التاريخ مسألة حساسة

التاريخ مسألة حساسة

"إن التاريخ لا يعدو كونه أشياء لم تحدث.. دوَّنها مؤرخون لم يكونوا هناك". ثوماس كارلايل.

أتذكر هذه العبارة كلما طالعت كتابا من كتب التاريخ العربي، فدخلت في متاهاته دون أن أستطيع الخروج، خضم هائل من المكائد والحروب وقيام الدول وأفولها، ومع ذلك لا يوجد شيء يمكن التيقن منه أو الركون إليه.

لقد تداخل الكذب في الصدق، وعشش الوهم داخل أنسجة الحقيقة.

قرأت أول سطور التاريخ في كتب المدرسة، وهي أسوأ أنواع الكتابة التاريخية، فهي ليست فقط مليئة بالثغرات وإهمال العصور والشخصيات التي لا ترضي النظام الحاكم، بل إنها تفتقر أيضا إلى العنصر الإنساني، ذلك أنها تحيل كل شيء إلى أسباب ومسببات جاهزة للحفظ، صورة محنطة للتاريخ يرددها التلاميذ كالببغاوات.

ثم تعرفت على الوجه الخيالي للتاريخ من خلال روايات جورجي زيدان. وهكذا تحولت الفتن والأحداث الدامية إلى قصص من العشق الموله. وأصبحت تقلبات الدول مجرد مصادفات فردية تعسة، وأصبح في كل حقبة تاريخية "عذراء" لا هـَمّ للملوك والسلاطين إلا التغرير بها... أو طفل ضائع تعقد كل المؤامرات لإبعاده عن أبويه.

ثم أدركت أن التاريخ هو أشد قسوة وأكثر جدية من مجرد مصادفة... وأن الحب هو استثناء عابر وسط عهود الاستبداد الطويلة.

قرأت كتب التراث العربي بعد ذلك محاولا أن أصل إلى جذور الحقيقة. ولكنها ظلت مراوغة. كانت الأوراق الصفراء تعرض الحقيقة ونقيضها بالدرجة نفسها من القوة والإحكام. كان تاريخا يعتمد على الذاكرة الشخصية. وتتحكم في ذات المؤرخ نوازع الخوف والرهبة والتوقي من غدر الزمان وبطش السلطان... تاريخا خائفا مرتعدا.

وتواصلت رحلتي مع كتب التاريخ المعاصر التي تدَّعي الموضوعية وتدعم رأيها بالوثائق، وإذا بالأحداث، الأحداث نفسها، تنقلب إلى النقيض.

كل مؤرخ يقرأ التاريخ وفق منظور معين ويقدم له تفسيرا مختلفا. وفي النهاية فإن كل ما فعلوا هو أنهم أفقدوا التاريخ تلك الهالة الرومانسية التي كانت تحيط به دون أن يقدموا له مذاقا مختلفا. وعندما كنت أقيم في تونس في مطلع الثمانينات، سألت مدير مدرسة ثانوية ذات يوم عن كتب التاريخ الخاصة بتونس فنظر إلي في فزع ثم قال بتردد: "التاريخ هنا مسألة حساسة. ولا توجد لدينا كتابات قاطعة بهذا الشأن".

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
٣٠ يونيو، يوم الزينة

وعندما سألته في دهشة عما يدرسه الأطفال في المدارس قال في ثقة: "كل شيء.. فتوحات الإسكندر المقدوني.. الثورة الفرنسية.. حرب الاستقلال الأمريكية...".

ويظل التاريخ العربي غريبا، ويبدو أننا لكثرة ما نعيش في الماضي لا تستطيع أن نراه جيدا، فهو يكتسب بالتقادم نوعاً من القدسية لا يمكن المساس بها، ويتخذ الحكام صفات مطلقة لا تدع لنا مجالا لانتقادها. ويلبس السفاحون ثياب القديسين لأن القديسين الحقيقيين لا يقدرون على لبسها، ونفتقد ذلك العقل الحرّ القادر على الجدل بحيث يفرق بين ما هو أصيل وما هو زائف.

https://www.youtube.com/watch?v=vnjE4c7Pdhw

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x