اقتصاديات الدخل للمواطن

بقلم/ د. أحمد عبد الكريم القحطاني
مصر : ۲٦-۱۱-۲۰۱۹ - ۹:۵۸ ص - نشر

اقتصاديات الدخل للمواطناقتصاديات الدخل للمواطن في ظل تحقيق نمو اقتصادي وعدم عدالة التوزيع. يعتبر علم الاقتصاد من العلوم الإنسانية التي تهتم بالسلوك البشري والرفاهية الاقتصادية بالمجتمع، وبدراسة الموارد المتاحة المحدودة والنادرة بالطبيعة.

لكن علم الاقتصاد يصنف عمليا بوطنا العربي بمسميات ووظائف عديدة اخري، فهو رمز الإنجازات والمكاسب عند السلطة، وهو علم ربوي عند البعض، وعلم البزنس عند رجال الاعمال، وعلم الشطارة والمصلحة عند من لا عمل له ولا وظيفة.

اما المواطن البسيط فعلاقته بعلم الاقتصاد علاقة منافع تعتمد على مستوي الدخل الذي يحصل عليه، أي اقتصاديات الدخل للمواطن ولا يهتم ولا يريد ان يهتم بمعدلات النمو والأرقام الإحصائية والاقتصادية البراقة، وهو في حقيقة الامر لا يفهمها ولا يريد فهمها. لكنه ربما يتابعها وينتظر ان تنعكس عليه وعلى حياته اليومية والمستقبلية بخدمات وعوائد مادية.

الاحباط الاقتصادي اصاب الافراد بالمجتمع، وأصبح رفيق اصيل لأغلب المواطنين بالمنطقة العربية، خصوصا الطبقات الوسطي، اما الطبقات الفقيرة فلم يعد لها أي طموح او تطلعات اقتصادية.

في نفس الوقت أصبحت الاختلافات والتباينات بمستوي الدخل كبيرة بين الافراد في الدولة الواحدة، وهو بسبب ما يسمي عدم عدالة توزيع الدخول، فظهر الفقر المدقع والثراء الفاحش وتلاشت الطبقة المتوسطة.

أيضا زادت الاختلافات والتباينات بمستوي دخل الدول والافراد بين الدول العربية وبعضها، ومن المحزن أن يكون أعلى متوسط دخل للفرد عالميا يتجاوز ١٠٠ ألف دولار في السنة لدولة عربية (قطر)، وأن أقل متوسط دخل للفرد عالميا أقل من ٤٠٠ دولار في السنة هو لدولة عربية (الصومال) وهذا بسبب غياب أليات التكامل والعمل الاقتصادي العربي المشترك.

لقد أصبح لدي المواطن العربي مشكلتين، وهما مستوي الأجور وعدم عدالة توزيع الدخل. ويجب ان نفرق هنا بين:
– متوسط دخل الفرد ويسمى (Per Capita Income) هو إجمالي الدخل القومي السنوي لدولة مقسوم على عدد افراد سكان الدولة
– الدخل الشخصي للفرد، بدون كلمة متوسط، يسمى (Personal Income) هو الدخل الذي يحصل عليه الفرد بصفته الشخصية كالرواتب والأجور.

وكلما تباعدت قيمة متوسط دخل الفرد مع دخل الفرد الشخصي، كلما ارتفع مؤشر عدم عدالة توزيع الدخل بالمجتمع. وهو غالبا بسبب منظومة الفساد الاقتصادي وتشوه الهيكل الاقتصادي للدولة، كتدني أجور وارباح القطاع الزراعي وارتفاع أجور القطاع الصناعي.

ان استمرار ظهور معدلات نمو اقتصادي وعوائد مالية ضخمة للدول هو بالتأكيد امر يحدث بالواقع الاقتصادي للدولة، الا انها تظل للمواطن ارقام مطلقة تحمل الكثير من علامات الاستفهام، وبخاصة إذا كانت تتعارض مع الواقع المعيشي للمواطنين.

وخير دليل على ذلك ما ينشر عبر التقارير الدولية والإقليمية عن الدخل والناتج المحلي الإجمالي للعالم العربي، وكذلك معدلات النمو المتحققة لهذا الناتج.

فالأرقام توضح تحسنًا مضطردًا، لكن الواقع يشير إلى المزيد من الفقر والبطالة والفشل وسوء الخدمات المقدمة للمواطن بأغلب الدول العربية.
اذن اين تكمن المشكلة!

لو نظرنا إلى اقتصاديات الوطن العربي مع الأخذ بالأعتبار اقتصاديات الدخل للمواطن سنجدها تنقسم إلى ثلاث مجموعات من حيث متوسط الدخل والوضع الاقتصادي وهذا هو التقسيم الذي ظهر في تقرير البنك الدولي عن توقعات النمو في العالم (Global Economic Prospects) عام ٢٠١٤ ونجد ان التقرير يقسم المنطقة العربية إلى ثلاث مناطق:

– منطقة اقتصاديات دول الخليج:
حيث الدخل المرتفع نتيجة عوائد تصدير النفط الكبيرة، ولكن سوء عدالة توزيع الدخول أظهرت مستويات فقر وتهميش كبيرة وصلت إلى ٢٠% بالسعودية و١٠ الى ١٢% بالبحرين وسلطنة عمان، مع نسب بطالة وصلت إلى ١٢% بالسعودية وبطالة مقنعة وصلت ٢٩% وهذه ارقام غير مقبولة ولا تتفق وطبيعة الأرقام المعلنة عن فوائض بالميزانية السنوية للسعودية، وتعني ان جزء من المواطنين السعوديين لا يحصلون على دخل عادل ولا توزيعات عادلة.

ومع ذلك يبقي المواطن بمنطقة اقتصاديات الخليج النموذج الاوفر حظا ورفاهية على مستوي اقتصاديات الوطن العربي.

– اما المجموعة الثانية والثالثة:
فجمع التقرير بين دول نامية مصدرة للنفط مثل العراق وليبيا والجزائر وسوريا واليمن والسودان، ودول عربية نامية اخري مستوردة للنفط مثل مصر والأردن والمغرب وتونس وفلسطين ولبنان.

وأوضح التقرير انها دول تستقر بعضها فوق خط الفقر العالمي ودول يقع ٣٠% من مواطنيها بين خط الفقر العالمي.

واشار التقرير ان دولة بالمجموعة الثانية مثل مصر، هي دولة نامية مستوردة للنفط وتمتلك اقتصاد كبير ولكن اقتصادها يعاني من تشوهات هيكلية، فبرغم انها تحقق معدلات نمو سنوي مستقرة ولكنها نموذج واضح لعدم انعكاس هذا النمو على اقتصاديات الدخل للمواطن والطبقات الوسطي والدنيا، حيث تزداد نسب البطالة والتضخم وضعف الأجور وضعف القوة الشرائية وضعف الخدمات بشكل مستمر سنويا.

اما المجموعة الثالثة فكان العراق حاضرا بقوة بالتقرير برغم خصوصية الحالة العراقية سياسيا وامنيا، الا ان الاقتصاد العراقي ثالث أكبر مصدر للنفط بالعالم، يعاني من نسبة بطالة وبطالة مقنعة غير رسمية وصلت ٣٣% ونسب رسمية تراوحت بين ١١ و٢٨%.

إن جزءاً كبيراً من عوائد النفط العراقية بعد ٢٠٠٣ والتي أوصلت ميزانية العراق إلى ١٠٠ ملياردولار عام ٢٠١٥ لم يصل مردودها الحقيقي إلى المواطنين العراقيين البسطاء، ويرجع ذلك إلى حد كبير (اقتصاديا) إلى اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط، والفساد الحكومي، وعدم القدرة على تنفيذ الميزانيات والفشل في تطوير القطاع الخاص.

وعلى الرغم من أن الناتج المحلي الإجمالي العراقي آخذ في الصعود، إلا أن المواطن العراقي العادي لا يشعر بذلك، فالخدمات المقدمة للمواطن والبنية التحتية للعراق، لا تعكس الميزانية الكبيرة التي تنفق، ولا يعكس مردود عوائد النفط، حتى مع ارتفاع رواتب الموظفين الكبير الذي حدث بالعراق بعد عام ٢٠٠٥، فإن تقاضي رواتب أكبر لا يعني بالضرورة المزيد من القوة الشرائية بسبب ارتفاع معدلات التضخم. فقد تجاوز تضخم الأسعار الاستهلاكية بالاقتصاد العراقي ٥٠ بالمائة و(قدرته بعض المصادر بما يصل إلى ٧٦.٥ بالمائة) في عام ٢٠٠٦ إلى ٢٠١٢.

هذا يعني ان نماذج تحقيق نمو اقتصادي بدولة نامية مستوردة للنفط مثل مصر، ونموذج تحقيق عوائد مالية كبيرة بدولة نامية مصدرة للنفط مثل العراق، لا يوجد له أي مردود حقيقي ملموس على الدخل الشخصي للأفراد، فمعدلات النمو والعوائد المالية تظهر وتنعكس فقط نظريا على مؤشر متوسط الدخل السنوي!

وبالتالي يظهر امامنا مؤشر عدم عدالة توزيع الدخول، والذي سيجعلنا نتعرف إلى أي مدي تنتشر منظومة الفساد الاقتصادي والاختلال الهيكلي للاقتصاد الوطني.

لقد أصبح لدينا معادلة اقتصادية شاذة، حيث أن تحقيق معدلات نمو سنويا تؤدي إلى زيادة الدخل القومي للدولة وبالتالي ارتفاع متوسط الدخل الفردي السنوي ولكن زيادة عدم عدالة التوزيع للدخول (بسبب الفساد والاختلالات الهيكلية للقطاعات الاقتصادية) لم تؤدي لزيادة الدخل النقدي الحقيقي الشخصي للأفراد، بل ربما زادت مشاكل الفقر والعوز الاقتصادي.

ان عدم معالجة مستوي الأجور وعدالة توزيعها، أسس لظهور منظومة الفساد الاقتصادي والغش التجاري والرشاوي الاجتماعية والمهنية والكيانات العلمية والاقتصادية الاستغلالية والوهمية، كبديل عن المشروع الاقتصادي التنموي حيث أصبحت منظومة الفساد الاقتصادي والاجتماعي هي البديل الأقرب والاسهل لتحقيق مكاسب وطموحات الافراد بالمجتمع.

وإلى ان ينتبه أصحاب القرار الى أهمية تحسين مستوي الأجور وتوفير دخل حقيقي لكل مواطن وفقا لقواعد عدالة توزيع الدخول، لتلائم وتتقارب مع الدخل الحقيقي للدولة، ستبقي مشكلة الفساد الاقتصادي والاجتماعي ظاهرة تفرض نفسها كواقع على المجتمع وتشرعن لبقائها، ويبقي المواطن العربي البسيط لا يهتم ولايفهم تلك المؤشرات الاقتصادية، برغم انه سيستمر في متابعتها على امل ان يجد مردودها الخدمي والمادي يعود عليه بالمنفعة.

د. أحمد عبد الكريم القحطاني

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق