التطوير الذاتي من وجهة نظر إسلامية

بقلم/ فراس الخوالدة
مصر : 30-11-2014 - 11:20 ص - نشر

تحتل كتب التطوير الذاتي والتنمية البشرية وعلى رأسها تلك المعنية بالبرمجة اللغوية العصبية رأس قائمة أكثر الكتب مبيعا إلى جانب الروايات وكتب الطبخ والأبراج، باعتبارها تقدم الكثير من النصائح القيمة للناس في ما يتعلق بكيفية تطوير أنفسهم والتخلص من عيوبهم والسمو بحياتهم الاجتماعية والعاطفية والمهنية والمالية، كما تعينهم على التفكير الإبداعي والاستغلال الأمثل لقدراتهم العقلية.

وفي الحقيقة يقدم هذا النوع من الكتب الكثير من الفائدة للمهتمين به، ذلك أنه بالإضافة إلى تزويده إياهم بالعديد من المهارات والنصائح المتعلقة بكيفية إدارة الحياة والتغلب على عقباتها وتحدياتها، فإنه يمنحهم أيضا دفقات من الحماس تساهم في رفع عزائمهم والارتقاء بنظرتهم إلى الحياة والوجود من حولهم.

وقد قدم العديد من الكتاب والمؤلفين، مثل دايل كارنيغي والفقي وأنتوني روبنز وستيفن كوفي، أعمالا قيمة في هذا المجال لاقت رواجا منقطع النظير، بحيث أصبح هذا المجال محط آمال الراغبين في الانتشار السريع لكتاباتهم، سواء لدوافع مادية أو أدبية.

ومن الملاحظات الجلية التي يكتشفها المهتم بهذا النوع من الأعمال، غثها وسمينها، أنها تدعو إلى مساعدة الآخرين، وتعتبر ذلك أحد أبواب السعادة والراحة الروحية والشعور بالاندماج مع العالم، غير أنها لا تربط هذه المساعدة بأي وازع ديني، ومن المعروف أن الإنسان أناني بطبعه، وبالتالي فإنه مع غياب الوازع الديني لا يمكن أن يقبل على مساعدة من حوله إلا تحقيقا لمصالح شخصية، حتى لو تمثلت هذه المصالح بمجرد الشعور بالأهمية الاجتماعية أو تفريغ شحنات نفسية معينة، ومن المؤكد أن هذه المصالح مؤقتة ولا تستطيع أن توفر القوة الدافعة لدى الإنسان لتصبح مساعدة الآخرين على رأس أولوياته، وباختصار فإنه مع غياب الوازع الديني يصبح الإقبال على مساعدة الناس وتقديم العون لهم مجرد وسيلة لمصلحة معينة، أو على نحو أكثر مثالية غاية مؤقتة سرعان ما تطغى عليها الغايات الأخرى المشبعة بالأنانية والمنظور الدنيوي الضيق والقصير المدى.

إننا نجد أن هذه الأعمال كانت تدور في مواضيعها بخجل حول السعادة التي يمكن أن يحققها المرء من خلال مساعدة الآخرين، إنها تطرق باب الموضوع طرقا خفيفا في حين تتعمق في تناول المسائل الأخرى ذات الصلة بالتأثير على الآخرين وإدارة الوقت وتقوية الإرادة وغير ذلك، ولا ريب أن تفسير هذا يكمن في عدم استناد أغلب هذه الأعمال إلى الجانب الديني، فهي في معظمهما تعود لكتاب غربيين ينتمون إلى حضارة أفرغت المسيحية من مضمونها منذ أمد بعيد، أو كتاب مسلمين قلدوا، إلا من رحم ربي، الرؤية الغربية للكون والحياة.

إن هذه الأعمال تحقق في مضمونها وأهدافها، دون قصد طبعا، العديد من مقاصد الشريعة الإسلامية، ذلك أن السمو بحياة الإنسان الاجتماعية والمهنية والمالية هو جزء من عمارة الأرض وتحقيق مهمة الاستخلاف الرباني للإنسان على الأرض، وهو يمثل أيضا بناء "المؤمن القوي" الذي فضله الله عز وجل على "المؤمن الضعيف"، كما أنه هو الكفيل بالمزاوجة بين القوة والأمانة لدى الشخص بما يجعل منه عنصرا مفيدا للمجتمع من حوله: "إن خير من استأجرت القوي الأمين" القصص: ٢٦، وهو في نهاية المرء يؤدي إلى النأي بالمسلم عن حياة الصوفيين المفرطة بالكثير من واجباتها الدينية تحت غطاء الزهد والتقشف.

وخلاصة القول، إن الاهتمام، قراءة وكتابة، بهذا المجال المعرفي الخصب يتطلب منا كمسلمين ربطه بشكل وثيق وعميق بمقاصد الإسلام وأحكامه، بحيث يمكن له أن يساهم في بناء الشخصية المسلمة التي تجمع بين الإيمان من جهة والقوة، بكافة مقوماتها، من جهة أخرى، والانصراف الكلي إلى الآخرة من جهة والتفاعل الإيجابي والبناء مع الدنيا.

عند هذه النقطة يمكن للحديث عن مساعدة الناس أن يتحول إلى هدف أساسي، بدلا أن يكون مجرد وسيلة لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي والحضور الاجتماعي كما توحي أعمال خبراء التطوير الذاتي في الغرب.

فراس الخوالدةHashemite Kingdom of Jordan, Amman Governorate

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق