الجمعية العامة: دورة فلسطين ومحمود عباس

بقلم/
مصر : ۲۹-۹-۲۰۱۱ - ۹:۵۱ ص - نشر

الجمعية العامة: دورة فلسطين ومحمود عباسالدورة السادسة والستون الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة ستظل محفورة في الذاكرة الإنسانية بأنها دورة الرئيس الفلسطيني محمود عباس وخطاب الدولة الفلسطينية المنشودة والمرافعة القانونية والعقلية والعاطفية التي قدمها للمجتمع الدولي والتي كانت رداً مفحماً على الخطاب الهزيل والملئ بالمغالطات وتشويه الحقائق واعتماد السيناريو الإسرائيلي الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل يومين من خطاب عباس وخطاب الدجل والعنجهية والتزوير الذي ألقاه نتنياهو بعد ساعة من خطاب عباس. ولا يمكن أن نعطي خطاب عباس قيمته الحقيقية إلا بوضعه بين الخطابين السابق واللاحق لتكون الصورة واضحة أكثر.

أوباما يلقي خطاب الإيباك

من يستمع إلى خطاب الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما يوم الأربعاء 21 من شهر أيلول الحالي يظن أن إسرائيل هي التي وقع عليها الإحتلال وأنها الحمل الوديع التي تهددها الذئاب المتوحشة من حولها وأن أطفالها المساكين لا ينامون من أزيز الطائرات المعادية من نوع الإف 16 والأباتشي والصورايخ الذكية التي تنهال على تل أبيب.

لقد كانت كلمة أوباما موجهة للناخبـين الأمريكيين من أنصار إسرائيل وجماعات الضغط الصهوينية كالإيباك واليمين المسيحي والمحافظين الجدد وأنصار إسرائيل في الكونغرس وليست موجهة للمجتمع الدولي لسبب بسيط وهو أن الموجودين في قاعة الجمعية العامة على إطلاع بالتاريخ والجغرافيا وأذكى من أن ينخدعوا بتزوير الحقائق وتحميل الضحية مسؤولية الجريمة التي ارتكبت بحقها في نفس هذا المكان قبل 63 سنة. يقول أوباما إن إسرائيل محاطة بدول معادية بعضها يريد أن يمحوها عن الوجود. لا نعرف أين هذه الدول التي تريد أن تمحو دولة نووية من الوجود.

إن لإسرائيل علاقات مع تسع دول عربية بعضها مكشوف والآخر من وراء ستار. وحتى دولة الممانعة الوحيدة في المنطقة حافظت على هدوء حدودها أكثر بكثير من الدول المسالمة. أما الحروب التي ميزت هذا الصراع فعلى علمنا وعلم الجميع أن إسرائيل هي التي بدأت كافة الحروب مع العرب ما عدا حرب 1973 وذلك ابتداء من التطهير العرقي للفلسطينيين عام 1948 إلى حرب غزة عام 2008 وليس كما تفضل أوباما بأن جيران إسرائيل هم الذين يشنون عليها الحروب. تحدث أوباما عن معاناة أطفال إسرائيل المساكين وكأن أطفال غزة يزعجونهم أثناء قتلهم العلني بقنابل الفوسفور ولأن دماءهم "تتسلق الجدران" فتفصح عن هويتها. لماذا يا أبناء غزة وجنين والخليل ونابلس تعلمون أطفالكم كره قاتليهم المساكين الوادعين الذين لا يعملون أكثر من الضغط على أزرار آلات القتل عن بعد ولا يشاهدون ضحاياهم، فهم لا يحبون رؤية مناظر الموت. أرجوكم أن تعلموا أطفالكم يا أهالي جنوب لبنان، وقانا خاصة، أن يتغزلوا بجمال القذائف العنقودية والفراغية والانشطارية والذكية والخارقة والحارقة. بابا أوباما "زعلان" منكم لأنكم لا تحبون قاتليكم.

الأغرب من هذا وذاك تزوير التاريخ الذي أشار إليه في مفاوضات جنوب السودان وإيرلندا التي أوصلت الطرفين إلى معاهدات السلام بعد صراع دام ومرير. ألا يعرف السيد أوباما أن المفاوضات بين الطرفين أثمرت بفضل الرعاية الأمريكية للمفاوضات وأن جورج ميتشل نفسه كان راعي مفاوضات إيرلندا وأن توقيع السيد كولن باول مثبت على اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان وممثل جيش تحرير السوداني بسبب الجهود المضنية التي لعبتها وما زالت تلعبها الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة. ألم تفرض الولايات المتحدة على أطراف الصراع في البوسنة والهرسك اتفاقية دايتون للسلام عام 1994 حيث هدد وزيرالخارجية الأمريكي كريستوفر يومها الرئيس الصربي ميلوسوفيتش قائلا: لن تغادر هذا الاجتماع إلا بعد التوقيع على اتفاقية السلام؟

أما قوله إن الدول لا تقوم بقرارت من الأمم المتحدة أتمنى على أوباما الأستاذ الجامعي أن يراجع معلوماته قليلاً. فلولا مجلس الأمن لما رأينا دولاً مستقلة مثل تيمور الشرقية وناميبيا ودول البلطيق الثلاثة لتوانيا وأستونيا ولتفيا فبعد الاعتراف بها عام 1991 انفرط عقد الاتحاد السوفييتي، وسبب اعتراف مجلس الأمن بسلوفينيا نشوب حروب أهلية في جمهوريات يوغسلافيا. ألم تكن قرارات المنظمة الدولية هي التي أضافت أكثر من 70 دولة خرجت معظمها من تحت عباءة الدول الاستعمارية إلى عضوية الأمم المتحدة بعد أقل من 20 سنة من إنشائها؟

الآن فقط تضيق قاعة الجمعية العامة على شعب فلسطين الذي يزيد عددا عن أكثر من 80 دولة وجدت لسكانها، الذين يقلون عن المليون، مقاعداً بين الأمم من بينهم حلفاء الولايات المتحدة في التصويت ضد فلسطين: توفالو وبالاو وكريباتسي وتونغا وجزر سليمان وجزر المارشال وأنا واثق أن حملة الدكتوراة من الفلسطينيين يزيدون عن أعداد جميع سكان هذه الجزر مجتمعة؟ إنه الظلم.. إنها الغطرسة. إنه النفاق.. إنه الانصياع لإملاءات إسرائيل وقوى الضغط التي احتلت مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة. لقد كان أوباما رئيساً لدولة عظمى وهو يتحدث عن كل المواضيع إلا عندما تحدث عن فلسطين وإسرائيل فتحول إلى موظف صغير يقرأ نصاً كتبه له لي روزنبرغ، رئيس منظمة الإيباك، ذراع إسرائيل الأقوى في توجيه سياسية أمريكا المتعلقة بالشرق الأوسط.

محمود عباس والمرافعة القانونية لصالح الاعتراف بالدولة

هذه هي المرة الأولى التي أسمع رئيس السطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس يلقي خطاباً فيه نبرة الصدق والشحنة العاطفية بالإضافة إلى المحاججة القانونية والسياسية والمنطقية والعاطفية لصالح فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على 22% من فلسطين التاريخية دون التفريط بقضية اللاجئين.

إنه خطاب رائع بغض النظر عمّا سينتج عنه أو من قناعتي الشخصية حول مسألة الحق التاريخي. برافو أبو مازن. هذه المرة محا عباس تلك الصورة النمطية التي كانت تميز خطاباته التي تنقصها الحرارة والشحنة العاطفية العالية عند التحدث عن معاناة الشعب الفلسطيني. هذه المرة يأتي ومعه تأييد الشعب الفسطيني وفي يديه أزهار الربيع العربي اليانعة التي تتوق لرؤية فلسطين المحررة وإنزال العلم الإسرائيلي من عواصمها.

إسمع بعضاً مما قاله في الخطاب: "ولا معنى للمفاوضات في حين يستمر جيش الاحتلال على الأرض في تعميق احتلاله بدلاً من التراجع عنه وفي إحداث تغيير ديموغرافي لبلادنا يتحول منطق جديد تتعدل الحدود على أساسه" كنت أتمنى لو اكتشفت هذه الحقيقية قبل خمس أو عشر سنوات. ويضيف: "إنها لحظة الحقيقة وشعبي ينتظر أن يسمع الجواب من العالم. فهل يسمح لإسرائيل أن تبقى تواصل آخر احتلال في العالم؟ وهل يسمح لها أن تبقى دولة فوق القانون والمساءلة والمحاسبة؟".

لقد كان الخطاب عبارة عن استفتاء دولي لفكرة قيام دولة فلسطين المستقلة وكانت نتيجة الاستفتاء بمثابة لطمة على وجه حفنة المعارضين في القاعة وعلى رأسهم سوزان رايس، سفيرة الولايات المتحدة، التي تبرمت في مقعدها وهي تشاهد القاعة تضج بالتصفيق وترى أكثر من 1800 مندوباً عدا الأعداد الكبيرة الواقفة على الجوانب وأنا من بينهم، يقفون أكثر من مرة ترحيبا وتأييدا للكلمات التي أحسسنا جميعاً أنها تنطلق من القلب. لقد كان يوماً تاريخياً بامتياز وربما يبقى في ذاكرة الأجيال على أنه اليوم الذي بزغ فيه أول نور لدولة فلسطين المستقلة كما ونتمنى على أبي مازن أن يحافظ على هذا الزخم بإبقاء قضية فلسطين في بؤرة الضوء وذلك بتصعيد النضال السلمي لترجمة حق إقامة الدولة على أرض الواقع لا في العالم الافتراضي.

كلمة نتنياهو: عنجهية وتزوير وتمثيل

جاء في خطاب نتنياهو “لقد حلقنا آلاف الأميال لنأتي إلى نيويورك. الآن نحن في نفس المدينة، وفي نفس المبنى. لنلتقي هنا اليوم في الأمم المتحدة. من الذي سيوقفنا؟ ماذا يمكن أن يمنعنا من ذلك؟ إذا كنا نريد السلام حقا؟ ماذا سيمنعنا من ذلك؟” أي هراء هذا؟ على الأرض يهدم البيوت ويهوّد القدس ويعتقل الآلاف ويبني جدار الفصل العنصري ويطلق المستوطنين بكلابهم المسعورة تأكل اللحم الحي، أرضاً وزيتوناً وشباباً، ثم يفتح يده للمفاوضات في نيويورك. أي تزوير أكبر من هذا بعد عشرين سنة من المفاوضات شهدت ستة وزراء إسرائيليين وأربعة رؤساء أمريكيين يريد أن يفاوض في نيويورك؟ إسمعوا ماذا يقول أيضا:

“بالنيابة عن إسرائيل والشعب اليهودي، أمد هذه اليد مجددا اليوم لشعب مصر والأردن لتجديد الصداقة، للجيران الذين صنعنا معهم سلاماً. أمدها لشعب تركيا باحترام ونية طيبة، أمدها لشعب ليبيا وتونس بإعجاب تجاه هؤلاء الذي يسعون إلى بناء مستقبل ديمقراطي. أمدها للشعوب الأخرى في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية الذين نسعى أن نؤسس معهم بداية جديدة، أمدها لشعب سوريا ولبنان وإيران. ولكن أمد يدي بشكل خاص إلى الشعب الفلسطيني الذين نسعى إلى إقامة سلام عادل ودائم معه.”

