هكذا مات سقراط الحكيم: المبادئ والأخلاق

مصر : 4-3-2014 - 11:25 ص

إن من أروع ما حفظه الأدب العالمي والفكر الإنساني، هو ما وثقه التلميذ المخلص أفلاطون واصفاً اللحظات الأخيرة من حياة معلمه الكبير سقراط الفيلسوف. لقد رأى أفلاطون في أستاذه الشهيد الأول في سبيل الدفاع عن مبادىء حقوق الإنسان وحرية التفكير والإعتقاد.

وحقيقة فقد ضرب سقراط أروع مثل وعرض أجمل تراجيديا في كيفية الثبات على المبادىء النبيلة والأخلاق الفاضلة التي دائماً ما كانت محوراً لفلسفته طوال فترة حياته، ظل سقراط ثابتاً على مبادئه وهو يواجه أقصى عقوبة كانت قد صدرت ضده وضد محبي فلسفته من قبل المحكمة وهي عقوبة الموت عن طريق تناول السم الزعاف.

وحقيقة فإن الخوف من الموت لم يثني سقراط عن فلسفته الأخلاقية وسعيه لحث الآخرين على التفكير والتفاعل مع ما حولهم من المعاني والموجودات تفاعلاً منشأه الأخلاق، فقد كان متفلسفاً إلى آخر رمق في حياته.

نقل إلينا أفلاطون تلك اللحظات العصيبة من حياة تلاميذ ومحبي سقراط، لحظات ثقيلة إعتصر فيها الألم قلب كل باحث عن الفضيلة والأخلاق الحميدة، وكيف لا يكوي الألم قلوبهم والحزن يعتصرهم، والحكيم ثابت كثبات جبل الأوليمبي مواصلاً في إلقاء تساؤلاته الفلسفية المحفزة لإعمال العقل والتفكير.

لقد روى أفلاطون الحكاية عن كريتو أكثر المقربين إلى سقراط، فما أن إلتقى أفلاطون بكريتو حتى إبتدره سائلاً إياه والدموع تنهمر من عينيه: "كيف مات المعلم يا كريتو؟" رد عليه كريتو: "مات مثلما عاش، فقد عاش فيلسوفاً باحثاً عن الحكمة، ومات فيلسوفاً مدافعاً عن الحكمة وعن فلسفته الأخلاقية".

يا أفلاطون، أما يكفي أن يناديه سجانه الذي قدم إليه كأس السم وهو يجهش بالبكاء: "إني لا أفعل ذلك إلا إتماماً للمهمة يا أنبل إنسان"، وبدأت الدموع تسيل من عيني كريتو، وأضاف قائلاً: "حينما طلب مني أن أخبر السجان بأن يحضر له السم قلت له معلمي، لكن الشمس لا زالت بعيدة عن المغيب، فلماذا لا تستمتع باللحظات الأخيرة من الحياة فتأكل وتشرب؟" فأجابني بهدوء: "يا كريتو، هل تريدني أن أضحك على ذاتي مثل هؤلاء؟"، فلم أجد إلا الإصغاء إلى أمر المعلم وتلبية مطلبه.

وحينما دخل عليه السجان مطأطأ رأسه إلى الأرض، حاملاً الكأس المسمومة بالشراب في يده والدموع تنهمر من عينيه، نظر إليه المعلم وقال له: "يا صديقي، هلا تعلمني أفضل طريقة لتناول هذه الكأس؟ إني أرى أنك أكثر مني معرفة بهذا الأمر".

فأجابه السجان بصوت باكي يملأه الألم ويكسوه الحزن "سيدي اشرب الكأس ثم امشي إلى أن لا تقوى ساقاك على حملك، ثم استلقي في الفراش فيبلغ السم جميع جسدك فتنتهي حياتك"، فمازحه سقراط لكي يذهب عنه إحساسه بالذنب بتحضيره تلك الكأس المسمومة وإعطاءها له ليشربها، ثم طلب من السجان أن يمنحه صلاته ورفع الكأس وشربها في كل إباء وهدوء.

لقد تمالكنا أنفسنا إلى تلك الساعة، ولكن بمجرد أن وضع المعلم تلك الكأس وهي فارغة سمعنا صرخات أبولودورس، وضج المكان بالبكاء والعويل، فنظر المعلم إلينا بهدوئه المعهود وقال لنا: "ما كل هذا البكاء والعويل؟ لقد أبعدت النساء لكيلا أشعر بإهانة في مثل هذه الطريقة"، فصمت كل من كان في المكان ولم نعد نسمع سوى أصوات الأنفاس وهي تحاول جاهدة كتم أصوات البكاء.

قام المعلم وبدأ في المشي حول الغرفة ونحن نرقبه كشمس تهوي خلف خط المغيب، كحبيب يخطفه الموت من بين أحضان الحبيب، ثم ما لبث أن لم تعد ساقاه تقويان على حمله فأستلقى في الفراش، وتقدم منه السجان وجلس إلى قرب قدميه وأخذ يدلكهما بين حين وآخر وهو يسأل المعلم هل يشعر بقبضة يديه فيجيبه: "لا يا صديقي فلم أعد أشعر أن لي قدمان"، فرد عليه السجان باكياً: "ستكون النهاية عندما يصل السم إلى القلب"، ثم بدأ السجان في تغطية قدميه.

وهنا إلتفت إلي المعلم وقال لي: "يا كريتو أنا مدين إلى أسكيبيوس، رجاء لا تنسى أن تدفع هذا الدين"، فقلت له: "سأدفع يا سيدي، هل هنالك شيء أخر تأمرني به يا سيدي؟"، فلم أسمع منه جواباً، ثم رأيت السجان وهو يسحب الرداء ليغطي وجهه بعد أن أغلق له فمه وعينيه.

لقد رحل أفلاطون بعد أن علمنا أن الشيء الوحيد الذي يعلمه الإنسان كلما زادت معرفته أنه لا يعلم شيئاً، وأن هذا العالم كل يوم يزيدنا في حيرتنا ويفتح لنا أبواباً نطرقها للتساؤل لعلنا نجد فيها ما يروي عطشنا للمعرفة، فتعود عقولنا أكثر حيرة من ذي قبل، فالشيء الوحيد الذي أعلمه، أني لا أعلم.

كمال بشير عمران المملكة العربية

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق