المجتمع وجودة حياة الفرد

بقلم/ محمد كريم إبراهيم
مصر : ۲۸-۱۱-۲۰۱۹ - ۳:۲۰ م

هل أنت صحي تماماً من الأمراض الجسدية والعقلية؟ هل دخلك المادي كافي بالنسبة لك ولعائلتك في العصر الحديث؟ هل تتمتع بالآمان والاحترام من قبل المجتمع؟ هل أنت حر في قراراتك وعقائدك الدينية؟ هذه الأسئلة سواء أجبت بنعم أو لا هي التي تحدد ما يسمى جودة الحياة (حسب التعاريف المقبولة) وهو مصطلح يستخدم لقياس الصحة، والراحة، والسعادة النفسية للشخص لأغراض التنمية الأقتصادية وقياس مدى سعادة رقع سكانية معينة.

كما تستخدم لأغراض طبية نفسية لمعرفة مدى تأقلم وتغير عقلية المريض مع الأمراض غير الاعتيادية النفسية والمزمنة بدلاً من البدنية الحادة. أو لأغراض تجارية حيث تحاول الشركات بمنح جودة حياة جيدة لموظفيها، ويعتبر مصطلح جودة الحياة أمر شخصي لا يقبل المقارنة من شخص إلى شخص آخر (مجدداً حسب المتعارف عليه)، فيمكن لشخص معاق أن يمتلك جودة حياة عالية بينما يمكن أن يملك شخص غير جودة حياة سيئة.

اهتمامي في هذا المقال ليس لأسباب التنمية وإنما أريد أن أعرف السبب النفسي "سايكولوجي" لهذه الظواهر. كيف يقيم الشخص حالته الشخصية والمادية وكيف يقارن مع أعضاء آخرين من المجتمع؟ كيف يساهم هذا التقييم في شعور الفرد بمشاعر إيجابية أو سلبية؟ ما هي التصرفات التي يقوم بها الشخص نتيجة جودة حياته أو من أجل تغييره؟

قبل الإجابة ينبغي تنبيه القارئ أن هذه الأسئلة يوجد لها تفسيرات معيوبة في المجتمع العلمي، ولغرض ذلك نتطرق هنا إلى مواضيع مرتبطة آملاً مع الأمثلة أن يعطي معنى أكثر للقراء.

يبدو لي أن جودة حياة الشخص مرتبطة مع رغبات وتطورات المجتمع القياسية حيث يقيس الفرد جودة حياته مقارنة مع جودة حياة الآخرين وذلك ما يملكه هو أو هي مقارنة بما يملكه أعضاء المجتمع الذي ينتمي إليه. إذا مقياس جودة الحياة هو أن تكون في المساواة نسبية مع آخرين في المجموعة وذلك من عدة زوايا مختلفة نتطرق إليها هنا:

أولاً – من زاوية المشاعر: يجب على الفرد أن يكون تقريباَ خالياَ من الشعور بمشاعر سيئة، ونعني هنا بالمشاعر السيئة هي أن يكون خالياَ من مشاعر السلبية أو أن تكون هذا المشاعر في أنسجام مع مشاعر الآخرين. مثلاَ شعور الفرد بالخوف معظم أوقات اليوم مقارنة مع أفراد الآخرين الذين لا يشعرون بالخوف طوال الوقت، عندئذ يمكن القول بأن هذا الفرد يعاني من جودة حياة رديئة، أما من طرف الثاني، إذا كان المجتمع ككل في حالة خوف من مصدر معين والمجتمع بأكمله يشعر بالخوف وإذا كان الفرد يشعر بالخوف فلا يمكننا القول أن هذا الشخص يعاني من جودة حياة سيئة، بل لا يمكن القول أيضاً أن المجتمع بأكمله تعاني من جودة حياة سيئة من دون النظر إليه من منظور مجتمع آخر وهو مترف مقارنة لمجتمع معاني. يمكن أخذ مثال مشاعري آخر هنا، يمكن للفرد أن يشعر بالغضب أنفرادياَ طوال الوقت أو حتى معظم أوقات أو حتى للحظة مقارنة بعدم شعور المجتمع بنفس الشعور السيء فعندئذ يمكننا القول بأن هذا الشخص يواجه جودة حياة سيئة، وهكذا لبقية المشاعر السيئة.

ثانياً – من الزاوية المادية: يمكن للشخص أن يعاني من جودة حياة رديئة إذا كان لا يملك ما يملكه أفراد مجتمعه من سلع غذائية ومصادر مادية بنائية أو أنظمة تكنلوجية معاصرة لمجتمعه. هذه النظرة هي أكبر قوة من السابقة، لإنها تظهر مؤشراً حقيقياً للمقارنة مع افراد اخرين، أما السابق فقد كان فقط شعوراً داخلياً. لا داعي هنا لذكر أمثلة مادية مثل المال أو المؤى الذي يتمتع به أشخاص حوله دونه، ولكن يمكننا أن نشرح أفتقار الفرد لأنظمة التكنلوجيا المعاصرة فلنقل مثلاً الهاتف النقال أو الحاسوب أو حتى تكنلوجيات بسيطة مثل الأدوات الكهربائية كسخان الماء. هذه الأدوات المتطورة التي يملكها المجتمع ويفتقر إليها الفرد يمكن أن ينزل من جودة حياة الفرد ويؤدي إلى تقييم الشخص نفسه (وكذلك تقييم الآخرين له) في المستوى الادنى من طبقات المجتمع بالرغم من أن هذه التكنلوجيات الحديثة لم تكن مملوكة من قبل الجيل السابق للمجتمع (الهواتف النقالة لم تكن موجودة في أوائل القرن العشرين). كذلك بالنسبة للأغذية المأكولة من قبل أفراد المجتمع، الفرد في هذا العصر الذي يشمل لقمة يومه البيض والخبز والماء يعتبر فقيراً وذو جودة رديئة مقارنةً بمعايير المجتمع المعاصر ولكن قبل عدة عصور (نتكلم عن عصور ما قبل ظهور الحضارات) كانت هذه الحياة ترفاً للفرد العادي.

ثالياً – من الزاوية الصحية: هذا المنظور هو المقياس الشائع لقياس جودة الحياة ويستخدم من قبل عدة باحثيين طبيين لمحاولة فهم معيشة المرضى المصابين بأمراض جسدية (المزمنة منها والمعاقة وغيره) والعقلية (الكآبة وأضطرابات القلق وغيره). من دون الدخول إلى دراسات طبية محددة وكيفية قياسهم لجودة الحياة لهؤلاء المرضى، يمكننا القول أن فقدان شيء جسدي غالباً يمكن أن يضع الفرد في جودة حياة رديئة إذا كان حواليه هم أشخاص عاديون. يمكننا أن نرى ذلك في المرضى المصابين بالسكتات الدماغية الذين يتركهم المرض مع ضعف وإعاقة في عدة أماكن من الجسم ومنها عدم القدرة على حركة الساقين مما يجعلهم غير قادرين على الحركة ويتركهم مع كرسي متحرك. هؤلاء المرضى أثبتوا أحصائياً أنهم يعانون من جودة حياة رديئة بسبب صحتهم وكذلك قد يعانون من الكآبة بسببه وبسبب نظرة الناس إليهم. بالتأكيد يمكننا أن نتوقع هذا مع عدم قدرة الشخص على القيام بمهام نشطة وعدم قدرته على عمل أشياء كان يحبها مثل السفر أو لعب رياضة يتطلب حركة القدم، ولكن يمكننا أيضاً أن نستنتج أن فقدان هذه القدرة فردياً يجعل ذات الشخصية يشعر برداءة حياته مقارنة بحياة الاشخاص حوله، أما إذا كان هناك مثلاً ردهة أو مؤسسة لأشخاص كلهم مصابين بشلل في الساقين، عندئذ الفرد المصاب يلاحظ أن جودة حياته ليست سيئة كالمتوقع مقارنة لأناس حوله والأفضل من ذلك، هو لو أصبح جميع سكان العالم مصابين بالشلل، عندها يفقد الشخص المتوسط لقياس جودة حياته فيه ويصبح الأمر طبيعياً بالكامل لذلك الفرد المصاب.

يساهم التقييم السييء لحياة الشخص في شعور المرأ بكراهية الذات والأعضاء الآخرين الموجودين في نفس المجتمع، ويؤدي هذا حتماً إلى كآبة نفسية، وكذلك تؤدي إلى الغضب والحسد للآخرين في مستويات أعلى منه من المجتمع. نعرف أن هذه المشاعر قد تكون خطرة وهي تحفز الفرد إلى إرتكاب الجرائم بأنواعها بحق نفسه ومجتمعه. تنعكس هذه المشاعر السيئة وتكون تصرفات فيزيائية يقوم به الشخص على الرد والتصدي، إما لذاته، يلجأ الفرد فيها إلى الهروب من مجتمعه والعزلة منه أو الإنفصال تماماً والجوء إلى مجتمعات آخرى، أو يلجأ الشخص إلى إلهاء نفسه بأمور آخرى جيدة به أو يبدأ بتعاطي الكحول والمخدرات لنسيان هذه المشاعر. وكذلك يلجأ الآخرون إلى معتقدات دينية أو فلسفية للراحة من هذه المشاعر.

أو يعكس الفرد هذه المشاعر إلى مجتمعه (نتيجة عدم شعوره بالمساواة) وذلك بمحاولة تغيير معايير ونظام المجتمع بأكمله، كالقيام بثورات وإنقلابات على الحكومات والأنظمة القائمة، أو القيام بالسرقة من مصادر المجتمع أو الأذى أشخاص يظن بأنهم يعيشون أعلى جودة منه.

بينما الأشخاص الذين يعيشون جودة حياة جيدة، وهي إن لم تكن نادرة الوجود فهي في أغلب موجودة لفترة قصيرة، يحاولون بقدر الإمكان بالحفاظ على مكانتهم في المجتمع. يقومون عادة بإعكاس سلوكيات دفاعية للأشخاص الذين يهددون مواردهم.

قبل نهاية المقال، نذكر هنا فقرة قصيرة عن أثر الانترنت والإتصالات العامة، الراديو والتلفاز وغيره، على جودة حياة الفرد في المجتمع. أعلم بأن هذا موضوع يستحق مقال خاص به، نذكره هنا لتذكير القارئ بارتباط هذا الموضوع مع جودة حياة الفرد في المجتمع.

نعلم أنه قبل ظهور الانترنت والاتصالات العامة كانت جودة حياة الفرد في المجتمع منعزلة بالمقارنة ما بعد أستكشافها، لماذا؟ لأنه كما قلنا بأن الفرد يحاول أن يكون أفضل من غيره في المجتمع وهذا ما يعطيه جودة حياة جيدة (أمتلاك الفرد لشيء معين سواء كان شعوراً أو مادة لا يملكه أعضاء مجتمعه هو ما يجعله يشعر بالتميز والسعادة).

قبل ظهور الانترنت على سبيل المثال كانت المقارنة المرء لجودة حياته مع مجتمعه محلية ونسبية وكذلك سهلة التحويل من السيء إلى الجيد بالمقارنة بما بعد ظهور الانترنت. الشخص الغني كان سعيداً في مجتمعه المحلي لأنه كان أغنى رجل في ذلك المجتمع لذلك كان يتمتع بجودة حياة عالية وكذلك الأمر بالنسبة للشخص الذكي حيث كان ذكاءه عالياً بالنسبة إلى مجتمع المقيم به، ولكن أدى ظهور الانترنت والاتصالات العامة إلى مقارنة هؤلاء الأشخاص مهارتهم وممتلكاتهم مع المجتمع البشري العالمي مما أدى بهم إلى تجربة جودة حياة سيئة. الأمر نفسه ينطبق على مواقع التواصل الأجتماعي وقيام الشخص بمقارنة جودة حياته مع عدة أشخاص خارج إطار مجتمعه ويتمتعون بجودة حياة عالية بالنسبة إلى جودة حياته، أو على أقل يتظاهرون بذلك.

بالخلاصة، يمكننا أن نجمع هذه الفرضيات تحت جملة واحدة: فقدان الفرد أو نقصانه أي شيء مادياً كان أم شعورياً أو صحياً (جسدياً أو عقلياً) بينما يتمتع أعضاء مجتمعه بذلك شيء مما يؤدي به إلى تجربة جودة حياة رديئة ويمكن لذلك الفرد أن يقيسه بنفسه عن طريق المقارنة ويمكن أيضاً للأعضاء الآخرين إدراك معانته. يعود بعض اللوم، إن سمح لي القارئ، على النظام الإقتصادي الرأس مالي وبما يمنحه لبعض أفراد المجتمع بعض الأفضلية لغيره، لا داع للإنتقاد والتطرق.

في ظل هذا التعريف، نرى أنه لا يوجد أحد فينا يتمتع بجودة حياة جيدة في كثير من الأوقات، حتى الأفراد الأغنياء عادة ما يعانون من جودة حياة سيئة لكونهم يفتقدون المال الكافي نسبة إلى أعضاء طبقاتهم، وحتى أفراد أكثر صحة عادة يفتقرون جاذبية جسدية نسبة إلى معايير مجتمعهم، ما نراه في آخرين كجودة حياة جيدة هو مقياس نسبة إلى مجتمعنا وهي الوحدة الخاطئة لقياس جودة حياة الشخص.

أترككم في هذا المقال بطريقة للخروج من هذه الزوبعة: يمكن للشخص تغيير مجتمعه عن طريق الهجرة أو ترك المجتمع الذي يشعر بالفقر فيه إلى مجتمع أفقر حيث يعطي له الحس بالكمال المادي أو الصحي أو النفسي مقياساً لذلك المجتمع. واحد من جودة حياة العالية هو أنتقال من مجتمع عالي يكون فيه الفرد مفتقراً إلى مجتمع واطئ من حواليه ليشعر بالاكتمال، ولكن هذا النصيحة لها عاقبة عكسية، أي إنتقال الفرد من مجتمع الواطئ إلى المجتمع العالي يعتبر فيه الفرد في أدنى مستويات معايير ذاك المجتمع يؤدي به إلى تجربة جودة حياة رديئة. يذكرني هذا بقانون الغازات حيث ينتقل الرياح من ضغط العالي إلى الضغط الواطئ والعكس يكون صعباً جدا، أي أنتقال الغاز من ضغط الواطئ الى ضغط عالي.

محمد كريم إبراهيم


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر


Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق