من فضلك.. احترمني

من فضلك.. احترمني

سرب صغير من الطيور يدور فوق رأسي في روتينية مدهشة، أخذ يدور ويدور في حلقات مراراً، يصدر أصوات رقيقة ويبعث بصفير مثير للعجب والإعجاب، وكأن طاقم هذا السرب يلهون مع بعضهم البعض، ويتعمدون إثارة الإ نتباه حتى تتعلق العيون بأعلى وتتجه إليهم الأنظار في ذلك الميدان المشهور بوسط المدينة.

و لم يخب ظن السرب في مراده، واتجهت بالفعل أبصار عدد ليس بقليل من المارة الموجودين في الميدان، وعلت الثغور ابتسامات تلقائية مثل الذي تنتابنا حينما نرى مشهدا طبيعيا وأشارت بعض الأصابع إلى الطيور مما يدل على الإعجاب بهذه اللوحة الطبيعية.

وبينما العيون لأعلى حدث تصادم بسيط بيني وبين أحد المارة، وبما أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومضاد له في الإتجاه، فشعرت بأني أتراجع لخطوة خلفية بسيطة، وكان من الوارد أن أتعثر حيث كان تركيزي منصب على متابعة ما يدور بأعلى، فإذا بي أرى ذلك الشخص الذي أرتطم بي، يمد يده بسرعة مذهلة أكاد أحسده عليها ويقبض بكفه على ساعدي، ويوقف تراجعي في جزء من الثانية.

وبتلقائية شديدة وفي منتهى الطبيعية سمعت اعتذاره ما لا يقل عن خمس مرات على الأقل، حتى أنني لم أجد أي فرصة لأعتذر بالمثل، فقطعا أنا مدين له باعتذار مماثل، فأنا أيضا لم أكن في كامل انتباهي، وبابتسامة هادئة ومعبرة فعلاً  اعتذرت له مرة وأخبرته أنه لم يحدث شيء، وشكرته على رفيع ذوقه وانصرفنا وكل منا يحمل على وجهه ابتسامة رضا، وفي داخلي على الأقل شعرت بقيمة احترام الفرد للآخر، وكيف أنه مبعث رضا وراحة ويزيد من رصيد الاحتمال لكل ما يعكر الصفو من حولنا ومما يحدث لي ولك.

أدرك أنني بشر ومن حولي بشر كذلك، ولكل منا أخطائه وهفواته وكل ذلك في نطاق المقبول والمسموح طالما أنه في حدود عدم التعمد، وطالما أنه متبوع بما ينهي أي أثر لما حدث عن دون قصد، أو دون سبق إصرار، ولكن ما ليس مقبول هو تبييت النية للإيذاء ولو بالقول، مثل ما يحدث وأنت تقود السيارة في أكثر المشاهد تكرارا وهو وجودك في تقاطع وهناك قائد لسيارة أخرى يريد أن يدخل نفس التقاطع، فمن خلف زجاج مغلق وبلا أي صوت يصلك منه شخصيا، تستطيع بقليل من التركيز على قراءة الشفاه أن تكتشف أنه يَسُبك.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
من فضلك.. ناقـشني

وهذا ما حدث معي بالتحديد، والعجيب أنه كان يشير بيده لي لأتقدم وأدخل قبله، ويحمل وجهه ابتسامة صفراء باهتة، فلماذا إذاً قلة الاحترام ولماذا تعمد قول اللفظ السيئ بدلا ً من اللفظ الحسن أو حتى السكوت مطلقا، ومما يبعث على الحزن والأسى في الطريق أيضاً، أنه إذا ما سكتت الألسنة والحناجر عن السباب، فإن نفير السيارات خير بديل عن ذلك، فتتعالى الأبواق بإيقاع معين يحمل معنى الشتم، ويصبح السباب علنيا وكأن الفاعل يجد أنه أكثر أهل الأرض دهاء وخبرة في السباب دون أن يحرك شفاه، والنتيجة محزنة، ضوضاء سمعية غير محتملة وزائدة عن الحد واللزوم، وضوضاء أخلاقية تكسر كل قواعد الأدب والاحترام، ونعي علني لكل الفضائل التي تنادي بالتحلي بالهدوء والأدب والعفو والتسامح.

إذا قدر لك أن تتابع بعض الأخبار على الإنترنت، وإذا مررت ببصرك إلى نهاية مقال ما ووصلت إلى تعليقات القراء، فبرجاء أن تضبط أعصابك وأن تملك زمام نفسك من بعض ما ستراه وستقرأه، فبعض المعلقين على ما يقرأون يعبرون عن أرائهم بكل الألفاظ والإيحاءات الممكنة وغير الممكنة، ويتبارى المعلقون في مباراة لتبادل الإهانة والسباب والتجريح لحد الألفاظ الخادشة للحياء العام والخاص.

أياً  كان الحوار أو الموضوع، سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو ثقافياً أو فنياً أو حتى رياضياً، فوضى في التعليق وإبداء الرأي، تعصب أعمى وصياح بلا تروٍ، اختيار لألفاظ غاية في التدني ومعدومة الاحترام، تداخل في المواضيع وبعضها فتجد الموضوع سياسي والتعليق عن مشكلة رياضية حدثت منذ وقت ليس ببعيد، والأمثلة كثيرة، هذا بالإضافة لغرف تبادل الحوارات والنقاشات، نادراً ما تجد الملتزم منها الذي يتحلى باحترام كل طرف للآخر، واحترام رأي كل واحد من المشاركين لرأي شريكة أو محاوره، أو من يتبادل النقاش معه.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
كورونا يكشف حقائق مكنونة

ليس صعب ولا مستحيل، الأمر بيدي ويدك، من فضلك احترمني واحترم آدميتي وخصوصيتي وعلانيتي، احترم وجودي وحقي في الوجود، كما احترمك من أمامك ومن خلفك، وفي ظل معرفتي الوطيدة بك أو لأني لم ولن أرك مطلقاً، في زمننا هذا أو في أي زمان آت، فليكن تعاملنا باحترام، ولنحي أدب التعامل فيما بيننا بمن فضلك.. احترمني..

صلاح عبد الله الباشا - الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
2 تعليق
أحدث
أقدم
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
روزانا خيربك
روزانا خيربك
2010/12/12 - 11:59 م

دعوتك جميلة و لكن اذا كان الابن لا يحترم ابوه في زمننا هذا فما هو المأمول …..
تحياتي

صلاح عبدالله الباشا
صلاح عبدالله الباشا
رد  روزانا خيربك
2010/12/13 - 7:40 ص

الشكر لمن ألهمني هذه الدعوة الجميلة..
من وجهة نظر شخصية أن الأب هو الذي فرط في حق احترامه, فالمأمول أن يبدأ الأب بإعادة احترام الإبن و تعليمه الاحترام بالفعل لا بالأمر.. أطيب
تحياتي

2
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x