القلم والورق الأبيض

القلم والورق الأبيض

القلم بين الأصابع والورق الأبيض امامي ورائحة القهوة تصدر من فنجان تدغدغ أفكاري، فتتبخر في الرشفة الأولى، اعيد أخرى تتزاحم الأفكار والحكايات في رأسي، يتحرك القلم فيكتب ويمرح فوق الورق الأبيض. وتلك علاقة القلم والورق الأبيض.

لقد كتب وصدق وعبر في يد صادقة، وقال الحق ونقد وأغضب، وغير تاريخا وخط مستقبلا وأصلح أشياء وانجز. لكنه كذب ونافق في يد غير نظيفة، وكتب ومجد وأعلى وأسقط، ونسي هموم الامة، وعشق ما في جيب حامله وتعلق.

احتج القلم وصاح: "لست المتهم الوحيد، فلي شريك، لماذا سكت الورق الأبيض وهو السجل المسجل وقبل النفاق والكذب وسكت على الباطل ولم يعارض ولا رفض".

دافع الورق ورد: "ما حيلتي انا الجماد مع ما تأتيه يد الإنسان، يكتب فيكذب، ويداهن ويغير الأحوال والأجواء والفصول، فالصيف يصير شتاء والخريف ربيعا، والفاشل ناجحا والانتهازي وطنيا، والسارق شريفا والصعلوك بطلا. ما ذنبي أنا الورق؟".

رد القلم وأقنع: "أنا مغلوب على امري، أنا وسيلة لعرض أفكار الماسك بي على الناس، والتواصل معهم والتألم لألمهم والفرح لفرحهم، او الكذب عليهم ومغالطتهم. المذنب هو من استعمل الكلمة من اجل التغلغل في أعماق الناس، والتأثير عليهم وقلب حياتهم رأسا على عقب".

واصل القلم: المذنب الحقيقي من مسكني وكتب، وقتل أمة ونهب وطن، الذنب ذنب من مجد ثورة جوعت أمة وقتلت شعبا وخربت وطنا. تجمعت الأقلام وتظاهرت، واشتكت: "سيدي القاضي نطالب بقطع يد كل من مسكنا ليكتب فيكذب"، وانضمت لها الاوراق في الفكرة.

طلب القاضي إحضار الآيادي لتحاكم، فالعدل اساس العمران، طلب القاضي من الآيادي ان تدافع، نطق زعيمهم وقال: "سيدي القاضي أنا اكتب فكرة والفكرة مصدرها العقل والعقل في الدماغ، فظلم ان تحاكم يد تكتب ما أملى عليها عقل مغفل وسط دماغ مغلق".

بعد المقال الحالي شاهد:
عندما تسمو نفسك

اعترض الدماغ وقال: "العقل هو المسؤول، هو من يفكر ويدبر، أما أنا فدوري حمايته، فلماذا ينكر المعروف وأنا حاميه من كل مكروه".

رد العقل وقال: "أنا لا أملك مكانا محسوسا، أنا مثل الروح، أنا أخلق الأفكار في الدماغ، أنا أفكر، أنا أتذكر، أنا أتخيل، أما الدماغ فهو مركز السيطرة والجهاز المركزي فهوالمسؤول".

احتار القاضي والتفت الى مستشاره وطلب المساعدة، اجاب المساعد وقال: "البشر مخلوقات بالعقل متميزة على كل الكائنات وليس بالدماغ، فالعقل شيء حيوي مليء بالغموض وهو متغير باستمرار، اما الدماغ فيحمل للعقل ما يحتاج إليه للعمل وعندما يخطئ الدماغ يكفي ان يتزود بالسكر والماء، ولكن عندما يخطا العقل فان خطأه يكون جذريا".

زادت حيرة القاضي واكتأب، وعلى مستشاريه غضب، وطلب توضيحا ونصيحة، نظر إلى مسشاره ولرأيه طلب، قال: "سيدي القاضي أين الضمير من كل هذا فهو المميز بين الخطا والصواب والعارف للخير والشر، فهو ميزان الحس والوعي للتمييز بين الصواب والخطأ".

قال القاضي: "اعدموا الضمير فبموته يقف العقل ويسكت الدماغ ويتحقق العدل"، علق مستشار القاضي وسأل: "سيدي القاضي اين يوجد الضمير لنعدمه؟" أجاب القاضي وهو يتنهد: "يموت الضميرويعدم حين تفسد الاخلاق، ويموت الصدق وتدفن الثقة، حين نخاف قول الحقيقة، حين تتعطل إنسانية الانسان، ويغدو صاحب العقل لايفقه، حين يهلك الرجل المهذب وصفيق الوجه يبجل، يموت الضمير عندما ينتشر كلام الزور والخيانة وتزييف التاريخ وهدم الحقيقة ويصير الخائن للأمانة صائنا".

سكت القاضي قليلاً ثم بالحكم نطق وقال: "ارى أن العلاقة بينكم معقدة، لذا قررت وحكمت بقطع الدماغ حاملة العقل صاحب الفكرة، وتترك اليد حاملة القلم الى زمن العفة". فماذا عن علاقة القلم والورق الأبيض؟

انشر تعليقك