Ahlan

البيزنس السياسي

مصر : ۱۲-۱۲-۲۰۱۹ - ۱:۵٦ م

البيزنس السياسيالسياسة والبيزنس أو البيزنس السياسي عوالم مخيفة تتلاطم فيها أمواج المصالح والمكاسب المادية، وتتصارع فيها الأقطاب الكبيرة على بسط السيطرة وإحكام النفوذ، وبيزنس الإعلام أحد أهم صور هذه العلاقة بين السياسة والبيزنس، وهو ما نراه في سعى بعض أقطاب المال والأعمال للإستحواذ على المساحات الأكبر في "الإعلام السياسي" من خلال ما يضخونه من أموال من أجل التأثير وزيادة حجم دورهم ونفوذهم في المشهد السياسي في مصر.

ففي الإعلام تسعى هذه الفئة إلى زيادة حصتها في أسهم بعض الصحف أو المجلات أو المواقع الإليكترونية ذات نسب المشاهدة العالية أو شراء أو تأسيس قنوات فضائية جديدة أو توسيع حجم النشاط الاعلاني لها في قنوات أخرى بالحصري أو بالوكالة لإحكام السيطرة على مفاصل الآلة الاعلامية والتحكم في محتوى ومضمون الرسائل الاعلامية التي تقدمها هذه القنوات في إطار قالب يعبر عن توجهاتها وأفكارها، أو بإعادة صياغة وترتيب الخريطة البرامجية في القنوات التي تملكها بالقدر الذي يسهل معه الضغط على توجيه الرأي العام بأسلوب مباشر من خلال مقدمى ومذيعي برامج وضيوف لهم رسالة إعلامية مماثلة لتلك التي يؤمنون بها، أو بأسلوب غير مباشر بتناول موضوعات بطريقة انتقادية هجومية فيها من التضخيم والإثارة ما لا يتناسب مع حجم الحدث أو الموضوع محل العرض، فكدنا نتصور في وقت ما أن غلاء أسعار البامية والطماطم وبعض السلع الغذائية لبضعة أيام حدث جلل يهدد الأمن القومي وينبئ بكارثة انسانية للمواطن المصري بطريقة كيف تصنع من الفسيخ الشربات وكيف تصنع الخل من الشربات.

وفي فلك هذه العلاقة المتشابكة في البيزنس السياسي بين البيزنس والسياسية إمتد الإستحواذ إلى مساحات أكبر في السياسة من خلال تمويل مالي غير معلوم لأحزاب سياسية قائمة، إما بشراء مقراتها ومكاتبها وعضوياتها، وإما بتقديم هبات وتبرعات عينية ومادية لأحزاب ناشئة تعاني خللاً في ميزانيتها، وذلك لتحسين قدراتها المالية في الإنفاق على أنشطتها السياسية والإستعداد لخوض غمار الانتخابات البرلمانية وما يستتبعها من إنفاق كبير على الدعاية والمرشحين.

أعلم أن هذا الحديث لن يقلى قبولاً من جانب قيادات الأحزاب، لأنها تحولت إلى مجرد أبعديات خاصة أو ملاكي، ومنصات تدعي الليبرالية والديمقراطية وتتبنى أساليب ومفاهيم حديثة في العمل الحزبي، تتفاخر أحياناً بأن قياداتها من الشباب أو أنها تقدم دماء جديدة في العمل السياسي، ولكنها في الحقيقة لا تملك أجندة محددة أو لائحة أو برنامج سياسي. تستنسخ تجربة الحزب الوطني السابق في استخدام أدوات الاتصال السياسي واستطلاعات الرأي والديمقراطية الداخلية. عاجزة حتى عن إجراء انتخابات داخلية لاختيار قيادات الحزب وكوادره على مستوياته التنيظيمة المختلفة، أحزاب جميع قياداتها بالتعيين، أو بالرضاء الشخصي لمن يملك المال، أحد هذه الأحزاب تجد قياداته مرتبكة عندما تواجهم بسؤال من هو رئيس الحزب؟ أو فعلياً من يدير الحزب؟ أو ما هو برنامج الحزب وتوجهاته تجاه كذا أو كذا؟ فلا تحصل منهم إلا على حديث عام متفلسف، يعلق الأخطاء على شماعة الماضي ولا يقدم أي حلول او رؤى جادة لمشكلات وتحديات الواقع.

هذه الأحزاب لا تختلف كثيراً عن أحزاب الحرية والعدالة أو النور أو غيرها من الأحزاب التي تتبنى أيدلوجية الاسلام السياسي، فهم يسيرون على نفس الخط تماماً، كراتين الزيت والسكر وأكياس اللحم وغيرها، بل ويقوم بعضها على أفكار عنصرية وفئوية مقيته، فالحزب يُرَغب مرشحيه في الترشح بإسمه بتقديم إغراءات مادية. وإدعاء توجيه كتل تصويتية معينة للتصويت لصالحه في الانتخابات. وتعينات في مناصب حزبية عليا على المستوى المركزي أو المحافظات، مع أخذ الضمانات الكافية واللازمة على المرشحين حتى يكونوا تحت قبضة يده وملك يمينه السياسي.

ما يخيفنى فعلاً في هذا العالم أن تتحول السياسة إلى بيزنس في صورة أي البيزنس السياسي وأن تتحول القيم والمبادئ بل والمرشحين والناخبين إلى سلعة تباع وتشترى، وهذا ما شاهدناه من إستخدام كثيف وملفت للمال السياسي في شراء أصوات الناخبين في انتخابات مجلس النواب٢٠١٥ وهو ما رصدته بعض المواقع والصفحات الإخبارية بالصوت والصورة، وهو ما لم نراه بهذا القدر في عهد الحزب الوطني السابق، وهو ما أنعكس أيضاً في الدور الهزيل للأحزاب في حشد ناخبيها على مدار يومي الانتخاب، فأغلبية من ذهبوا للتصويت لم يكونوا ممن ينتمون أو يؤيدون مرشحي الأحزاب ودليل ذلك أن عدد المرشحين المستقلين الذين خاضوا الإعادة في انتخابات المرحلة الأولى بلغوا ٢٣٥ مرشح مقارنة ٢٠٩ مرشح عن الأحزاب أي بنسبة ٥٣% للمستقلين من إجمالي ٢٢٢ مقعد إجريت عليهم الإعادة.

على المواطن أن ينتبه.. وعلى الدولة أن تفعل ضوابط الدعاية الانتخابية والرقابة على ميزانيات الأحزاب في إطار القانون، وأن يصطف الشرفاء من الإعلاميين من أجل الحفاظ على الدور الوطني للإعلام ومؤسساته ولاسيما الخاصة منها في صناعة وتشكيل الرأي العام بشكل مجرد ومنزه عن أي غاية.

السيد عبد الوهاب

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق