ولدي مات

ولدي مات

تلقيت منذ أيام رسالة عبر هاتفي المحمول كتبت عليها حروف اسمي من إحدى الأخوات والصديقات المقربات لي، والتي أقضي معها معظم أوقاتي، فسارعت بالاتصال بها وأنا أريد أن أعرف سر ذكر اسمي في رسالة فارغة مبهمة لا أعرف سرها، الفرح أم الحزن. تستقبل اتصالي بالبكاء الذي لم أدرك سره إلا عندما قالت: ولدي مات.

شعرت بأن شيئًا من داخلي يُنتزع وهي تبكي بحرقة، أم فقدت ضناها، في لحظة لم تدركها حتى هذا اللحظات التي أكتب لكم فيها لا يمكن أن أصف لكم حالتها، أسأل الله تعالى أن يلهمها الصبر ويُنزل عليها الطمأنينة.

تمنيت أن أسمع منها كلمات وحروف السعادة، ولكن شاءت الأقدار أن يختطف الموت طفلها، في لحظة كانت تغمض عينيها، وتبني أحلامها وآمالها عليه بعقلها، وعشقها روحه، رحل صغيرها من بين يديها، وصورته تداعب عينيها ممسكًا بمعصمها كسوار جميل مزين بأجمل النقوش، ويودعها وداع العصافير، فتتعالى صرخاتها وبكاؤها، وتلطم وجهها بكفيها، غير مستوعبة أنه الوداع الأخير.

سنوات قضاها هذا الطفل الذي لايتجاوز التاسعة من عمره بعيدًا عن والدته، فهو أحد ضحايا الطلاق، الذي كتب عليه أن يعيش بالبداية متنقلاً بين أبويه ثم في نهاية المطاف وصل به الأمر أن يعيش مع والده الذي اختار الهجرة إلى أمريكا برفقته.

خلال الثلاث سنوات لم تلتقِ والدته به، وشاءت الأقدار أن يودع العام محملاً بباقات من الأمل التي تبرد خاطرها، والتي لم تصدق أنها ستراه بعد غياب سنوات كانت منبهرة به، وكأنها ترى ملامحه لأول مرة تتأمل كيف كبر؟ وكيف بدا يتحدث ويتقن الإنجليزية؟

أمور كثيرة غيرت هذا الطفل إلا أن فراقه عن والدته لم يُزل لهفة الشوق لحضنها يطوقها بذراعيه يلتصق بها يسألها إن كانت تحبه كإخوته الذين يعيشون معها، لحظات تواجدها معه كانت تلتقط عبر هاتفها المحمول أكبر عدد من الصور تجمعهما معًا تستنشق رائحته تخفف عن فراقها بكلماتها بأنها ستتواصل معه دومًا وستحدثه كل يوم.

بعد المقال الحالي شاهد:
شهيد الأزهر الشريف

عادت إلى الخليج بحكم عمل زوجها كانت حزينة وهي تصطحب أبناءها، وتتركه وحيدًا كانت تتمنى أن تطوقهم جميعهم دون أن تترك فردًا بعيدًا عن حضنها، كنت أحاول دومًا أن أخفف عنها غيابه بمستقبله ببقائه مع والده ودراسته في أمريكا، وكانت المفاجأة بمجرد وصولها بأيام تلقت اتصالًا عن احتراق خفيف لابنها أثناء اصطحاب أحد الأفراد إلى" كراج" السيارات، وعبثه بمواد قابلة للاشتعال ويطلب منها العودة لرؤيته، شعرت بأن شيئًا أكبر من كلمة "احتراق بسيط" اضطرت للسفر، وبمجرد وصولها للمشفى أخبروها أنه بالعناية المشددة، وجدت طفلها ممددًا بجسده المحترق طمست ملامحه، أمسك بمعصم يديها بمجرد اقترابها منه وكأنه كان ينتظر الإحساس بها للمرة الأخيرة.. ثم توفي، ولسان حالها يعتصره ألم الفراق ويقول ولدي مات.

رسالتي اليوم أوجهها إلى كل الأمهات والآباء الذين قتلتهم الأنانية، واتخذوا قرارهم بالطلاق بدون النظر لأطفالهم ومستقبلهم وطبيعة الحياة التي تنتظرهم في مرحلة ما بعد الانفصال، واستغلال الأبناء كورقة للضغط والمساومة وعنصر من عناصر الصراع بين الطرفين يتناسى الأب والأم أن الأبناء لا ذنب لهم، في فشل الحياة الزوجية.

الأولى هو أن يكون هناك تعامل مختلف مع مشكلتهما الجديدة، التي تتمثل في انهيار حياتهما والإحساس، بالأمان ينبع من وجود الأب والأم معًا. متى نقول لو؟ ولو؟ ولو؟ عندما نفقد فلذات أكبادنا، حينها لاينفع الندم، لا أعترض على قضاء الله، ولكن اعترض على سلوكيات الآباء والأمهات من القضايا التي تكثر في المحاكم لأسباب دنيوية دون التفكير بحال أطفالهم، لن يدركوا هذه القيمة إلا عند فقدانهم. أتمنى أن نقدر مسؤوليتنا تجاه أبنائنا وألا نجعل ملذات الحياة تبعدنا عنهم مهما كانت مغرياتها، حتى لا يأتي يوم ونحمل ذنب فقدانهم ونعترض على حكمة القدر، أو تقول إحدانا مثلما قالت: ولدي مات.

بعد المقال الحالي شاهد:
لا عنف ولا استسلام

همسة..
قال الله تعالى: "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون".

انشر تعليقك