النكبة الفلسطينية التي صنعتها اتفاقية أوسلو

النكبة الفلسطينية التي صنعتها اتفاقية أوسلو

لم يمر على بدو خربة حمصة حدثٌ كما الذي شهدوه في شهر فبراير الماضي، حين اقتلعت القوات الإسرائيلية الأشجار ودمرت المنازل في واقعةٍ وصفها أحد الشهود بأنها "النكبة الثانية”. ففي ١٦ فبراير، هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلية قرية خربة حمصة للمرة الخامسة، تاركةً ما يقارب أربعة وسبعين فلسطينيًا بلا مأوى، أكثر من نصفهم أطفال، في ظل جائحة صحية وأزمة اقتصادية خانقة. ومع ذلك يؤكد سكان القرية رفضهم "الرحيل عن المنطقة حتى لو اضطرهم ذلك للبقاء دون مأوى”. إنها النكبة الفلسطينية التي صنعتها اتفاقية أوسلو.

على الرغم من مأساوية قصة خربة حمصة، فهي ليست بالجديدة أو الأولى من نوعها في تاريخ فلسطين، خاصةً في السنوات الأخيرة. إذ سارعت القوات الإسرائيلية في السنوات الأربع الماضية وتحت إدارة ترمب إلى تنفيذ خطط الهدم في جميع أنحاء الضفة الغربية ومناطق القدس الشرقية بالقرب من المستوطنات، وجميع المناطق التي يعدّها الاحتلال الإسرائيلي "مغلقةً"، بما في ذلك التجمعات البدوية مثل خربة حمصة.

سياسة الهدم والتطهير العرقي

تهدف عمليات الهدم المتكررة وبكل وضوح إلى إبعاد سكان هذه القرى عن أراضيهم، وذلك بالتضييق عليهم وجعل العيش والبقاء في هذه المناطق حياةً لا تطاق. وبهذه الطريقة، تتمكن إسرائيل من تحقيق هدفها المتمثل في التطهير العرقي للسكان العرب الأصليين.

عندما جرى توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل، تقسَّمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: (أ) و(ب) و(ج). وجاء التقسيم بحيث تضم المنطقة (أ) كافة المدن والبلدات التي تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، بينما تقع المنطقة (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية، أمّا المنطقة (ب) فتعد مشتركة بين الطرفين.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
اللاجئ الفلسطيني.. ٦٣ عاماً وللعودة أقرب

بناءً على التقسيم السابق، كان يفترض بالسلطة الفلسطينية، المنبثقة عن هذا الاتفاق، السيطرة على مناطق أكثر من الضفة الغربية، إلى أن تُمنَح في نهاية المطاف كيان الدولة بحلول عام ١٩٩٩. لكن هذا لم يحدث. عوضًا عن ذلك، سُمحَ للسلطة الفلسطينية بالعمل وبناء وزاراتها ومكاتبها في المنطقة (أ) التي تغطي ١٨% فقط من الأراضي الفلسطينية، وبالعمل جزئيًا في المنطقة (ب) التي تغطي حوالي ٢٠% من الأراضي. بينما لا يُسمَح لها إطلاقًا بالعمل في المنطقة (ج) التي تغطي ٦٢% من الأراضي الفلسطينية.

أما "الدولة الفلسطينية" فلم تنشأ أبدًا، على الرغم من تشييد وإنشاء الوزارات في رام الله. وهكذا تمكنت إسرائيل من تحقيق وضع يُعطي الانطباع بسماحها للفلسطينيين بممارسة الحكم الذاتي، ويديم بالتوازي الوضع الراهن للسيطرة الإسرائيلية على الأرض. علاوة على ذلك، وفر هذا الترتيب غطاءً للتوسع الاستيطاني والتطهير العرقي المستمر، ودفع الفلسطينيين بعيدًا عن الأراضي الزراعية والنزوح أكثر وأكثر إلى التجمعات الحضرية الصغيرة.

ضم الأراضي الفلسطينية بحكم الأمر الواقع

تقع خربة حمصة تحديدًا في محافظة طوباس شمال غور الأردن، أي في المنطقة (ج). كانت هذه القرية مجتمعًا مأهولًا بشكل كبير وعلى نحو مستمر منذ عقود سابقة لاحتلال عام ١٩٦٧. ونشأ مجتمعها، مثل العديد من القرى الفلسطينية، من عائلات مترابطة تمتلك تلك الأراضي وتعيش عليها وحولها بشكل موسمي. حيث يستخدمونها للرعي والزراعة وكسب قوتهم أحيانًا. إلا أن منظمات الهسبارا الإسرائيلية تدعي أن هذه المجتمعات لم تكن موجودة قبل عام ٢٠١٣.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الإسرائيليون فرحون بغياب فخري زاده

بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام ١٩٦٧، وجدت خربة حمصة نفسها ملقاة في إحدى المناطق التي أعلنتها إسرائيل "منطقة عسكرية مغلقة"، مدعية أنها بحاجة إلى منطقة عازلة بينها وبين الأردن. فصودرت جميع الأراضي التي استخدمها القرويون "لأسباب ودواعي أمنية”.

يجدر بالذكر أن العديد من القرى المماثلة فقدت أراضيها بعد ذلك بفترة قصيرة لصالح المستوطنات الإسرائيلية. وعندما هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضم هذه الأراضي لإسرائيل، بحيث يفقد الفلسطينيون حقهم فيها وتصبح تحت السيطرة الإسرائيلية، كان هؤلاء القرويون في المنطقة (ج) الأكثر عرضة للتطهير العرقي وإبعادهم عن أراضيهم بشكل مباشر وفوري.

ويلاحظ أحد الخبراء أن "هذه المناطق جرى ضمها بالفعل بحكم الأمر الواقع وستظل في حوزة إسرائيل”. ويواصل قائلاً "ما دامت إسرائيل تمتنع عن إضفاء الطابع الرسمي على الضم، فإنها تحجب الحقوق المدنية عن ملايين الفلسطينيين إلى أجل غير مسمى، بينما تقدم كل أشكال ووسائل الدعم للإسرائيليين في الأراضي المحتلة”.

وهذا ما يحدث بالفعل، فقد تراجعت إسرائيل رسميًّا عن ضم الضفة الغربية، وذلك من أجل تحقيق التطبيع الرسمي والتنسيق الاستراتيجي الأكبر مع الدول العربية المطبّعة، وكذلك من أجل منع المجتمع الدولي من اتخاذ أدنى ردود الفعل. وهكذا تواصل إسرائيل سياساتها الخاصة بسرقة ومصادرة الأراضي دونما توقف ولا انقطاع، وتحافظ على استمرار تمثيلية المحادثات الجارية.

خربة حمصة: التجزيء الجغرافي والحصار الداخلي

خربة حمصة إحدى الأمثلة على تبعات وتجليات اتفاق أوسلو الذي يجد الفلسطينيون أنفسهم مضطرين للتعامل معها اليوم، حيث عرَّض هذا النموذج أجزاءً كبيرة من الأراضي الفلسطينية والعديد من المناطق الفلسطينية لخطر السرقة والهدم المستمر. فضلًا عن دفعه الفلسطينيين إلى مساحات أصغر وأضيق وحصرهم فيها.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الأسير ماهر الأخرس تتدهور حالته وعائلته تقول السلطة خذلتنا

وقد شهد عام ٢٠٢٠ تكرارًا متزايدًا "لهدم المباني الفلسطينية الخاصة والعامة، بمعدل بلغ ضعف متوسط عدد المباني التي دُمّرت على أساس سنوي على مدى السنوات العشر الماضية”. فانتهى الاتفاق الذي جاء حجر أساس لبناء دولة إلى تفتيت الفلسطينيين وتجزيئهم جغرافيًا عن بعضهم البعض، نتحدث هنا عن الضفة الغربية وحدها فقط، ناهيك عن الانقسام في الحكم بين غزة الواقعة تحت الحصار الكامل والضفة الغربية.

مع ذلك، تستمر السلطة الفلسطينية في متابعة المحادثات غير المجدية بموجب اتفاقيات أوسلو، كأن إسرائيل ستوافق على إقامة أية دولة أو تفكر حتى في إزالة أية مستوطنات أو تسمح للفلسطينيين في بناء القرى التي دمّرتها إسرائيل.

تفتيت الحراك الشعبي الفلسطيني

أثرت هذه التجزئة بشكل كبير على قدرة الفلسطينيين على التنسيق ومواجهة تحدياتهم المشتركة. إذ لم ينفصل الفلسطينيون عن بعضهم البعض جغرافيًّا فحسب، بل يعيشون اليوم تحت أوضاع متفاوتة ومتضاربة، ثمرة تجارب نموذج أوسلو. فالبعض يعيش بشكل مباشر تحت حكم السلطة الفلسطينية مستفيدين إلى حد ما من تلك المساحة، بينما يعيش آخرون غير مشمولين بالحكم الذاتي الفلسطيني المحدود أصلاً. وهؤلاء هم من دُفِع بهم قسرًا وعلى نحوٍ كليّ إلى هامش القضية الفلسطينية، كنتيجة عن النكبة الفلسطينية التي صنعتها اتفاقية أوسلو.

أدى ذلك بطبيعة الحال إلى تباين المصالح بين الفلسطينيين أنفسهم. إذ يرى البعض أن ثمة منفعة من معارضة ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة مباشرة، حيث أن سبل عيشهم ومنازلهم هي المعرضة للخطر في أية لحظة. بينما يربط البعض الآخر استقراره باستمرار الوضع الراهن للحكم الذاتي للسلطة الفلسطينية. ويواجه آخرون عوائق عدة أمام التنظيم السياسي والاجتماعي، بما في ذلك قمع السلطة الفلسطينية.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
غزة بين الجدران والسندان

للفلسطينيين تاريخ طويل في الحراك الشعبي الجماهيري، حتى قبل الانتفاضات الشهيرة. إذ نظَّم الفلسطينيون احتجاجات مباشرة لمعارضة الاحتلال الإسرائيلي، وتمكنوا في مراحل حرجة في التاريخ من تحقيق انخراط ومشاركة شريحة كبيرة من السكان في هذه الاحتجاجات. وهذا ما دفع نحو نجاح "انتفاضة الحجارة" التي اندلعت عام ١٩٨٨ رغم القمع الإسرائيلي لها. إلا أنَّ خيار الحراك الشعبي ما عاد ممكنًا كما كان عليه الحال في السابق، فالتشظي السياسي والجغرافي الذي تمخض عن اتفاقية أوسلو أدى إلى تفكك المجتمع الفلسطيني وتعقيد مهمة مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر. وخربة حمصة ليست سوى عارض أو أثر جانبي لديناميت اتفاقية أوسلو. وتلك نظرة على جانب من النكبة الفلسطينية التي صنعتها اتفاقية أوسلو.

[/responsivevoice]

انشر تعليقك

 
Top