أهناك نفاق أكبر من هذا؟ يريد أن ترضخ لإملاءاته كل الشعوب العربية وهو يسرق تاريخ فلسطين وأرضها وحجارتها وزيتونها ويطرد أهلها وفي نفس الوقت يمد يده للشعوب العربية لتحضنه وترش عليه ماء الورد وتزنر عنقه بأطواق الياسمين. الشعب التركي يعرف أي نوع من الأيادي إمتدت إلى مواطنيهم على متن سفينة مرمرة. وتونس ما زالت تذكر يوم الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1985 ماذ عملت الطائرات الإسرائيلية في ضيوفهم الفلسطينيين. أما مصر ولبنان وسوريا فلا حاجة لتكرار أفضال إسرائيل على شعوبها الذين تذوقوا مراراً طعم رزم الهدايا المقذوفة نحوهم ونحو مدنهم وقراهم ومدارسهم من الجو والبر والبحر.

يقول نتنياهو: “كل هذه الشروخ المحتملة في أمن إسرائيل يجب أن يتم معالجتها عبر اتفاق سلام قبل أن يتم إعلان الدولة الفلسطينية وليس بعد ذلك، لأنه إذا ترك الأمر بعد ذلك فلن يتم معالجتها وهذه المشاكل سوف تنفجر في وجوهنا وتفجر السلام. ينبغي على الفلسطينيين أولا صنع سلام مع إسرائيل ومن ثم الحصول على دولتهم.”

أمن إسرائيل إذن مسؤولية الفلسطينيين وكي تضمن أمنها على الفلسطينيين أن يختفوا عن وجه الأرض ويفرغوا بيوتهم وأراضيهم وأن يمحوا تاريخهم ويقولوا نعترف بيهودية الأرض فنحن قبائل طارئة على هذه الأرض ولم نعش فيها إلا 1500 سنة وهذه لا تعطينا الحق للبقاء فيها لأن بني إسرائيل معهم ورقة طابو عمرها 2000 سنة منحهم إياها رب العباد. هذا ما يضمن أمن إسرائيل عندها يمكن أن يتم الإعلان عن قيام دولة فلسطينية وتبحث عن سكان فلسطينيين لإعمارها فلا تجد أحدا.

الخطوة التالية

قد لا يحصل القرار على تسعة أصوات إيجابية داخل مجلس الأمن فيفشل تلقائيا دون ان تضطر الولايات المتحدة إلى استخدام حق الفيتو، أما في حالة ضمان تسعة أصوت إيجابية فبالتأكيد ستقوم الولايات المتحدة بإطلاق نار الفيتو عليه لقتله أمام عيون العالم. قد تذهب بعد ذلك منظمة التحرير إلى الجمعية العامة لتفعيل آلية القرار 377 لعام 1950 (الاتحاد من أجل السلام) للحصول على ثلثي أعضاء الجمعية (129 صوتاً).

سيكون الانتصار عندها معنويا ويمكن الاستفادة منه من الناحية القانونية لتصعيد النضال السلمي وذلك بقيادة حركة جماهيرية عارمة لإنهاء الاحتلال والتوجه نحو الجدار لهدمه أو الحواجز للتخلص منها أو المستوطنات لإفراغها من المحتلين. هل القيادة على استعداد أن تقوم بهذه الخطوة أم أنها ستكتفي بهذا الحد وتعود "حليمة إلى عادتها القديمة" وكأن شيئا لم يحدث وتجيـّر هذه الشعبية التي اكتسبها أبومازن لتدخل في جولة مفاوضات عبثية جديدة لسنوات تضاف إلى العشرين سنة الماضية؟

إن القضية الفلسطينية على مفترق طرق، فإما أن ينطلق الشعب الفلسطيني ليفرض إرادته على الأرض وإما أن يستمر ابتلاع الأرض وتهويد القدس وتسمين الاستيطان واعتقال الآلاف من خيرة شباب هذا الوطن الصغير والاستمرار في خنق المعازل الفلسطينية المقطعة الأوصال بالجدار والطرق الالتفافية كي لا يبقى من فلسطين مكان تعلن عليه دولة أو شبه دولة. فهلا حسمت القيادة أمرها وأعلنت منذ اللحظة انطلاق مرحلة إقامة الدولة على الأرض لا في العالم الافتراضي.

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق