وزارة الثقافة القطرية تمنع دار نشر قطرية من طباعة رواية

بقلم/ خليل موسى
مصر : ۲۹-۱۰-۲۰۱۹ - ۵:۳۰ م - نشر

وزارة الثقافة القطرية تمنعموضوع يبيِّن الواقع المُزدَوَج الذي نعيشه في العالم العربي، وهو التمظهر بِما هو نقيض الواقع. وما جرى هنا يكشف هذا بجلاء، خاصة عندما تتدخَّل السياسة في شأن الإبداع وتريد أن تطفئه، والحقيقة فإن الإبداع يستحق أن يُحتفى به، ولكن للأسف فإن الأديب في عالمنا البائس هذا بات يعاني من الحصار والتضييق عليه، فقط لأنه يريد أن يعبّر عن الواقع الذي يعيش فيه، ويضع بصيص أملٍ للمستقبل. تداولت بعض وسائل الإعلام عمّا حصل مؤخّراً مع الروائي السوري عبد الباقي يوسف بشأن طباعة روايته الجديدة في إحدى دور النشر القطرية، وبعد إجراء العقد والتحضير لطباعة الرواية، وصل الأمر إلى وزارة الثقافة القطرية التي قرأت الرواية واتَّخذَت موقفها الحاسم بمنع الدار من طباعة هذه الرواية رغم إبرام العقد القانوني بين الكاتب والدار، وأن الكاتب لن يستطيع أن يفعل شيئاً. فكان أن أخبرت هذه الدار الروائي بما حصل واعتذرت عن استكمال إجراءات الطباعة.

المثير هنا، كما ورد في حديث الروائي الذي نشره على حسابه على الفيسبوك، مسألة النكث بالعهود ببساطةٍ شديدةٍ، وعدم مراعاة مشاعر الناس، بل صناعة أناسٍ يتقبّلون ببساطة شديدة نكث عهودهم، وكذلك هذا التعامل الرديء مع الأدباء والمبدعين، بدل تقديرهم وتكريمهم وتشجيعهم على روح الإبداع في واقعٍ بات فيه الأديب هو الأكثر مصداقية في التعبير عن الواقع المزري الذي تعيشه سائر البلاد العربية، وما ذلك إلاّ بسبب تدخّل السياسة في مختلف الشؤون وإعاقة أصوات التنوير والانفتاح.

الرواية كما يتبيَّن من عنوانها (أمريكا.. كاكا) تتحدَّث عن واقع العلاقة بين البلدان العربية وبين أمريكا، وبشكلٍ خاصٍ بعد هجمات سبتمبر في أمريكا كما جاء في حديث الروائي. ويبدو أن الخبر تسرَّب إلى وزارة الثقافة التي رأت أن الرواية تخترق الخطوط الحمراء فكان تحذير الدار من استكمال النشر، وكذلك تغيير اللجنة التي وافقت على طباعة الرواية في الدار واستبدالها بلجنةٍ أخرى. الأمر الملفت هنا كيف أن دولةً قائمةً تقول بحرية الرأي واحترام الرأي الآخر، لا تجرء على السماح لدار نشرٍ محلّية لطباعة رواية، بل وترغم عليها أن تنكث بعهدها مع الروائي. وهل بات العمل الروائي يُخيف إلى هذه الدرجة، وهذا انتصارٌ حقيقيٌ للرواية ولأي عملٍ إبداعي بشكلٍ عام، لكن على أي حال فإن الرواية لابدّ لها أن تدخل قطر بعد طباعتها في دار نشرٍ أخرى، سواء من خلال المعارض، أو بطرقٍ مختلفة، لأن الرقابة لم تعد تجدي مع وجود كل هذه التقنيات الحديثة، وأشكال التواصل بين الناس.

نص الحديث الذي تم تداوله:

تم التعاقد بيني وبين دار لوسيل القطرية لطباعة روايتي الجديدة (أمريكا.. كاكا) وقد أبلغوني بخطابٍ رسميٍ بتبنّي الدار لطباعة هذه الرواية بعد قراءتها من قِبَل اللجنة المختصّة في الدار. ثم بدأت إجراءات الاتفاق على شروط الطباعة في عقدٍ تم تنظيمه في الدار وقمنا بتصديقه والتوقيع عليه، وقام مدير الدار بتصديقه والتوقيع عليه، واحتفظ كل منا بنسخة. وهذا ما جعلنا نلتزم بعدم التعاقد مع أي دارٍ أخرى بانتظار صدور الطبعة الأولى من الرواية. ولكن بعد ما يزيد عن ثلاثة شهور على العقد فوجئنا بأن الدار تُخبرنا هاتفياً بأن وزارة الثقافة في قطر وبعد بقاء الرواية عندهم (٤٨) ساعة (وفق اللّفظ في المكالمة)، مَنَعَت الدار من تكملة إجراءات إصدار الرواية. وبذلك فهي غير قادرة عل صدور الرواية رغم وجود الاتفاق.

والرواية تبدأ عندما يصل البطل السوري إلى السفارة الأمريكية في أنقرة للسفر إلى الولايات المتّحدة عقب الأحداث الجارية في سورية ومقتل زوجته وابنته، وهناك تُخبره السفارة بوجود مكالمة طويلة بينه وبين خطيبته التي كانت مقيمة في بيت أخيها في الولايات المتحدة عند وقوع هجمات سبتمبر، وأنها تحتفظ بهذه المكالمة، فيتم استماعه إلى هذه المكالمة، وهنا بتقنية الخطف خلفاً تعود الأحداث لتغطية نحو ٥٠ سنة من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في سورية، ثم تبدأ مع ذلك تداعيات ما يترتَّب على العرب والمسلمين دفع ثمنه نتيجة هذه الهجمات وفق مخطّطٍ يكشفه عم صديقة البطلة السيناتور، ومما يقوله لها: (يهمني كثيراً ألاّ تكون صديقتك قد أخذت نظرة سلبية عن الولايات المتحدة، أنا أشاركها المشاعر بأن بعض ما نقوم به تجاه بلادها هو عمل غير أخلاقي، وأيضاً غير إنساني، لكن ألا ترى بأن ما يقوم به أبناؤهم في ديارنا نتيجة تربيتهم السيّئة لهم بأنه أيضاً عملُ لاأخلاقي، ولا إنساني. نحن نريد أن نقول لهم: ألا امسكوا أبناءكم عنّا، فأن تنجبوا الأبناء، وتفشلوا في تربيتهم، ثم تقذفوا بهم إلينا ليفعلوا ما يفعلوا، فلا يكفي أن يبدي بعضكم كلمة إدانة، في وسيلة إعلام، وقد لا يبديها، وأنتم تسترخون على الأرائك، أليس من الخطأ أيضاً أن يذهب الظن بصديقتك بأن إذعاننا لذلك هو عمل أخلاقي وإنساني نقدّمه لشعبنا ونحن نفشل في حمايته من هؤلاء الذين لم يحتملهم ذووهم، فصدّروهم إلى ديارنا).

وما هو ملفت أن الدار قد وضعت لنفسها شعار: (حاضنة الفكر الحر). ثم قالت في برنامجها: (الاقتداء بمؤسّس دولة قطر الشيخ جاسم بن محمود آل ثاني في نشر المعرفة). وكذلك: (تنمية وعي المجتمع والارتقاء بوجدانه نحو القيم الإنسانية الأصيلة).

وما إلى هنالك من شعارات. وكما لو أنها تقول بأننا نريد احتضان الفكر الحر، ولكن الحكومة متمثّلة بوزارة الثقافة تمنعنا، والدليل أننا أبرمنا عقد الموافقة مع الكاتب لطباعة هذه الرواية، ولكنها منعتنا. وهذا ما يمكن استنتاجه من هذا الذي حصل.

والحقيقة وبعد تعدّد الأشخاص الذين تحدّثوا معنا هاتفياً من مسؤولي الدار، التَبَسَت علينا الأمور حتى بدأنا نلمس شيئاً من الغموض في هذا الذي وقع. ولذلك رأينا أن نضع هذه المسألة بين يدَي سمو أمير قطر، وأن يتّخذ موقفاً لتصحيح هذا الخطأ الفادح الذي وقع، في منأى عن طباعة الرواية في الدار، أو دار قطرية أخرى، لأنه توجد أكثر من دار ترغب في الحصول على عقد طباعتها وترجمتها كذلك. ولكننا لم ننكث بعهدنا مع دار لوسيل استناداً إلى ما تم التعاقد عليه. ويبدو أن وزارة الثقافة القطرية قد أرغمت الدار أن تنكث بعهدها مع الكاتب كما يتبيَّن، ولذلك نأمل من سمو الأمير التدخّل في هذا الأمر، وبيان الحقيقة.

وما هو ملفت هو هذا الأسلوب السلمي الذي اتّخذه الكاتب في حل هذه المشكلة، وهو تدخّل أمير قطر من أجل الانتصار للرواية، وهذا يُذكّرنا بالرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يتدخَّل للإنتصار للأعمال الإبداعية عندما كان يتم منعها، حتى ذاك الفيلم السينمائي الذي قيل بأنه يرمز إليه ومنعته الرقابة، فرفع عنه الحظر. وعلى العموم يبقى الأمر متوقّفاً على أمير قطر: هل ينتصر للإبداع ولحرية الفكر، أم للحجز والمُصادرة.

خليل موسى

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق