يمكن أن يجتمعان لكنه يحدث كل يوم، ومثل من فقدوا أطرافهم.. هو فقد شيئا من داخل قلبه، وبعد أن سرقته الحياة خاطت أثر الجراحة كيفما اتفق، الحق أن الحياة تتمهل عندما تكتب فصول حزن قادم، ثم تتعجل تركك بعد الدرس.. هكذا بقيت تلك الندبة هناك.. ينسى وجودها ليتذكرها.. حين يتذكرها.

عبد الرحمن نصرUnited Arab Emirates, Dubai

Copyright © 2018 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق