زمن البروفيسور إبليس

محمد محمد السعيد عيسى
مصر : ۲۹-٤-۲۰۱۵ - ٦:٤٤ م - نشر

قابلت يوما أحد رجال المجتمع البارزين وسألته مباشرة كيف استطعت أن تحقق هذا النجاح في وقت قصير؟ فقال بهدوء وابتسامته الباردة تكاد تجمد الدم في وجهه الدبلوماسي المتخشب "المظهر هو الأساس يا عزيزي، فليس المهم أن يكون عندك رأس مال أو علم كي تنجح ولكن يجب أن يكون لديك قوة اقناع كافية كي تجعل الأخرين يثقون بك وفي قدراتك الخارقة".

فقلت ولكن لابد أنك عانيت في بداية عملك؟ فقال لي مبتسما "نعم البداية كانت صعبة لأن الواحد في بداياته يكون لديه هواجس من الضمير والأمانة والأخلاق والصدق والإخلاص والتفاني والرحمة وغيرها، لكن سريعا بدأت أكتشف اللعبة، فهذه الكلمات الرنانة تستخدم فقط في المنتديات الثقافية واللقاءات الصحفية والبرامج التلفزيونية وفي الانتخابات أما لو استخدمناها في غير هذه الأماكن فستؤدي إلى السقوط والفشل السريع".

فسألته متعجبا ولكنك حصلت على دكتوراه في العلاقات الإنسانية فكيف تفكر بهذه الطريقة المادية الجامدة الخالية من الانسانية؟ فأجاب ساخرا "هل انت فعلا مصدق ما تقول؟ هذه الشهادات والأوراق نشتريها كما نشتري أي شئ من السوبرماركت، يكفي أن تدفع وتصلك بالبريد أي شهادة تريدها فقط عليك أن تختار المجال وتحدد التخصص وتحول المبلغ المطلوب، بالإضافة إلى قليل من التمثيل وحفظ بعض المصطلحات الغريبة لزوم النصب المجتمعي، ومن ثم تضع حرف الدال قبل اسمك الكريم وتصبح دكتور وبعض قليل ممكن تسمي نفسك بروفيسور".

ولكن ما هو السر في صعود نجمك بسرعة في الوزارة التي كنت تعمل بها؟ نظر قليلا إلى أحد الصور المعلقة على الجدار وقال لي بهدوء هل ترى هذه الصورة؟ فقلت نعم، فقال ما الذي يميزها عن غيرها؟ فقلت لا أعلم. فقال الذي يميز هذه الصورة هو هذا الإطار الخشبي المذهب، فإذا أردت أن تتميز في عملك يجب أن تضع أنت الإطار ولا تسمح لغيرك أن يضع لك إطار يحدد لك حدود عملك، ففي بداياتي المهنية كان همي الأول هو الحصول على الصلاحيات التي تمكني من وضع اطار العمل لجميع الموظفين، فمن يضع قواعد اللعبة هو دائما من يفوز بها.

ولماذا لم تفكر يوما أن تكون المسؤول الأول في مجال عملك؟ ابتسم قليلا وقال الرؤوس اليانعة تقطع أولا، أنا لا أريد أن أكون في وجه المدفع، بل أحب أن أعمل من وراء الستار، فأمثالي هم من يحركون الأمور ويذهبون بها يمينا وشمالا ولكن لا يمسكون بعجلة القيادة أبدا. وكما قلت يكفي أن أضع الخريطة والسيارة ستذهب إلى حيث أريد.

ولكن سجلك المهني يؤكد أنك صاحب إنجازات وابداعات ومشاريع فكيف حققت هذه الأعمال الناجحة؟ فقال "أنا حقيقة لم أفعل شئ ولكن أنا حريص على أن أنتفع من نجاحات ومصائب الجميع، فتراني دائما مبتسما باشا ودودا أتقرب للجميع حتى أحصل على ثقتهم وبالتالي أكون مصدر أمان لهم فيعرضون على نجاحاتهم كي أساعدهم وأساندهم فأضع بصمتي الأخيرة على أعمالهم الناجحة وأتولى مسئولية عرضها على مجالس الإدارات وبالتالي أكون أنا الوحيد مع العمل لحظة التقاط الصورة. اما عندما يحدث الفشل أكون أول من يقف بجوار الفاشل كي أعالج الأمر في سرية تامة فلا يعرف أحد بما قمت به غير مجالس الإدارات والرؤساء فقط وغالبا ما يتم التخلص من الموظف بعدها بفترة".

وما أكثر شئ يخيفك في عملك؟ شرد قليلا وأصفر وجهه وأصبح شاحبا مثل الليمون المعصور وقال "أكثر شئ يقلق منامي هو عندما أشعر بأن هناك موظف جديد لديه نفس مؤهلاتي وعنده طموح في أن يجلس على نفس الكرسي الذي أجلس عليه، هذا هو التحدي الحقيقي بالنسبة لي، فعندما تجد شخص يدرك أصول اللعبة ويعرف كيف يجيد اللعب يجب عليك أن تعتمد هنا على كل ما هو متاح لديك كي تضمه إلى فريقك أو تتخلص منه في أقرب فرصه ممكنة". فقلت له مداعبا هل قابلت إبليس من قبل؟ فقال ضاحكا نعم قابلته وكان مستاء جدا من البطالة وعدم وجود فرص عمل له أو لأولاده. عندها ضحكت وقلت في نفسي حقا إنه زمن البروفيسور إبليس.

محمد محمد السعيد عيسى Saudi Arabia, Ar Riyāḑ

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق