التجارة السياسية بعد الثورة

بقلم/
مصر : ۲۵-۱۲-۲۰۱۲ - ۷:۱۸ ص - نشر

التجارة السياسية بعد الثورة(١) إن ما مرت به مصر من عمليات انتخابية واستفتاءات على الدستور بعد ثورة ٢٥ يناير، وما تابع ذلك من إشكاليات جدلية حول الجمعية التأسيسية للدستور ومجلس الشورى والإعلانات الدستورية، أدى إلى تفاقم قضايا خلافية بين كافة القوى السياسية على الساحة المصرية. فمن ناحية نلاحظ إصرار التيار الحاكم في البلاد على المضي قدماً لإنهاء المرحلة الإنتقالية وبدء مرحلة الإستقرار الوطني رغم معارضة وعدم توافق القوى المدنية على قواعد اللعبة السياسية ويحوى هذا التيار توافق مع مشتقاته من التيارات السياسية الإسلامية المعتدل منها والمتشدد، ومن ناحية آخرى نجد موقفاً موحداً لكافة القوى المعارضة للنظام حول هذه القضايا، وحقيقة إنها المرحلة الأولى في تاريج مصر الجديدة أن نجد هذا التماسك وهذا التوافق الذي لم يقتصر على أحزاب أو حركات سياسية بل شمل العديد من مؤسسات المجتمع المدني وقادة الرأي العام، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن نتيجة هذا التماسك والتحالف الذي طلبنا به منذ سنوات هل سيحدث تأثيراً ونجاحاً للقوى المدنية مستقبلاً؟ كما أن هذا التحالف يجمع تيارات فكرية وإيديولوجية متباينة وقد تكون متناقضة في برامجها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فهناك ما هو إشتراكي وهناك ما هو ليبرالي فضلاً عن ما هو علماني، فهل هذا في مصلحة هذا التحالف؟ أم سيكون معضلة في المستقبل؟

(٢) بعد ثورة ٢٥ يناير كانت الأحزاب السياسية إحدى تجليات هذه الحداثة السياسية إلا أن الحداثة السياسية تمثلت في مجال مؤسساتي مغلق واكتفاء الأحزاب بتكثيف فعلها السياسي الاستقطابي في حدود دائرة الاستحقاق الانتخابي دون أي انفتاح تفاعلي مع المواطنين البسطاء، وتمادى ذلك إلى عدم ربط الحداثة السياسية بالديمقراطية الاجتماعية وحواملها الثقافية وأسسها التربوية، الأمر الذي ترتب عليه تزايد التطلعات البرجماتية والبروبجندا الإعلامية وأحداث القطيعة بين الأحزاب السياسية ومرجعياتها الاجتماعية، وأقتصرت وظائفها الأساسية على علاقة التبعية والتماهي مع السلطة كأساس لمشروعية وجودها على الساحة السياسية، فمن المفترض أن تلعب الأحزاب أدواراً حيوية داخل المجتمع إلا أنها حصرت ظهورها في الاستحقاقات الانتخابية كما غابت الدينامية داخل الأحزاب وأصبحت كالإطارات المعزولة عن شرائح واسعة من الموطنين.

(٣) إن ما حدث في مصر بعد الثورة يستدعي إعادة التنظير حول مفهوم الحزب السياسي والفرق بينه وبين جماعات المصالح، حيث يلاحظ بعد الثورة أنه لم تعد الأحزاب السياسية تنظيمات للدفاع عن المطالب الشعبية وإنما تحولت إلى جماعات ضغط تعبئ كل طاقاتها من أجل إيصال قياداتها ورموزها إلى المناصب الوزارية والسيادية في مختلف مؤسسات الدولة حيث تعمقت استراتيجية الغنيمة التي تتبناها النخب بمختلف أنواعها سواء كانت سياسية أو حزبية أو حتى إعلامية، ولعل هذا يفسر العديد من السلوكيات المنتهجة من قبلها، فهي التي تعطي معنى لاحتكار بعض العائلات جملة من الوظائف والمهام، ما ظهر منها وما بطن، فعلى سبيل المثال نجد عائلات متربعة على العرش الإعلامي مروجة لأفكار وآراء لا تحترم على الإطلاق مبدأ الحيادية وتتعدى حدود اللياقة في استخدامها للألفاظ والتعبيرات.

(٤) إن تحول الأحزاب السياسية إلى جماعات ضغط أو مجموعات مصالح هو الذي يفسر إبتعاد هذه الأحزاب عن دائرة الفلسفة السياسية للنظام السياسي، وأن ما يميز العلاقات داخل معظم الأحزاب، كونها تقوم على أساس التبعية لأشخاص ومجموعات بدل التبعية لأفكار وقناعات، العلاقات داخل الأحزاب بعيدة عن المرجعيات المذهبية والسياسية، وأصبح منطق الانتماء يتأسس على خلفية خدمة بعض الأشخاص أو بعض المصالح، وبالتالي تدبير مصالح مشتركة معهم، حيث يتم تأطير ذلك من خلال "برستيج" سياسي، وتوسيعه داخل نفس الإطار، لتتحول الأحزاب إلى مجموعة تكتلات تتوزع داخلها المواقع وفق المصالح الممكن لكل شخص تحقيقها.

(٥) وتتجلى ظاهرة التجارة السياسية في قيام عدد من رجال الأعمال في تأسيس العديد من الأحزاب السياسية لتشكل ضغطاً سياسياً ولوبياً على صانعي القرار السياسي لتحقيق مصالح معينة، ولم تقتصر ظاهرة التجارة السياسة على هذا النمط بل تنوعت أنماطها ومستوياتها حيث ظهرت مع خروج العديد من الأحزاب من رحم أحزاب أخرى وهناك العديد من الأمثلة في الشارع المصري على هذه الظاهرة، ومن مؤشرات التجارة السياسية أيضاً والتي وصلت لأعلى معدلاتها هو خروج العديد من القيادات وتنقلهم من حزب لآخر، أو تأسيسهم لحزب جديد له والأكثر عجباً أن يكون رئيساً لحزب آخر بعد ذلك.

إذا دققنا النظر في تشكيلات الأحزاب السياسية بعد الثورة نجد العديد منها لا يختلف عن تشكيل جماعة المصالح التي تأسس لخدمة مصالح فئوية وأقلية معينة، وهناك ظاهرة جديدة وهي أحزاب المقاولات وهي تلك الأحزاب التي يؤسسها رجال أعمال مستخدمين أشخاص تم خلقهم وإعدادهم لوظيفة قيادة الحزب لتنفيذ إرادة رجال الأعمال، وهناك أحزاب كرتونية شكلت لتضفي الوجه الإجتماعية والبرستيج السياسي لرؤسائها، الأمر الذي يؤثر على درجة ثقة المواطنيين في هذه الأحزاب. ولم تقتصر التجارة السياسية على المحيط الحزبي بل وصلت إلى الوسائل الإعلامية ويمثل تزايدها في الإعلام الخطر الحقيقي الذي قد يعصف بتماسك الدولة ويفكك العقد الاجتماعي بينها وبين المواطنين.

وفاء داودمصر

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق