Ahlan

ثورة يوليو بين وعد بلفور ووعد أوباما

مصر : ۲۱-۷-۲۰۱۰ - ۱۰:۵۰ م

ثورة يوليو بين وعد بلفور ووعد أوبامامثل هذا اليوم منذ 58 سنة، ليلة 23 يوليو 1952، قامت في مصر ثورة بيضاء، لم ترق فيها دماء بسبب حرص ضباط الثورة على تجنب العنف، وحرص الملك فاروق الأول، ملك مصر والسودان، على عدم الدخول في صراع على السلطة مع الثورة حقناً لدماء المصريين أن تراق بأيدي المصريين، وربما السبب الأول في الأهمية، هو التأييد الشعبي التلقائي للثورة منذ اللحظة الأولى، ذلك التأييد الشعبي الذي كان سبباً في عدم تدخل الإحتلال الإنجليزي لقمع الثورة.

ثورة يوليو البيضاء غيرت الأمة العربية تغييراً جذرياً وأطلقت شرارة حركات التحرر في أمتنا العربية وأفريقيا وآسيا وكانت الثورة بحق نقطة تحول تاريخية. وقد قام بهذه الثورة مجموعة من الضباط الأحرار تضم جمال عبد الناصر وأنور السادات تحت قيادة اللواء محمد نجيب، الذي كان يتمتع بسمعة ممتازة كما كان يتمتع بحب ضباط الجيش الذين إنتخبوه رئيساً لناديهم.

وقد قامت ثورة يوليو لتحقيق أهداف محددة هي: القضاء على الإقطاع، القضاء على الإستعمار، القضاء على سيطرة رأس المال، إقامة حياة ديموقراطية سليمة، إقامة جيش وطني قوي، إقامة عدالة إجتماعية.

لقد كانت هزيمة 1948 من أهم أسباب قيام ثورة يوليو بل تعتبر سبباً مباشراً لها. ويجب مراجعة هذه الخلفية بشيء من التدقيق والتحليل التاريخي. ففي 2 نوفمبر 1917 أعطى أرثر بالفور، وزير خارجية بريطانيا، إلى البارون والتر روثتشيلد، زعيم اليهود في بريطانيا، وعداً بإنشاء دولة يهودية في فلسطين، التي كانت تحت الوصاية البريطانية.

وظل اليهود يسعون لتنفيذ ذلك الوعد قرابة ثلاثين عاماً، وقبل نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 سهلت بريطانيا دخول العصابات اليهودية بأعداد كبيرة إلى فلسطين وسلحتهم، وأخدت العصابات اليهودية في الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية بالمذابح أو بالقوة أو بالتهديد أو بالشراء الإرهابي القسري.

وفي 29 نوفمبر 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 181 بتقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية والأخرى يهودية. وفي 14 مايو 1948 أعلنت إسرائيل عن قيام الدولة اليهودية على أكثر من 75% من أرض فلسطين. ورفضت الدول العربية هذا الوضع الجائر وقامت حرب 1948 التي إنتهت بهزيمة الدول العربية وإنتصرت إسرائيل ومن وراءها بريطانيا.

لقد تركت حرب 1948، ووعد بالفور الذي أدى إليها، جرحاً غائراً في الشعوب العربية وخاصة في نفوس الشباب والضباط العرب ومنهم الضباط المصريون الأحرار الذين ثاروا ضد الإحتلال في 23 يوليو 1952. لقد وصف جمال عبد الناصر وعد بالفور بقوله: "لقد أعطى من لا يملك لمن لا يستحق".

لقد مرت ثورة يوليو في ثلاث مراحل رئيسية إرتبطت بحكم جمال عبد الناصر الذي كان تجسيداً للثورة ولطموحات كبيرة للقومية العربية والوحدة العربية ولمشروعات قومية ووطنية غير مسبوقة، مثل مشروع الوحدة مع سوريا، قومياً، ومشروع السد العالي، وطنياً. ويمكن قياسها المراحل الثلاث للثورة زمنياً كالآتي:

1. سنوات النصر (1952-1960)

هي المرحلة الذهبية لثورة يوليو، المرحلة التي شهدت إعلان الجمهورية في مصر في 18 يونيو 1953، تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956، إنتصار مصر على العدوان الثلاثي (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل) الذي بدأ في 29 أكتوبر 1956، وتأييد أمريكا لمصر وإصدار الإنذار الأمريكي للدول الثلاث بإنهاء العدوان على مصر. وهنا لا بد من إدراك التغير الذي حدث في أمريكا تجاه مصر منذ 1956. ومن الإنتصارات الهامة في هذه المرحلة إنهاء الإحتلال الإنجليزي لمصر بعد أكثر من 80 عاماً، والبدء في بناء السد العالي سنة 1960. ومن أهم إنتصارات ثورة يوليو في تلك المرحلة الذهبية، الوحدة بين مصر وسوريا في 22 فبراير 1958 والتي كان يمكن أن تصبح نواة الوحدة العربية الكبرى، وأيضاً في هذه المرحلة دعمت مصر حركات التحرر العربي في كثير من بلدان أمتنا العربية مثل الجزائر. هذه أمثلة سريعة يستحق كل منها بحثاً طويلاً للتحليل والتأصيل.

لكن سنوات النصر العظيمة شهدت أيضاً أخطاء كبيرة، كان أولها تنحية الرئيس محمد نجيب وتحديد إقامته من سنة 1954 حتى وفاته في سنة 1984، هذا الزعيم لم يكن يستحق إلا كل التقدير من الثورة التي كان عليها التعامل مع الأزمة بينه وبين جمال عبد الناصر بشكل مختلف. ومن الأخطاء الكبيرة في تلك المرحلة إنفصال السودان عن مصر، كان يجب التمسك بوحدة القطرين مع ضمان سيادة السودان في إدارة شئونها، وربما كان للخلاف مع الرئيس محمد نجيب، السوداني الأم والمولد، تأثير ولو غير مباشر على إنفصال السودان عن مصر. ذلك الإنفصال الذي نرى أثره اليوم في أزمة إقتسام مياه النيل، وفي خطط تقسيم السودان نفسه إلى أربع دول تبدأ بإنفصال جنوب السودان عن شماله، وللأسف هذه الخطط قيد التنفيذ. وكان من أخطاء تلك المرحلة أيضاً محاولة تشويه صورة الملك فاروق الأول وإعادة كتابة التاريخ بما يناسب أهواء البعض. كان هناك الكثير من التجاوزات الخطيرة قبل الثورة، ولكن ذلك لا يمثل دعوة عامة لمحاولة طمس التاريخ.

2. سنوات التحول (1960-1967)

هذه السنوات شهدت تحول مصر وثورة يوليو إلى فكر شمولي، سمي في ذلك الوقت بالإشتراكية، مما أدى إلى العديد من التجارب الفاشلة مثل نظام الحزب الواحد "الإتحاد الإشتراكي" وتأميم الصناعة المصرية الذي قضى على ريادة مصر في صناعات هامة منها صناعة الغزل والنسيج، حيث أممت المصانع وأخذت من أصحابها وأعطيت إدارتها إلى "أهل الثقة" وهم غالباً ما كانوا من الضباط الذين لا علم لهم ولا خبرة بتلك الصناعات. والإصلاح الزراعي الذي إستولى على أجود أراضي مصر إنتاجية وفتتها إلى حيازات صغيرة غير إقتصادية، من خمسة أفدنة، ووزعها على صغار الملاك، ثم تم إنشاء شركات إنتاج زراعي تملكها وتديرها الدولة، والنتيجة كانت القضاء التدريجي على ثروة مصر الزراعية، فبعد أن كانت مصر تنتج ما يكفيها وتصدر فائض إنتاجها من القطن والخضر والفواكه والمحاصيل إلى دول أوروبا، أصبحت مصر اليوم تستورد حتى القمح لإنتاج رغيف العيش المدعم. شهدت مرحلة التحول هذه أيضاً تحول مصر إلى سيطرة الجيش والبوليس والمخابرات على كافة أجهزة الدولة، وبالتالي تم إبعاد الكفاءات و"أهل الخبرة" لحساب تمكين المقربين و"أهل الثقة". من التحولات التي شهدتها تلك المرحلة أيضاً، محاولة الدولة السيطرة على كل شيء، حتى العلاقة بين المالك والمستأجر تم تقنينها بشكل أدى إلى تدمير الثروة العقارية في مصر. وشهدت هذه المرحلة أيضاً تصاعداً كبيراً للصراع بين الثورة وقوى وطنية أخرى منها الإخوان المسلمون، ثم قامت الدولة بحملات من الإعتقالات شملت كل من يعارض وشهدت هذه المرحلة الكثير من التجاوزات غير المسبوقة منذ قيام الثورة.

أما خارجياً وإقليمياً، فقد دخلت مصر في خلافات لا طائل من وراءها مع بعض الدول العربية، خاصة بعد إنتهاء الوحدة مع سوريا. ثم دخلت مصر في مشاريع عسكرية في آسيا وأفريقيا لم تكن قد حسبت كل أبعادها. وكانت نتيجة تلك المرحلة أن تحولت مصر بالكامل إلى الوقوع تحت النفوذ السوفيتي خصوصاً في التكنولوجيا والتجارة والتسليح بعد أن فقدت كل ما تبقى لها من رصيد للتعاون مع الدول الغربية.

3. سنوات الهزيمة (1967-1970)

كانت هزيمة يونيو 1967 صادمة ومذهلة، ولكنها كانت نتيجة طبيعية كان يجب توقعها، أو على الأقل الحذر منها، بسبب التحول الذي شهدته مصر في المرحلة السابقة، والأخطر أنها كانت أيضاً نتيجة حالة التفكك العربي بل والتناحر بين بعض قادة العرب. كانت نتيجة الهزيمة أن فقدت مصر سيناء وفقدت معها الكثير من كبريائها الوطني. وفقدت الأمة العربية الكثير من الأمل. حاول عبد الناصر التنحي وتحمل مسئولية الهزيمة، لكنها تاريخياً لم تكن لحظة يمكن عندها للقائد أن يتنحى، خصوصاً تحت ظروف لم يسمح فيها نفس القائد بتكوين بدائل شرعية أو "صف ثاني" يمكنه تحمل تبعات المسئولية الوطنية في ذلك الوقت العصيب.

وتوالت الأحداث، من موت المشير عبد الحكيم عامر، إلى مساءلة بعض قادة الجيش عما جرى في حرب يونيو. ثم جاءت مرحلة حرب الإستنزاف، ثم محاولة إعادة بناء الجبهة الداخلية مع محاولة إعادة بناء القوات المسلحة، ثم محاولة إعادة بناء الصف العربي. وتنتهي هذه المرحلة بموت الزعيم جمال عبد الناصر يوم 28 سبتمبر 1970 أثناء القمة العربية في القاهرة لحل النزاع بين الأردن والفلسطينيين.

ويبقى القول إنه برغم كل ما لها وما عليها، فإن ثورة يوليو غيرت الموازين لصالح الأمة العربية، ولو لفترة من الزمان، وعلينا محاولة إعادة تغيير الموازين لصالحنا مرة أخرى، ويبقى أن نقول أيضاً إن جمال عبد الناصر كان تجسيداً لأحلام وآمال أمتنا العربية.

هدفي هنا ليس التأريخ لثورة يوليو أو لجمال عبد الناصر، فإن مثل ذلك التأريخ يحتاج إلى مجال أوسع وليس مجرد مقالة أو حتى سلسلة من المقالات. وإنما هدفي هو مراجعة ثورة يوليو في إطار حدثين تاريخيين: أولهما هو وعد بالفور، وقد عرضنا لذلك في الجزء الأول من هذا المقال وكيف أن وعد بالفور أدى إلى قيام الدولة اليهودية في فلسطين مما أدى إلى حرب وهزيمة 1948 التي كانت سبباً مباشراً لقيام ثورة يوليو 1952، أما ثاني الحدثين فهو عهد الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، مما ينقلنا من الماضي إلى الحاضر والمستقبل.

لقد أصدرت حكومة الرئيس أوباما هذا الأسبوع، تحديداً يوم 16 يوليو 2010، تعهداً واضحاً تلتزم فيه بضمان التفوق العسكري لإسرائيل في المنطقة العربية. صرح بهذا السيد أندر شابيرو مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشئون السياسية والعسكرية.

علينا أن نأخذ هذا التعهد بالجدية الكافية، وعلينا أن نراجع حساباتنا لنعرف كيف فقدنا تأييد أمريكا الذي أصدرته في صورة إنذارها لدول العدوان الثلاثي (حلفاء أمريكا) إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، ذلك الإنذار الذي كانت من نتائجه ليس فقط إنهاء العدوان الثلاثي على مصر، وإنما كان أول ممارسة فعلية لأمريكا لدورها كقوة عظمى.

علينا أن نسأل أنفسنا لماذا فقدنا هذا التأييد، والحقيقة أننا لم نفقده فحسب وإنما تحول إلى تأييد العدو، هذه نقلة إلى النقيض يجب علينا تحليلها لمعرفة أسبابها والعمل على تصحيحها ليس فقط مع أمريكا ولكن مع كل الدول.

أمريكا وكذلك الإتحاد السوفيتي وقفوا مع مصر ضد إنجلترا وفرنسا وإسرائيل عندما كانت مصر والأمة العربية تمثل قوة وقيمة وقدرة متزايدة تتمكن من القيام بدور عالمي وإقليميي فعال. أما اليوم فنحن نرى أمريكا تتعهد بضمان تفوق إسرائيل علينا، ليس حباً في إسرائيل بالدرجة الأولى، ولكن لأننا فقدنا دورنا وتأثيرنا الذي يمكننا أن نستعيده بصحوتنا ووحدتنا.

تحية عرفان إلى ثورة يوليو وإلى ضباطها الأحرار: محمد نجيب، جمال عبد الناصر، أنور السادات، عبد الحكيم عامر، يوسف صديق، حسين الشافعي، صلاح سالم، جمال سالم، خالد محيي الدين، زكريا محيي الدين، كمال الدين حسين، عبد اللطيف البغدادي، عبد المنعم أمين، حسن إبراهيم، عبد المنعم عبد الرؤوف، أمين شاكر، مجدي حسنين، أحمد شوقي، حمدي عبيد، جمال حماد، وجيه أباظة، مصطفي كامل مراد، صبري القاضي، وإلى كل الضباط والجنود الذين إشتركوا فيها، وإلى الشعب المصري والشعب العربي الذي كان وراء ثورة يوليو منذ اللحظة الأولى.

وفي عيد الثورة البيضاء، تحية تقدير إلى كل الشرفاء من أبناء وقادة الأمة العربية، وندعو الرئيس حسني مبارك إلى إجراء إنتخابات رئاسية حرة في مصر هذا العام، دون الإنتظار إلى سبتمبر 2011. ونأمل أن يعلن ذلك في خطابه في عيد ثورة يوليو.

محمد علاء الدين مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

محمد علاء الدين عباس مرسي

د. محمد علاء الدين عباس مرسي

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۰ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق