واقع النساء وحقوقهن أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

مصر : ۱۱-۱-۲۰۱۹ - ۷:۲۰ م - نشر

على الرغم من الخبرات السابقة التي اكتسبتها النساء الفلسطينيات خلال تجربتي حرب ٢٠٠٨، ٢٠١١، إلاّ أنّ حرب تموز/يوليو كانت الأشد قسوةَ ومرارةَ على الفتيات والنساء اللواتي وجدنّ أنفسهّنّ في صراعٍ مريرٍ من أجل البقاء والحفاظ على أطفالهنّ المروّعين في ظل استمرار انعدام الأمن والشعور المتكرر بالخوف والمعاناة اليومية، وما يزيد الأمر سوءاً أنّ الدمار الشامل جعل أكثر من ٥٠٠ ألف شخص، أي ما يعادل ٢٨% من مجمل السكان، نزحوا من بيوتهم إلى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" والمدارس الحكومية، إضافة إلى الملاجيء غير الرسمية كالمساجد والكنائس والمباني غير المأهولة والعائلات المستضيفة، قضوا خلالها أياماً قاسية، مليئة بالمعاناة والحرمان والشعور المستمر بالخوف والتهديد وانعدام الأمان وسبل الحماية، الأمر الذي يضاعف من الأعباء الملقاة على كاهل النساء أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، في مراكز تفتقر إلى العديد من مقومات الحياة، وغير مهيأة تماماً لتكون مراكز إيواء من المفترض أن تتوافر فيها مقومات الحد الأدنى للبقاء.

وقد استهدف العدوان الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة خلال هذا عام ٢٠١٤ المدنيين/ات بشكلٍ كبيرٍ للغاية، وأدى إلى انهيار كامل لمقومات حياتهم اليومية، بشكلٍ لم يسبق له مثيل، ومارست إسرائيل خلاله جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقد طالت الآثار الاجتماعية للعدوان/الحرب الأسر الفلسطينية جمعاء في جوانب متعددة ومتشابكة في كثيرٍ من الأحيان، تمثلت في التهجير واللجوء وتفكك العائلات والقضاء على شبكات الأمان والاتصال بسبب التفكك الجغرافي، كما أجبر واقع التهجير والنزوح على انقسام العائلات والأسر في أكثر من مكان، ما أدى في كثير من الأحيان إلى تبدل الأدوار التقليدية للنساء والرجال، خاصة في حال عدم قدرة الأب على القيام بدوره التقليدي في توفير الحماية لعائلته وإعالتها، وفي كل الأحوال فإنّ انتزاع المرأة من محيطها الطبيعي، الذي نشأت فيه وتأقلمت مع كل مقوماته، أثر بشكلٍ سلبي كبير على واقع المرأة وعلى إمكانيات قيامها بدورها في الاهتمام بعائلتها وتحقيق ذاتها.

فقد أدى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى تجدد العنف الأسري والعنف الموّجه ضد النساء بشكلٍ كبير لأسباب مركبة ومتشابكة منها أنّ عملية التهجير الواسعة التي تعرض لها سكان القطاع ، أدت إلى أن أصبح ٢٨% من السكان بلا مأوى، فاضطروا إلى اللجوء إلى مراكز الإيواء الطارئ في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" والتي استقبلت ٢٩٣,٠٠٠ نازح/ــة والمدارس الحكومية التي استقبلت  ٤٩,٠٠٠، إضافة إلى الملاجئ غير الرسمية كالمباني غير المأهولة والكنائس والمساجد والعائلات المستضيفة ويقدر عدد النازحين إليها بحوالي ١٧٠,٠٠٠. "ويقدّر أنّ  ١٠٨,٠٠٠ شخص سيظلون مهجرين على الأمد الطويل نظراً لأنّ منازلهم أصبحت غير قابلة للسكن بسبب تدميرها أو تعرضها لأضرار جسيمة".

وقد أدى التهجير إلى شيوع مشاعر الخوف والإحباط والضغط النفسي وجميعها قاد إلى وقوع العنف، خاصة تجاه الفئات الأكثر هشاشة كالفتيات والنساء والأطفال وكبار السن والمعاقين/ات في ظل إعاقة -وفي كثير من الأحيان- تعطيل قدرة المؤسسات الإنسانية على العمل ورصد الأوضاع بطريقة آمنة. خاصة في ظل النظر إلى النساء والفتيات كحاملات لثقافة معينة فيعُتبرنّ مدخلاً للحفاظ على الهوية أمام العدو بانتهاكاته المتعددة للنساء والرجال على حد سواء وبالتالي يصبحن أهدافًا رئيسة للثقافة الأبوية المهيمنة التي تفرض توجهاتها وشروطها بقوة أثناء الحرب. ارتباطاً بذاك التوجه السائد في أيام السلم والذي يشتد التمسك به أثناء الحروب تُستغل النساء بسبب مسؤولياتهن وارتباطاتهن الأمومية، مما يضاعف من تعرضهنّ لأخطار سوء المعاملة.

خلال الحرب تعرضت الفتيات والنساء لأشكال ومستويات مختلفة من العنف نتيجة الأجواء المشحونة بالغضب والخوف والقلق، واكتظاظ المكان بالعائلات من مناطق جغرافية وخلفيات ثقافية متنوعة، وعدم الخصوصية وخوف الأزواج على زوجاتهم وأبنائهم بسبب الاختلاط بين الذكور والإناث في المدارس وقد تراوح العنف الممارس ضد الفتيات والنساء في مراكز الإيواء والأسر المستضيفة بين العنف اللفظي والجسدي والعنف الجنسي، وغالباً ما يكون الزوج هو الذي يمارس العنف ضد زوجته من خلال: التلفظ بألفظ مسيئة ومهينة وأمام الجميع، إضافة إلى الصراخ والنظرات التي تحمل معنى الغضب، ما يضع النساء في حالة ارتباك وخوف وترقب وقلق إضافة إلى أنها تولد مشاعر الغضب والكره من الزوجة تجاه زوجها.

لقد أثبتت الحروب المتتالية التي تعرض لها قطاع غزة أنّ النساء هنّ الأكثر معاناة وتحملاً للأعباء الجديدة التي تفرضها الحرب وحالات التهجير الناتجة عنها، التي أدت إلى ارتفاع وتيرة العنف الأسري والمشاكل المرتبطة بالحمل والولادة وانعدام الخصوصية وعدم القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، ومن ثم تعريض سلامتهنّ الجسدية والنفسية للخطر.

إنّ التمييز والتعرض المستمر لضغوطات مختلفة بفعل هيمنة النظام الأبوي، تؤدي جميعاً إلى تفاقم أوضاع الفتيات والنساء في السلم والحرب على حد سواء وإن ازدادت حدتها وتعمقت في أوقات الحرب، بحيث أصبح العنف ضد النساء ملحوظاً بشكلٍ كبير في أماكن اللجوء المختلفة، وقد عبرت العديد من النساء المبحوثات بأنهنّ تعرضّن لأشكال متعددة من العنف جسدياً كالضرب ونفسياً كالسب والإهانة أمام الأخرين والقيود على الحركة داخل تجمعات الإيواء سواء في مدارس الوكالة أو في الأسر المستضيفة. وقد أشارت النساء في مقابلات مع العديد منهنّ إلى تعرضهنّ للعنف في مراكز الإيواء، نتيجة التدافع عند التسجيل واستلام المساعدات واكتظاظ الغرف، وأضفنّ أنّ أكثر حالات العنف تقع بين الأزواج، نتيجة الضغط النفسي والقلق والخوف الناتج عن الاكتظاظ وأفدنّ إلى وجود التحرش الجنسي بنسب متفاوتة، فيما أشارت أكثر من واحدة إلى أنّ النساء يعانين من حرمان جنسي لعدم الاقتراب من الأزواج وعدم وجود أماكن مخصصة للأزواج في معظم مراكز الإيواء وصعوبة ذلك في الأسر المستضيفة.

وقد تبين أنّ الخدمات المقدمة من قبل المؤسسات المختلفة تتشابه إلى حد كبير وتنحصر في تقديم الدعم المادي والعيني المحدود والدعم النفسي/الاجتماعي لفئات وشرائح اجتماعية محددة، وهي خدمات علاجية أكثر منها وقائية وغالباً ما تتم في أماكن اللجوء وبشكل جماعي قد يحول في بعض الأوقات دون الاستجابة الفعالة لدى بعض الحالات الخاصة التي تحتاج إلى الدعم النفسي الفردي والمستمر. هذا على الرغم من إحجام عدد كبير من الفتيات والنساء عن اللجوء لطلب المساعدة من أحد خارج نطاق الحيز الخاص وهو سلوك مبرر إذا نظرنا إليه في إطار الثقافة السائدة التي تنظر للفتيات والنساء اللواتي يطلبنّ دعماَ ومساندة وحماية من العنف متمردات على الأعراف والتقاليد ينبغي أن يعاقبن. كما تبين أنّ الغالبية العظمى من هذه الخدمات تركزت حول الإرشاد والدعم النفسي وقد تم تقديمه بعد انتهاء الحرب وليس أثناءها باستثناء عدد محدود من الأنشطة غير المنتظمة.

المقابلة كمصدر للمعلومات عن العدوان الإسرائيلي:

تعد المقابلة مصدراً مهماً للحصول على المعلومات، خاصة في الدراسات الميدانية التي تستمد معلوماتها من الواقع والناس مباشرة وقد اعتمدت في هذه الدراسة بشكل كبير على المعلومات الميدانية المستقاة من جهات مختلفة على صلة مباشرة بموضوع الدراسة، كإجراء مقابلات مهيكلة مسبقاً Structured Interviews لقدرتها على أن تقود إلى فهم أعمق للعوامل المؤثرة في المشكلة المطروحة، وقد بينت المقابلات النتائج التالية:

١- استوعبت مراكز الإيواء العائلات المهجرة بنسبة ٢٦%، فيما كان نصيب العائلات المستضيفة نسبة ٢١% والأقارب ١٨%، ما يعني أنّ ما يقرب من ٣٩% من العائلات المهجّرة لجأت إلى عائلات مستضيفة من الأقارب، الأمر الذي يتوافق بشدة مع الثقافة السائدة في قطاع غزة، الذي يرفض الخروج من عباءة العائلة الممتدة انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على أفراد العائلة خاصة الفتيات والنساء، وعدم القبول بانكشافهن على غرباء مهما صعبت الظروف والتحدّيات، وحتى لو تعلق الأمر بالحفاظ على الحياة. بينما لجأت بعض العائلات بنسبة ٧% إلى الجيران من أصحاب البيوت الأكثر أمناً قياساً بغيرها في المنطقة نفسها، خاصة في المخيمات التي تتمتع بعلاقات اجتماعية قوية إلى حد كبير، فيما تدل نسبة العائلات المهجرة ،التي لجأت إلى مناطق عشوائية مختلفة ٦% على انعدام الخيارات المتاحة أمامها لأسباب مختلفة.

٢- تبين أنّ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين استحوذت على النسبة الأكبر ٤٤% من إدارة مراكز الإيواء بفارق كبير عن النسبة التي حصلت عليها الحكومة من إدارة مراكز الإيواء وهي ٢٦% ما يدل على: أولاً وجود فجوة كبيرة بين حجم ونوعية الخدمات التي تقدمها كلٍ من الجهتين، وثانياً أنّ هذه النسب تتوافق مع التركيبة السكانية لقطاع غزة الذي يستحوذ اللاجئون فيه على النسبة الأعلى من السكان  ٦٧% أي أنه من بين كل ١٠ أفراد هناك ٧ أفراد لاجئين، وثالثاً أن سكان القطاع كان لديهم اعتقاد بأن مراكز الإيواء التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينينن  UNROW تعد أكثر أمنًا على حياتهم من تلك التابعة للحكومة في غزة. فيما كانت هناك نسبة ١٥% أدارتها لجان محلية من المجتمع المحلي كلجان الإصلاح ولجان الأحياء ولجان الزكاة.

٣- على الرغم من أنّ توفير المساعدات الغذائية كان أكثر الخدمات بروزاً في مراكز الإيواء، واستأثر بتقديم هذه الخدمة -كما أظهرت نتائج المقابلات-وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وبرنامج الغذاء العالمي، بينما ساهمت بعض الجهات التطوعية الأخرى في توفير هذه المساعدات بين وقت وآخر حسب قدرة كل جهة على حدة، ولكن بشكلٍ غير منتظم أو مستمر، إلاّ أنّه لم يتم توفير الكميات الملائمة من الغذاء لكل أسرة، والتي اقتربت من الحد الأدنى اللازم لإطعام الأسرة، ، كما تركزت على أنواع معينة من الغذاء كالمعلبات وخلو الوجبات من الخضروات والفواكه وطعام وحليب الأطفال، وغالباً ما يتوقع من النساء تدبير الاحتياجات الغذائية لأسرهنّ وهو سلوك لم يتغير كثيراً أثناء العملية العسكرية الإسرائيلية.

وقد بينت النتائج أنّ المساعدات الغذائية كانت متوفرة في مراكز الإيواء، للنساء بنسبة ١٨% وهي نسبة ضئيلة تعكس انعدام الشعور بالأمن الغذائي، ويعود هذا لأسباب متنوعة، بعضها متعلق بانعدام الشعور العام بالأمان والحماية نتيجة الاحتلال وعملياتها العسكرية المكثفة في القطاع، وبعضها متعلق بأسباب من قبيل إعطاء الأولوية للرجال أو لتوزيع المساعدات في أوقات غير مناسبة كتوزيعها في ساعات الفجر الأولى أو ساعات متأخرة من الليل، أو بسبب الاكتظاظ والتدافع والتزاحم على أماكن التوزيع، إضافة إلى أنّ الفتيات والنساء في كثيرٍ من الأحيان، كنّ غير قادرات على السيطرة والتصرف في غذاءهنّ وغذاء عائلاتهنّ كما يرغبن. وقد أدّى التدافع أثناء توزيع المساعدات الغذائية إلى وقوع عنف مركب لفظي جسدي، من الرجال ضد النساء ومن النساء ضد النساء، ووصل في بعض الحالات إلى استخدام أدوات حادّة كالسكين والمشرط بين الرجال والشباب خاصة، نتيجة انعدام التنظيم وعدم وجود الإشراف الكافي.

إضافة إلى ما سبق كان هناك هيمنة من قبل مقدمي خدمة العون الغذائي داخل مراكز الإيواء على المهجرين وطريقة ووقت التوزيع، كما تعرضوا لأشكال متعددة من سوء معاملة من إدارة المراكز والعاملين/ات فيها، ما عكس شعوراً حاداً لديهم، خاصة الفتيات والنساء منهنّ بانعدام العدالة في التوزيع والحظي بالتقدير وعدم التعرض للإهانة، وقد تبين من خلال ملاحظات الباحثين الميدانيين/ات غياب مقدمي خدمات العون الغذائي عن ١٢ مركز إيواء من أصل ١٣ مركز إيواء استهدفتهم الدراسة، الأمر الذي يشير إلى غياب تفعيل الرقابة على أداء مقدمي هذه الخدمة داخل المراكز وبالتالي إفلاتهم من العقاب والسماح بتكرار هذا السلوك في كل مرة.

٤- تبين أنّ خدمة الإيواء مثلت الخدمة الأولى التي تلقاها النازحون/ات ، وكانت متوفرة بشكلٍ كبير مع بداية النزوح من الأماكن الحدودية، لكن سرعان ما اشتد الطلب عليها بعد تعرض مناطق كاملة للإبادة ليس في مدينة غزة فقط وإنما في كل محافظات القطاع، حتى وصل الأمر في النهاية إلى عدم قدرة مراكز الإيواء على استيعاب مهجرين/ات جدد. وقد اضطلعت وكالة الغوث بتوفير خدمة الإيواء بشكل منتظم ومستمر، بينما قدمت هذه الخدمة في وقت لاحق بعض المدارس الحكومية وبعض المدارس الخاصة وبعض المؤسسات ولكن بشكلٍ غير منتظم. وعلى الرغم من ذلك أيضاً فقد مارست بعض مراكز الإيواء التابعة للوكالة تعسفاً في المعاملة مع عدد من النساء والعائلات المهجرّة وقامت بطردهم أكثر من مرة لازدحام المكان أو بسبب هيمنة وتسلط أفراد من إدارة المركز على طالبي اللجوء والحماية.

وأظهرت نتائج المقابلات أنّ خدمة المأوى توفرت بنسبة ٢٠% فقط وهي نسبة تعكس مؤشرات مختلفة لإنعدام شعور الفتيات بالأمان، في مراكز الإيواء وفي العائلات المستضيفة، منها على سبيل المثال أنّ انخفاض النسبة قد يعود إلى شعور الفتيات بعدم قدرة عائلاتهنّ على توفير الأمن والحماية لهنّ، أو بسبب عدم القدرة على التكيف مع الغرباء وانعدام الخصوصية.

٥- كانت الرعاية الصحية بما فيها الصحة الإنجابية أقل الخدمات التي تم تقديمها للفتيات والنساء، بنسبة ٦% فقط ما يدل على غياب خدمات الرعاية الصحية عامة والصحة الإنجابية خاصة عن أجندة مقدمي الخدمات خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع، وهو الأمر الذي تكرر حدوثه سابقاً خلال عدواني ٢٠٠٨، ٢٠١٢ كما تدل أيضاً على عدم أخذ الاحتياجات الصحية للفتيات، خاصة تلك المتعلقة بالصحة الإنجابية بعين الاعتبار في تخطيط وتنفيذ للخدمات أثناء العدوان. ومن المعروف أنّ الصحة الإنجابية تتأثر بمكانة المرأة في المجتمع ففي كثير من أنحاء العالم تتعرض الإناث للتمييز فيما يتعلق بتوزيع الموارد العائلية والحصول على الرعاية الصحية، خاصة في أوقات عدم الاستقرار والحروب، وللأسف أنّ ذلك تعمّق بشكل كبير أثناء العدوان، وغالباً ما كانت النساء تصمت عن احتياجاتها المتعلقة بالصحة الإنجابية إما لاعتقادهن الخاطئ بقلة أهميتها مقارنة بالوضع العام أو لخجلها من الإفصاح عنها أو لعدم معرفتها بالطرق المتوفرة أثناء العدوان لتلبي هذه الاحتياجات الصحية. بشكلٍ عام، أعطيت الأولوية أثناء العدوان للمساعدات الطبية الأساسية اللازمة لكفالة البقاء، وليس لرعاية الصحة الإنجابية، ومن ثم لابد من تأكيد الحاجة إلى رعاية الصحة الإنجابية بوجه عام بما يكفل إدراجها في جميع عمليات تقييم الاحتياجات.

٦- عانى المهجرون/ات من نقص المياه، ما جعلهم يستخدمون مصادر أقل أمناً، ما سسبب لهم أمراضاً مختلفة، وهناك أكثر من  ٥٠٠ ألف مواطن، واجهوا مشكلة عدم توفر المياه لأغراض النظافة الشخصية، وعدم وجود إجراءات الوقاية والنظافة الشخصية، فيما كان هناك أكثر من ٦٠٠ ألف مواطن لا تصلهم إمدادات المياه في قطاع غزة، والباقي تصلهم بشكل متقطع، بسبب تعرض خطوط المياه إلى تدمير واسع أثناء العدوان، ما أثر بشكل مباشر على توفر مياه الشرب والاستحمام بشكل يومي ومنتظم، لتوقف أعمال الصيانة أثناء العدوان ، وعدم توفر الكهرباء لتشغيل المحطات. ارتباطاً بهذا السياق، أظهرت النتائج أنّ النساء حصلنّ على المياه النظيفة بنسبة ١٥% فقط وهي نسبة ضئيلة للغاية لا تعكس الاحتياجات الحقيقية ولا تساعد على الشعور بالراحة والنظافة الشخصية والمحافظة على الصحة العامة والصحة الإنجابية.

أنواع العنف التي تعرضت لها النساء أثناء العدوان الإسرائيلي:

كانت أكثر أشكال العنف الذي تعرضت له النساء في مراكز الإيواء كما عبرت عنه المقابلات هو العنف النفسي/الجسدي، نظراً لغياب الخصوصية وتقييد حريتهن وسوء المعاملة التي تعرضنّ لها من قبل إدارة مراكز الإيواء وتعرضهنّ للإهمال، وعدم التكيف مع المكان وكان هناك إفادات غير قليلة حول عنف النساء للنساء نتيجة النزاع على الطرود الغذائية والمشكلات العائلية. وكان اللجوء إلى أحد أفراد الأسرة في حال تعرضهن للعنف المكانة الأولى بنسبة ٢٨% وبنسبة ١٥% لكل من الشرطة والمعلم/ـة، و١١% منهنّ لجأن إلى صديق/ـة، ٧% منهنّ لجأن إلى عاملات في مجال المساعدة الإنسانية، ٢% منهنّ لجأنّ إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ٩% منهنّ لجأن إلى جهات أخرى مختلفة كلجان الإصلاح ومديرة مركز الإيواء وعاملات النظافة.

مدى توفر آليات الحماية للنساء أثناء العدوان على القطاع:

لقد أرغمت النساء الفلسطينيات على ترك بيوتهن وتشريد أسرهنّ وتحمل مخاطر القتل والإصابة، إضافة إلى المشاعر المؤلمة التي شعرنّ بها نتيجة خوفهنّ على أنفسهنّ وأطفالهنّ، على الرغم من تمتعهنّ بالحماية بموجب القانون للقانون الدولي الإنساني، الذي يحمي الأشخاص المهجرّين بصفتهم مدنيين من آثار الأعمال العدائية.

على المستوى الفلسطيني يشكل البيت المكان المركزي في الحياة الفلسطينية، والحاضن للعائلة والأسرة، وهو بالنسبة لهم مصدر الأمان والحماية والاستقرار والارتباط بالأرض، والبيت هو مكان المرأة الأول في الثقافة الشعبية الفلسطينية وعند المرأة الفلسطينية تحديداً، لذا فإنّ خسارة البيت تؤثر بشكل كبير على المرأة، وتجعلها تخسر الكثير جداً من شعورها بالأمان وقدرتها على توفيره لأسرتها في الوقت الذي تتحمل فيه المزيد من الأعباء الإضافية الناتجة عن غياب المنزل وما يوفره من جهد في الوفاء بالتزامات المعيشة اليومية من مأكل ومشرب وملبس وشعور بالراحة وقدرة على التواصل والاستمرار.

لقد جعل العدوان/الحرب الأخير على قطاع غزة أكثر من نصف السكان خارج بيوتهم، عدد كبير منهم اضطر للعيش في مدارس الأونروا حتى امتلأت تماماً ولم يعد هناك مجال لاستقبال المزيد والبعض الآخر لجأ إلى أقاربه وجلهم من متوسطي الحال اقتصادياً، فيما لم يجد جزء كبير مكانً سوى الساحات العامة والحدائق مكاناً يلجئون إليه في هذه الحرب القاسية فتوزعوا في ساحة مستشفى الشفاء والكنيسة الكاثوليكية وحديقة ساحة الجندي المجهول وحديقة جامعة الأزهر وغيرها من الأماكن العامة.

لقد أصبحت النساء بين ليلة وضحاها في العراء، بلا مأوى، بلا رعاية، بلا أمان على نفسها وأسرتها، في انتظار المجهول والموت والضياع، في ظروف أقل ما توصف أنها بالغة الصعوبة.

لقد فقدن الشعور بالحماية والآمان بفقد بيوتهنّ، واضطررن للعيش في ظل ظروف الحد الأدنى من العيش سواء كان ذلك في مدارس الوكالة، والتي أصبحت تعرف بمراكز الإيواء، أو في الأسر المستضيفة التي كانت هي أيضاً تعاني من ظروف الحرب بطريقة أخرى ناتجة عن استقبالها أعداداً كبيرة من النازحين في قنط من العيش والاقتصاد المدمر الذي ترك آثاره السيئة على مجمل تفاصيل حياتنا اليومية.

لقد عبرت النساء بشكل عميق عن عدم شعورهن بالأمان والحماية في ظل بيئات غريبة عن بيئاتهنّ الأصلية، ما اضطرهنّ إلى القبول بأنماط من العيش لم يعتدنها. ففي مراكز الإيواء كان الاكتظاظ الشديد يفقد بعضهن الشعور بالإنسانية ويفقدهنّ أيضاً الشعور بالأمان في ظل العيش مع أناس لا يعرفونهنّ، وكان الاختلاط بين الجنسين واحدة من الهواجس التي ظلت تشغل بال كثير من ألأسر وشعورهن بالخوف على بناتهم وإمكانية تعرضهنّ لاعتداء ما. كما أن ضعف وجود شروط السلامة والحماية داخل المدارس ضاعف من الشعور بالخوف والقلق وانعدام الحماية خاصة في ظل غياب رقابة منّظمة وفاعلة وسوء تعامل الإدارة وكان عدم توفر الخدمات بشكل عام سبباً في عدم شعورهن بالأمان كانقطاع الكهرباء أو ابتعاد المراحيض وعدم وجود أقفال محكمة لها وعدم وجود سواتر بين الأسر داخل الغرف، ووجود أكثر من أسرة غريبة في غرفة واحدة. كما أنّ غياب وجود المؤسسات الرسمية الضابطة عن المشهد اليومي أثناء الحرب، أشاع أجواءاً من الشعور بالفوضى وإمكانية التعرض للأذى في أي وقت.

إن قراءة متأنية في واقع وأحوال الأسر الفلسطينية بمن فيها النساء والفتيات اللواتي تحملنّ الكثير من المعاناة الناتجة عن استمرار وتعميق النظرة التقليدية للمرأة أثناء الحرب فكانت الفتيات والنساء مطالبات دائماً بالطاعة العمياء والبقاء في الغرف أو ارتداء الحجاب في أوقات طويلة جداً نهاراً وليلاً وعند النوم وهنّ دائماً ما يجب عليهنّ أن يتحملنّ الضغط والشعور بالقهر الذي يشعر به الرجال ما فاقم من شعرهن بالاغتراب والوحدة والشعور بالاضطراب النفسي والحاجة إلى العزلة.

إنّ كل يوم جديد في الحرب هو يوم مؤلم للنساء الفلسطينيات يحمل مزيداً من التعب والجهد والأزمات المعيشية والنفسية، هو يوم آخر من أيام عدم الأمان التي ستتحايل عليها بطريقتها لمواصلة الحياة بأقل الإمكانيات وبصمت وشعور دائم بالقهر ربما يلازمها لسنوات طويلة مابقيت العودة إلى البيت حلماً بات بعيد المنال.

المراجع:

١- برنامج عمل وإعلان بكين، المؤتمر العالمي الرابع للمرأة، بكين، الصين، ٤-١٥ سبتمبر/أيلول ١٩٩٥، شعبة الأمم المتحدة للإعلام العام، ١٩٩٦.

٢- القرار ١٣٢٥ الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعنوان "النساء والسلام والأمن" ٣١ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٠٠.

٣- أوتشا، تلخيص للتقييم الأولي العاجل متعدد القطاعات في غزة.

٤- المرأة العربية واقع وتطلعات، ١٩٩٥

٥- الصليب الأحمر الدولي، نساء يواجهنّ الحرب، فبراير ٢٠٠٩.

٦- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، مسح العنف ٢٠١١.

٧- http://www.wafa.ps

٨- البروتوكول الثاني الإضافي لاتفاقيات جنيف الرابعة.

٩- اتفاقيات جنيف الأربع لعام ١٩٤٩.

١٠- المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان لعام ١٩٩٣.

دنيا الأمل إسماعيل

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق