ثورة على المتحرشين

بقلم/
مصر : ۲٦-۸-۲۰۱۲ - ۷:۱۰ م - نشر

ثورة على المتحرشينعندما تسير على قدميك في وسط الزحام فتسمع ألفاظاً نابية وكلمات تخدش الحياء، وعندما تركب المترو وترمي بعينك في نهاية العربة فتجد فتاة ترتجف وتتصبب عرقا وتعلو وجهها حمرة الخجل، تكاد عيناها تفيض من الدمع من هول الجريمة والموقف الحرج.

وعندما تجد فتاة أو سيدة شديدة التوتر ومصابة بالإحباط تخشى الخروج من المنزل خوفاً على نفسها وعلى أبنائها وبناتها، وعندما تجد طفلاً مصاب بألم شديد أو بمرض نفسي عميق وتجد سولكه مشوش، وعندما تحدق بنظرك فتجد زوجاً يقف في وسط الزحام أمام أحد المولات عينيه يعلوها الحزن والشجن لا يستطيع إنقاذ زوجته وأبنائه من بين أيدي الذئاب المفترسة، هذا الزوج الذي يعاني ويحاول إنقاذ أسرته من الغرق في مرض إجتماعى خطير وظاهرة إجتماعية سيكولوجية رهيبة تكاد تفتك بالمجتمع ككل، وهي التحرش الجنسي.

ذلك التحرش الذى يلقي بظلامه علينا في الآونة الأخيرة والذي يدفعنا إلى التساؤل عن الأسباب الرئيسية لهذه الظاهرة التي تدمر الأسرة وتترك أثراً نفسياً رهيبا في نفس المرأة التي هي عصب المجتمع، ويدمر ذرية بأكملها ويحتم علينا معرفة الطرق المثلى لتجنبه أولاً ثم الوصول إلى حل جذري شامل لعلاج هذه الظاهرة، لكن في الغالب الجميع يتناول هذه المشكلة عن طريق طرحها فقط وتسليط الضوء عليها من بعيد وهذا بالطبع في حد ذاته إنجاز حقيقي وجهد يشكر عليه كل من سعى إلى ذلك، ولكنه لا يتعامل مع الأسباب المؤدية إلى ذلك ولا يشير إلى طرق التخلص وعلاج هذه الظاهرة الإجتماعية المريبة، وهذا ما يجعلني أنظر في الموضوع بدقة وأطرح التالي:

من هو المتحرش؟

المتحرش هو شخص ضعيف جبان منعدم القيم والمبادىء والرجولة منعدم الدين والضمير مريض نفسياً سيطرت عليه أحلام اليقظة والإباحية الأخلاقية فاتبع شهواته وإنخرط في الفساد ووقع به كما يقع الذباب على هدفه.

الحقائق والدلالات العلمية تدل على ان معظم المتحرشين جنسياً يعانون من أمراض جنسية أو عجز جنسي، وتشير ألى أنهم قد تعرضوا في السابق إلى جرائم إغتصاب وهتك عرض، مما يضعنا أمام مرض إجتماعي معدي يحتاج إلى وقفة فورية وتكاتف قوي للقضاء عليه.

من الضحية أو الفريسة؟

فى الواقع المتحرش جنسياً لا يفرق بين سيدة كبيرة أو فتاة صغيرة والأغرب من ذلك وسوف يفاجىء البعض أنه لايفرق بين رجل وإمرأة بين طفل ومسن ذكر أو أنثى، هذا إلى جانب أن البعض يعتقد أيضاً أن المتحرش يستهدف الفتايات المتبرجات او صاحبات الملابس الضيقة أو القصيرة، ولكن في الواقع فهو لا يفرق بين هذا أو ذاك فالكثيرات من المنتقبات يتعرضن أيضاً للتحرش.

ما هى أماكن وأوقات التحرش؟

ينتشر التحرش غالباً في الأماكن المزدحمة، حول التجمعات والنوادي ودور السينما، وعقب مبارايات كرة القدم، وداخل وسائل المواصلات، إلا أنه فى السنوات الاخيرة اصبح فى كل مكان، حتى بالجامعات والمدارس، اما بالنسبة للوقت: فالتحرش الجنسي غير مرتبط بفترة زمنية معينة في اليوم فهو يحدث فى اى وقت على مدار اليوم.

الأسباب والعوامل المؤدية إلى التحرش؟

الثقافة والإعلام

مع تدهور الحس والقيم وإنزواء الفكر الإبداعي وإنصراف من على عاتقهم النهوض بالمجتمع عن دورهم الحقيقي والإيجابي ليقوموا بتأدية أدوار أخرى مشبوهة في الخفاء، ظاهرها التوعية والتوجيه والرعاية وباطنها جمع المال والاقتيات على جثث الضحايا، فتحول الطرب من طرب أصيل إلى طرب يدعو إلى الزنا والخلاعة والمجون والفجور والإنخراط في الإدمان والهلاوس والغياب عن الواقع وتعاطي المخدرات، هوى الفن فهوى معه المجتمع، فبدلاً من أن يعالج المشكلات الإجتماعية ويوجه المجتمع ويزرع البذرة الصالحة، تفرغ الفن لزراعة التعري والإنحراف والكلمات الشاذة الدخيلة على المجتمع، كلمات ضالة غير مالوفة لأذاننا ومسامعنا والتي نجنى مرارتها الآن ولن أنسى أنه منذ حوالي ثلاثة اعوم عندما رقصت راقصة شهيرة مع أحد الطبالين أمام أحد دور العرض في وسط البلد في العيد حيث كان يعرض احد أفلامها، فتحولت منطقة وسط البلد والأمكان المحيطة بها إلى حالة من الهرج والمرج والتحرش الجنسي والأفعال المريبة.

الأسرة والمدرسة

مع تدهور الحالة الإقتصادية في المجتمع وغياب رب الاسرة عن المنزل، تراجع دور القدوة داخل المنزل مع تنامي الإعلام الفاسد داخل المنزل مما أدى إلى تراجع القيم وغياب الوازع الديني داخل الأسرة مما أدى ألى خلل شديد في التنشئة الإجتماعية في الأسرة، فالسبب الثاني مبني على السبب الأول، وبالتالي ظهرت هذه الكارثة في المجتمع، فمع ضعف النظام التربوي في الاسرة وفي نفس الوقت وجود نظام تعليمي فاسد من غياب التوعية والتثقيف والتوجيه داخل المدرسة إلى وجود حالات كثيرة من المدرسيين غير المؤهلين وإستخدامهم للسب والقذف والبطش وجباية الأموال والإباحية اللفظية، فكثير منهم سقط فى الآونة الاخيرة وبدر منهم سلوك إجتماعي مشوش في حالات شذوذ وتحرش جنسي بالأطفال بالمدرسة أو سلوك إباحي خارج المدرسة.

المجتمع والجريمة

مع تفكك المجتمع وإنتشار المخدرات والإدمان والجريمة وإرتفاع معدلات البطالة وشعور كثير من الشباب بالفراغ واليأس والإستسلام والإنقياد والتبعية سقط البعض منهم فى الغرائز الشهوانية وبالطبع هذه العوامل ليست مبرراً للإنحراف والإنخراط فى الاعمال المشينة، ولكن الأمانة العلمية تقتضتي إبراز جوانب القصور في المجتمع.

القانون والشرطة

لم يكن هناك قانون فعلي من قبل يجرم التحرش الجنسي في مصر، سوى بعض الرتوش والحبر على الورق، ولكن مع تنامي المشكلة وتفاقم هذه الحالة فى السنوات الاخيرة، بدأ البعض بأخذ خطوات إيجابية لوضع قوانين واضحة ومحددة تجرم هذه الأفعال، ولكن الاهم هو تفعيل هذه القوانين لكي تكون ذات فعالية على أرض الواقع، ففي السابق كان التحرش الجنسي يستخدم للإذلال والإطاحة ببعض الخصوم السياسيين للنظام الحاكم، وكان يتم أيضاً إطلاق بعض الشائعات المحكمة والممنهجة لتغييب الوعي وتحويل وجهة نظر المجتمع عن الفساد والقضايا السياسية الهامة، ولن يخفى علينا قصص سفاح المعادي وغيرها، وبالتالي مع غياب الأجهزة الامنية التى كانت تلعب دور الحاضر الغائب، فيتم الآن التحرش الجنسي على مرأى ومسمع من عربات الشرطة والدورية وأفراد الأمن دون محاولة الضبط والإحضار والقيام بالواجب الإجتماعى وليس تأدية العمل فقط.

وفى النهاية لا بد من تضافر الجهود لمواجهة هذه الظاهرة التي تكاد تفتك بالمجتمع ككل، وبمعرفة الأسباب والعمل على مواجهتها نستطيع الخروج من هذا المأزق والوصول إلى نتائح إيجابية ليست مسكنات وقتية ولكن توجيه المجتمع وسن قوانين محكمة وتفعيل وتنفيذ قانون عادل وناجز بصدق وموضوعية على ارض الواقع.

ومن هنا يجب أن نخرج بروشته مؤقتة مفادها أن المتحرش جبان يجب فضح أمره كي يتوقف… وأقول لأختي المصرية: لاتستسلمي، فالإستسلام ضعف، والرضا بالواقع ضعف، عليك المواجهة وليس لديك شىء تخجلين منه.

الساكت عن الحق شيطان أخرس ويتوجب علينا مقاومة المتحرش ومعاونة الضحية، لا الوقوف في صمت لا مبرر له على الإطلاق أمام إنتهاك حقوق وكرامة الآخرين تحت أي مسمى، فكل انسان لديه إرادة وعزيمة وثقة بالنفس وإيمان وقوة داخلية يستطيع من خلالها الدفاع عن حقه ضد أى ظلم أو جور او عدوان.

محمد عايد مصر

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق