أيها الفتى العاملي.. سلاماً

بقلم/
مصر : ۲۷-۹-۲۰۱٤ - ۷:٤۲ ص - نشر

أيها الفتى العاملي.. سلاماً"طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ.. فزعتُ منه بآمالي إلى الكذب.." أبو الطيـِّب المتنبي.

غيّب الموت، في الأسبوع الماضي، المناضل والكاتب اللبناني السـَّيد هاني فحص، بعد صراع مع المرض عن عمر ٦٨ عاماً. وبرحيله يفقد لبنان عموماً والطائفة الشيعية خصوصاً شخصية فذّة ورجل دين وحوار وعلم فكر.

رنَّ هاتفي النقال وأنا في غرفة الإنعاش في المستشفى.. "صديقك السـَّيد هاني فحص إنتقل إلى رحمة الله.. إنـَّا لله وإنـَّا إليه راجعون.. البقية في حياتك".

نزل عليّ الخبر كالصاعقة. فأنا ما سمعت السـَّيد هاني فحص خطيباً أو محاضراً، وما قرأت له مقالة أو دراسة إلا وازداد تعلقي به وإعجابي بفكره المتنور، ووطنيته الصافية، وبلاغته اللغوية التي قلّ نظيرها. ليس في مقدور أي كلام يكتبه أي قلم مهما كان سَيَّالا أن يعبر عن الخسارة الكبرى التي نزلت على فكرة الحرية، عندما غاب عن دنيانا ذلك المناضل والكاتب اللبناني المتوهج السـَّيد هاني فحص.

حين وصلني نبأ رحيله تذكرت بيت الشعر المأثور عن أبي الطيب المتنبي، عندما جاءه نبأ وفاة صديق عزيز:
"طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ.. فزعت منه بآمالي إلى الكذب.."

ومن سوء الحظ أنه لا الأكاذيب ولا الحقائق، ولا الشعر، ولا الدموع تكفي للتسليم بأن المقادير شاءت وحكمت، وجاءت وذهبت ومعها السـَّيد هاني فحص إلى عالم بعيد.

تعود معرفتي بالسـَّيد هاني فحص إلى السنوات الأولى من عملي في مركز التخطيط الفلسطيني في بيروت في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي، ومنذ ذلك الوقت بقي السـَّيد هاني فحص مناضلاً ومفكراً عميقاً وصافياً في لبنانيته وفلسطينيته وعروبته. ولم يتهيب يوماً عن إعلان أفكاره الذاهبة بعيداً في الدفاع عن مصالح الفقراء من أبناء شعبه وأمته وشعوب العالم، وكل الذين يناضلون ضد الاستبداد ومن أجل المساواة والحرية والعيش الكريم.

عندما كنت ألتقيه في المناسبات الثقافية في بيروت، كنت أقبِّل عمامته السوداء وأقول له: كم نحن بحاجة إلى مثل هذه العمامة العلمانية التي تعرف كيف تجمع بين المسيحية والإسلام، وبين الأصالة والتراث والحداثة. كان السـَّيد هاني فحص قامة ثقافية شجاعة لا تخشى في قول كلمة الحق لومة لائم. وقف صامداً في وجه رياح الفتنة ضمن أبناء الدين الواحد وضمن أبناء الوطن الواحد.

منذ عودته من النجف قبل أكثر من أربعين عاماً رسم السـَّيد هاني فحص صورة لرجل الدين جديدة وغير مألوفة. ولم يعد من الممكن أن يفصل المرء مسيرة السـَّيد هاني فحص الشخصية عن مسيرة العالم من حوله، ولا عن الشأنَين الوطني والقومي. فهو حاضر ليلبي، عبر حركة فتح في سبعينيات القرن الماضي، نداء العودة الشاقة إلى فلسطين. وهو حاضر ليؤسس مع العديد من المبدعين "منتدى أدباء الجنوب"، قبل أن تعصف الحرب الأهلية بكل حلم ثقافي مماثل. وهو حاضر للإسهام الفاعل في الحوار الإسلامي المسيحي كما في "المؤتمر الدائم للحوار".

وعلى الرغم من كثرة أنشطته والتزاماته وأسفاره، فقد وجد السـَّيد هاني فحص الوقت الكافي ليصدر أربعة عشر كتاباً في السـِّيرة والسياسة والفكر والاجتماع. ورغم تنوع قراءاته واتساع تحصيله المعرفي الموزع بين الماضي والحاضر، أو بين التراث والحداثة، فإن لغته لم تجنح إلى التأليف الذهني البارد والتعسف، بل وجدت مصادرها في بروق الأماكن الأولى، والأزمنة التي تمت خسارتها، والينابيع الطرية للطفولة الغائرة.

إلتقيته ذات يوم من بدايات الثورة الإسلامية في إيران. حدثني بفرح حقيقي عن هذا الانتصار التاريخي للثورة التي "ستعيد للإسلام زخمه الثوري". كان عظيم التفاؤل. وحدثني عن لقاءاته مع الإمام آية الله الخميني الذي "يتحلى بروح ثورية وزخم يفوق ما يتميز به الشباب".

بعد خروج الثورة الفلسطينية من لبنان رأى السـَّيد هاني فحص أن من واجبه أن يظل معها حيث تكون. وقد ظل على صلة بقيادتها حتى النفس الأخير.

في هذا الزمن العربي المـُسربل بالسواد والكراهية والرؤوس المقطوعة يبدو وجود السـَّيد هاني فحص أكثر من ضروري لإنقاذ الدين من أنبيائه الكذبة ودجاليه الدمويين. ويبدو وجوده ضرورياً لمنع التشيـّع من التخثـّر والتصحـُر والاستسلام لنشوة السلطة، ولإعادته إلى نصابه الحقيقي المتصل بالتأويل والاجتهاد والاعتراض على السائد وصياغة المثال الأرضي.

يدهشك السـَّيد هاني فحص في حضوره اللامع والمتواضع، في دقة متابعته للتطورات، سرعة خاطره، وشمولية رؤيته للمشهد العربي، وجرأته في المواضيع التي يطرحها، ومن بينها ان الانسان العربي كان غريبا ولا يزال في وطنه، وكان يتألم لهذا السقوط المريع للفكر العربي، حتى بات الواحد منا يخجل من ان يقول أنه عربي.

ولا شك في أن الواقع المأساوي لهذه الأمة المتخاذلة والمهزومة، والتي تتلقى الضربات ولا تستطيع الرد عليها، والأوضاع السائدة في فلسطين والعراق قد أثرت في قلب الرجل، فآثر راضيا الرحيل، تاركا وراءه هذا الهبوط لأمة تزعم أنها "خير أمة أخرجت للناس".

السـَّيد هاني فحص، أيها الأستاذ الكبير والأخ العزيز والصَّديق الصَّدوق، هل أقول سلاماً، أم أقول وداعاً؟! أنت أكبر من السلام، وأكبر من الوداع.

سعادتي أنني عشت في زمن الكبار ومن بين هؤلاء الكبار عملاق لبناني تعلمتُ منه كيف أطرح السؤال عن الانتقال من زمني إلى زمني، وكيف أبقى مخلصا لما تعلمت منه على الرغم من أن كل ما يحيط بنا في هذا العالم العربي الممتد من طنجة الى أم القيوين يقدم الخيبة تلو الأخرى، والنكسة تلو الأخرى، حتى نكاد نندم على ما تعلمناه وما كنت فعلت.

السـَّيد هاني فحص، سلاما وتحية، ففي التحية الحياة… التحية هي المحافظة على وديعتك التي أودعتها لدى كل من لا يزال مؤمناً بأن المقاومة هي كل ما نملك، وبأن الوعي النقدي هو الطريق.

كتاباتك ومحاضراتك علـَّمت الكثيرين الثبات على المبدأ، ومواصلة طريق المقاومة: أبجدية من أعطوا للبشرية، عبر تاريخها الحضاري الطويل الذي يمتد عبر آلاف السنين، ما تستحق به الاقامة على الأرض.

السـَّيد هاني فحص، أيها الفتى العامليّ… سلاما!

د. عـبد القادر حسين ياسينSweden

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق