سينما القضية الفلسطينية

بقلم/ د. سعيدة الصديق
مصر : ٤-۱۱-۲۰۱۹ - ۲:۰۹ م - نشر

سينما القضية الفلسطينية فن مدهش يسهم في مسألة النضال.. عدنان كنفاني.

في مقاربة لدور السينما في خدمة القضية الفلسطينية ومدى فاعليتها في تحسيس العالم بالقضية، لعله ينتفض من اللامبالاة ليطالب بحق شعب فلسطين في الحياة والكرامة والحرية. فالسينما تعتبر أداة فنية فعالة ومضمونة لعرض قضية لم تقدر المؤتمرات الدولية حلها وتغافل عنها العرب في لقاءاتهم بالجامعة العربية. ففي سؤال جوهري تعريفي لدور سينما القضية الفلسطينية في خدمة القضية نقرأ الجواب للباحث المرموق والناقد السينمائي الفلسطيني بشار ابراهيم للسؤال: "لماذا السينما؟" كان جوابه كالتالي: "بأننا في هذا الجزء من العالم المسمى عالماً ثالثاً فرضاً نسعى لبناء سينمانا الوطنية التي ينبغي لها أن تقوم بجملة أعباء سياسية واجتماعية وثقافية، وتعمل على تعزيز هويّتنا وخصوصياتها وفسح المجال أمام تعزيز حضورنا الإنساني والحضاري..".

في إدراكه العميق لدور الإعلام عامة، والمعتمد على الصورة خاصة لتبليغ المعلومة بشكل نافد وسريع ومضمون، إذ أن الصورة تحتل مكانة أساسية للتواصل في وقتنا الحالي. فهي أنجع من المقال المكتوب وهي أكثر إثارة لاهتمام الجماهير. بحيث صارت المعلومة في عالم اليوم الذي هيمنت فيه ثقافة الصورة هي الوسيلة التعليمية والترفيهية والتواصلية. أصبح الناس يعتمدون على الصورة بشكل كبير بحيث يلتقط بالعين ثقافته ومتابعته للأحداث. ومن هذا المنظور الجديد يصبح دور السينما أكثر ضرورة لطرح قضية حساسة مثل القضية الفلسطينية.

في هذا الصدد يقول الناقد السينمائي بشار "السينما غدت عاملاً تعليمياً تحريضياً في آن، يدفع نحو فهم أعمق لمسائل الحياة وإثارة الأسئلة والبحث عن الأجوبة، وهي أي السينما، غدت من أكثر الوسائل تأثيراً، لا سيما أنها وظّفت مختلف صنوف الفنون في أدائها.."

تطرح السينما المنصبة في الدفاع عن القضية الفلسطينية موضوع الأرض الذي شرد منها وهجر منها المواطن الفلسطيني فهي تبث الوعي بحق الشعب في الأرض والعودة الضرورية. "تسجيل الذاكرة والحفاظ عليها، ونحن نعلم أن التاريخ لن ينطفئ عندما تسجّله السينما، وتحفظه أشرطتها، وفي اليقين أن هذا هدف في غاية الأهميّة، وعلو المقصد، ربما يفوق الكثير من الشعارات والخطابات والعبارات الرنّانة.."

سينما القضية الفلسطينية هي سينما مضادّة للسينما الصهيونية بطبيعة الحال، لأنها تدحض في بعض جوانبها الأطروحات والمزاعم الصهيونية، كما أنها في جوانب أخرى تؤكد على الحقوق الفلسطينية المشروعة بغض النظر عن مدى اقترابها من حقيقة جوهر الصراع العربي الصهيوني، أو الاكتفاء بملامسة الجوانب الإنسانية من معاناة الشعب الفلسطيني، سواء في وقوعه تحت الاحتلال، أو في تناثره المفجع في بلاد الشتات واللجوء والاغتراب بسبب ما حلّ به جرّاء النكبة عام ١٩٤٨، ومن ثم النكسة عام ١٩٦٧ إضافة إلى الاعتداءات الوحشية التي انصبّت حمماً من نار وموت ودمار على الفلسطينيين العزّل في المخيمات وأماكن اللجوء.

اهتمت السينما الفلسطينية منذ بدايتها بحدث النكبة، سواء بتسجيله أو التعليق عليه، وشرح أسبابه ومقدماته ونتائجه، كما اهتمت بالتعريف بالثورة ومواكبة فعالياتها، فمن دون شك إنه للسينما دورها الكبير إذ تستطيع أن تتناول بالصورة والتعليق الوقائع والأحداث لتجسدها أمام الجميع، وتستطيع عبر ذلك خلق حالة من التفاعل بين الواقع والنص السينمائي من جهة وجموع المشاهدين والتأثير في وعيهم وتعميق منجهه، وفلسطين سينمائياً هي حلم اليقظة الذي لايزال يراود مخيلة كل مهتم ويقض مضجعه كعذاب الضمير، وهي المستمرة منذ أكثر من قرن داخل حدود اللاوعي في العقل، وباتت الهاجس المقدس الذي ترجمه الفنانون عبر السنين شعراً وقصة ومسرحاً ورسماً ونحتاً وموسيقى هذه المأساة الكبرى وجدت أخيراً من يوصلها من دار الفن السابع إلى أصحابها المشاهدين، بعد انطفاء أو اختفاء دور فصائل الثورة والتنظيمات والاتحادات والهيئات والمؤسسات المعروفة في اطارها.

من مخيم خان دنون، بل قل من المخيم الساكن بالقرب من دمشق الغارق في فطريته وعفويته منتظراً عودة جموعه إلى بلادهم فلسطين، بل قل من تلك الغرفة الطينية التي كانت تسمى عند "الطابور الخامس" المكتب الليلي، كانت تبدو أسئلة السينما الفلسطينية أكثر قلقاً وعمقاً، وتتكاثر هناك في منأى عن الإجابة وبعيداً عن النقاش، واذا تخرج بين وقت وآخر إلى دائرة الضوء، لا تمكث إلا قليلاً، ولكنها في القليل الذي تمكثه كانت تثير عند الناقد السينمائي "بشار ابراهيم" شاراتها وقلقها وملاحظاتها المرتبكة، من هنا فإن غمس القلم في مثل هذا العطر لدراسة "ذاكرة السينما الفلسطينية" وتوثيقها أمر ذو مغزى هام سيلحظه القارئ في سياق الدراسات والبحوث والمحاضرات والندوات التي قدمها الباحث والناقد السينمائي "بشار ابراهيم" والتي لو قدر لي أن أعطي إسماً لها مجتمعة، لقلت: ملحمة الشعب الفلسطيني في تجربة بشار ابراهيم النقدية في السينما الفلسطينية.

إن رصد الجانب التاريخي في سينما القضية الفلسطنيية في البدايات الأولى للباحث، يعتبر من المهمات الضرورية لبناء سينما فلسطينية متقدمة، ومن هنا تأتي أهمية الدراسة الأولى (نظرة على السينما الفلسطينية) في محاولتها البحث عن الجذور عبر الطابع التوثيقي التي اتسمت به، والتي انطلق منها وتحرك فيها ليوضح للآخرين ما هي ابعاد السينما الفلسطينية ما هو واقعها، ما هي حقيقتها، ولماذا كانت على ما كانت عليه؟ كل ذلك عبر عملية واعية واضحة الابعاد.

لقد كان نقده قاسياً وجريئاً، لكن ضرورته كانت تجعل منه ليناً ذلك أن السينما التي تريد أن تفرض نفسها على المستوى العالمي، عليها أن تنظر إلى الواقع القاسي وجهاً لوجه دون أية مواربة أو خداع نفسي لكن التطلع إلى الواقع كان يعني عند "بشار ابراهيم" النقد الموضوعي وليس التجريح والرفض الذي يمارسه أولئك الذين لا هم لهم الا الانتقاص من تجارب الآخرين أو رفضها، وغالباً على غير علم ولا معرفة.

يذهب الناقد السينمائي بشار ابراهيم في كتابه هذا إلى أبعد من ذلك في مشروعه فهو يثبت لنا أن أول فيلم سينمائي في فلسطين انجز عام ١٩٣٥ وكانت مدته عشرين دقيقة وبكاميرا تدار باليد من خلال ذاكرة "إبراهيم حسن سرحان" الذي يعمل سمكرياً في مخيم شاتيلا، كان مصوراً ومخرجاً في سنوات شبابه، قبل النكبة ١٩٤٨، من ذلك السمكري تعرفنا على هذا الفيلم، عندما ذهب الملك سعود إلى فلسطين وأن ثاني شريط كان بعنوان "أحلام تحققت".

لا يقف بشار ابراهيم في دراسته الثانية "السينما الفلسطينية في القرن العشرين"، عند حدود البحث عن المحاولات الأولى بل يتقدم باتجاه مناقشة انعكاسات الفعل السينمائي وتأثيره على عقلية المشاهد واستغلال الصهيونية للسينما من اجل تزييف الواقع وتشويه صورة المقاومه الفلسطينية مؤكداً على ضرورة ضبط المصطلح بين السينما الفلسطينية وسينما القضية الفلسطينية حيث يرى العديد من المهتمين والدارسين والنقاد بعدم وجود تمايز في حين يرى بشار ابراهيم أن ثمة خلط في المفاهيم والمصطلحات فيما يتعلق بالسينما الفلسطينية، من ناحية تميزها عن سينما القضية الفلسطينية، ومنعاً للالتباس لا بد من حسم ما يدور من خلط أو تداخل فليس مصادفة إذاً أن يبدأ بشار ابراهيم بعملية تحديد الفيلم الذي ينتمي الى السينما الفلسطينية.

وقد أمسك بهذه الحلقة الجوهرية منذ خطواته الأولى في مجال النقد السينمائي، معلناً: "طالما أن الجهة المنتجة أو المشاركة بالانتاج، هي فلسطينية الجنسية سواء كانت هذه الجهة مؤسساتية، شخصية، جماعية أو فردية، سواء تم الإنتاج في الأراضي الفلسطينية المحتلة ١٩٤٨–١٩٦٧ أو انجز في أي قطر من أقطار الوطن العربي، أو في أي بلد أوروبي وهو متعلق بالقضية الفلسطينية أو غير متعلق بها، فهو فيلم فلسطيني. اما سينما القضية الفلسطينية فهو مفهوم آخر ومصطلح أوسع وأكثر شمولاً إذ هو يتضمن الانتاجات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة أو ذات الدلالات والإسقاطات بصدد القضية الفلسطينية وجوهر الصراع العربي الصهيوني، وذلك بغض النظر عن الجهة المنتجة فجوهر سينما القضية هو تناولها، او تطرقها للشأن الفلسطيني، يعني أن سينما القضية الفلسطينية هي تيار سينمائي وليس انتساباً معيناً وخصوصية قانونية أو جنسية مجردة ولإدراك المسافة ما بين هذين النسقين، يؤكد بشار ابراهيم ثمة نقاط تواصل وتفاعل وتشابه في غالب الاحيان ونحن ان كنا نمايز بينهما، فانما ذلك يتم على أساس الجهة المنتجة فجنسية السينما لا تتحدد بالمخرج، بل بالمنتج أولاً وثالثاً.

باكتشاف أول سينمائي فلسطيني، ابراهيم سرحان، عام ١٩٣٥ تم التأكيد أن فلسطين عرفت التصوير السينمائي منذ الأخوين اوغست ولويس لوميتير، اللذين ينسب اليهما اختراع السينما، ففي العام ١٨٩٦ قام عملاء للأخوين اوغست ولويس لوميير بتصوير لقطات سينمائية في القدس، محطة قطار في القدس. كما قام "توماس أديسون" بتصوير فيلم الرقص في القدس عام ١٩٠٢ دون أن ننسى الاشارات الواضحة عن العروض السينمائية في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين.

ونستطيع باستقصاء عددي لعدد الأفلام السينمائية الفلسطينية التي أنتجت حسب التسلسل الزمني أن نتابع إدراك أهميّة الاتكاء على تصوير وتأريخ مراحل النضال سينمائياً. ففي الفترة ١٩٣٥ وحتى العام ١٩٤٦ أي ما قبل نكبة ١٩٤٨ أنتج ما لا يزيد عن سبعة أفلام. ثم يهبط الإنتاج إلى الصفر حتى العام ١٩٦٨ بعد أن: (حصل الكسر التاريخي في مسار الشعب الفلسطيني عام ١٩٤٨ إذ هدم بنيانه السياسي والاجتماعي والاقتصادي واحتلّت أرضه، ورمي جزء منه في المنافي.

وقد استغرق الشعب الفلسطيني في الشتات أكثر من عشر سنوات ليلتقط أنفاسه ويبدأ ببناء حضوره (ص٢٩) ليأخذ طريقه صاعداً ويحقق ٦٩ فيلماً سينمائياً في الستينات والسبعينات و٥٤ فيلماً في الثمانينات. ليقفز الرقم إلى ١٠٣ أفلام في حقبة التسعينات، و٤٣ فيلماً في العام ٢٠٠٠/٢٠٠١ ليصبح مجموع ما أنتج من أفلام فلسطينية حتى طباعة الكتاب في ٢٠٠١ ما يقارب ٢٧٦ فيلماً.

لا نستطيع أن نحمّل الإنتاج السينمائي الفلسطيني أكثر من طاقته ونحن أدرى بقساوة الظروف المحيطة سواء الاقتصادية منها أو السياسية أو التي تحت الاحتلال المباشر، وأنه: (من المؤسف حقاً أنه رغم كل الإمكانيات المالية التي توفّرت بين أيدي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية حينذاك لم توظّف أياً من ذلك في سياق إنتاج سينما فلسطينية حقيقية تدرك مهامها ودورها وحضورها وأثرها.. ص٧٢) بل نستطيع ونحن بكامل الأهلية أن نثمّن تلك الجهود الخيّرة التي استطاعت أن تحقق رقماً يبدو في واقع الحال إعجازياً.. ولنا أن نوجّه الشكر للأشخاص والتنظيمات والحكومات التي ساهمت بشكل أو بآخر على إنجاح هذه التجارب التي وهي ترتقي عددياً عاماً بعد عام ترتقي نوعياً أيضاً من فهم أكثر ورؤيا أوضح لطبيعة الصراع، وهذا ما أشار إليه الأستاذ بشار ابراهيم في أكثر من موقع في كتابه.

أهميّة هذا الكتاب لا تتوقف عند مسألة التأريخ والتوثيق للسينما الفلسطينية وأفلام القضية الفلسطينية، منذ العام ١٩٣٥ وحتى العام ٢٠٠١ ولا للرجالات الذين أنتجوا وأخرجوا وصوّروا هذه الأفلام فقط، ولكن في أسلوب الشرح الجميل والتحليل الدارس الذي أدرجه الأستاذ بشّار ابراهيم في كتابه لأكثر من مائة وعشرين فيلم سينمائي، قصير أو طويل تسجيلي أو روائي من رؤياه هو وقد عرفناه متابعاً ودارساً بل ومتخصّصاً في مسألة السينما الفلسطينية، وأعرف أنه يجمع في مكتبته أشرطة أفلام فلسطينية نادرة تكاد تكون شاملة، وباحثاً متابعاً مجتهداً لكل ما يتعلّق في هذه المسألة.

يذهب الناقد السينمائي بشار ابراهيم بأن السينما الفلسطينية حتى أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات، في القرن العشرين نظرت إلى القضية الفلسطينية من جوانب محددة، فاتسمت مضامينها بالانفعالية والآنية، وملاحقة الأحداث العسكرية بشتى نتائجها وآثارها، منذ مبادرة روجرز، واحداث أيلول، حتى الاجتياح والحصار، والخروج من بيروت، والظروف الناشئة بعد اتفاقات أوسلو…واعتنت بالحدث وتسجيله والتعليق عليه.. فكانت هذه السينما تحريضية ثورية. وإذا كانت كل سينما في مرحلة حرجة من مراحل تطورها، بحاجة إلى نقد يسبق الإبداع.

والملاحظ من خلال إلقاء نظرة بارونامية على ملامح السينما الفلسطينية الجديدة لاكتشاف الاختلاف الذي تتميز به عن السينما القديمة بابتعادها عن أسلوب الصراخ والعويل والخطب والشعارات والمواعظ السياسية. يلاحظ اختفاء صورة الجندي الإسرائيلي المدجج بالسلاح واختفاء صورة الفدائي السوبرمان في السينما الفلسطينية الجديدة وذلك راجع إلى تطور الحساسية السينمائية لدى الكثير من المخرجين الفلسطينيين وإلى اعتماد الشاعرية في السيناريو وتطور الاقتراحات الإخراجية باقتراحات مشاهد بصرية مدهشة أحياناً مع توظيف الموسيقى والفن التشكيلي. وبذلك تراجع الحوار والتعليق لصالح الأساليب الإخراجية المتطورة والديالوج والمونولوج. استطاعت الصورة السينمائية أن تقارب الذاكرة وان تجعله فاعلا حتى لا ينسى مع تداول الزمن وقد فتح هذا البعد السينيمائي في مقاربة القضية أبواب للبحث في أسئلة محورية تخدم الإنسان الفلسطيني الذي يعيش النكبة منذ أكثر من ستين سنة ويطرح قضايا مثل الوجود والمصير الهوية والذاكرة ومقاربة الأنا في مواجهة الآخر.

ويبقى أن تطور العمل السينمائي الذي يخدم القضية الفلسطينية مرهون بكثافة وقوة النقد السينمائي الفلسطيني فقد مثل الضمانة الوحيدة لظهور سينما فلسطينية واعية ومسؤولة خصوصا إذا كان النقد يقدر أن يختزل التجربة الماضية ويحيكها ضمن الحاضر ويطورها فيصبح للتجربة السينمائية قوتها نظرا لحضور الذاكرة في الفعل السنيمائي وفي النقد السنمائي المواز له وذلك ذروة في العمق والنظر.

وفي العام ١٩٨٢، قدم المخرج العراقي الكبير قيس الزبيدي فيلمه الشهير "فلسطين سجل شعب"، مدته ١١٠ دقائق، وفيه قراءة وتسجيل فريد من نوعه للقضية الفلسطينية تمتد منذ أوائل القرن العشرين حتى منتصف السبعينيات، منه اتكاء على وثائق بصرية نادرة، مأخوذة من أرشيفات عالمية، مسبوكة في سياق سيناريو بصري محكم الصنعة.

في هذا الفيلم ثمة كشف لأول مرة عن العديد من الصورة السينمائية لمدينة القدس، منذ مطلع القرن العشرين، والتي تبين أن القدس كانت مأهولة بأهلها من الفلسطينيين دائمًا، وبما يدحض ادعاء الصهاينة بأن "فلسطين أرض بلا شعب".

في صدد بناء تصور جديد للسينما في خدمة القضية يقدم المخرج ناظم الشريدي فيلمه "مسلسل صيف فلسطيني حار" عام ١٩٨٨م، المكون من خمسة أجزاء تعالج مختلف القضايا والمشكلات التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال.

فيتناول الجزء المعنون "ما بين الحلم والذاكرة"، حكاية عن عائلة من قرية "لفتا" على مدخل القدس، فقدت بيتها ومعظم أراضيها سنة ١٩٤٨م، فأعادت تأسيس نفسها على ما تبقى لها من أراض على جبل الزيتون، حتى جاء احتلال ١٩٦٧، ليأتي على ما تبقى ويترك بيت العائلة محاصرًا بالمستوطنات الإسرائيلية.

في هذا الأمر نورد مقالة المخرجة الفلسطينية (مي مصري) في بيروت والتي قالت حينها: "الآن بإمكاني أن أدور العالم وأدعي صادقة أن هناك سينما فلسطينية لقد استطاع الناقد السينمائي بشار ابراهيم أن يوسع من آفاق معارفنا ويغني تجربتنا النظرية التي وكلما اتسعت، كلما كانت التجربة العملية أصعب بل وأخصب عطاء وأوسع آفاقاً. لقد استطاع الناقد السينمائي بشار ابراهيم أن يرفع إسم بلادنا عالياً وأن يضعها في مصاف المدارس السينمائية. ذلك بعد أن عرف كيف يجرحها ويداويها، لقد انتصرت روحه الناقدة، والإرادة الطيبة البناءة لا بد لها من الانتصار ولا بد للتصميم الواعي من تحقيق رغباته ومحتواه الخير، بشار ابراهيم الذي يعرف أهمية توثيق الذاكرة الفلسطينية يؤكد في كل ندوة أو محاضرة بأننا حراس حضارة، وتلك مسؤوليتنا ومهمة المبدعين فينا.

فقضية فلسطين ليست قضية اللحظة الحاضرة وتطوراتها وتداعياتها بل هي عمل الذاكرة الذي يلزم إحياؤه حتى لا تنسى الأجيال التي تتعاقب في الزمن عبر تداعي التاريخ والزمن. يلزم أن ترتبط بالماضي بعد أن محيت آثاره المكانية الجغرافية التي اغتصبها العدو ودمرت معالم حضارته وبنيت فوقها مستوطنات. وكانت بذلك إرادة المحتل أن يمحي ذاكرة الإنسان الفلسطيني الذي أصبح يعيش في الملجأ في المخيمات أو في إحدى البلاد المجاورة مقتلعا من هويته وكينونته وترابه وشجره وسماءه وريح الأرض وكادت تنمحي من ذاكرته صورة الأرض والسماء والشجر والمعمار، كادت تختفي صورة بلدته وقريته ومدينته ومدرسته والساحة التي يلعب بها بل حتى اللعب انمحى من ذاكرته فهو مجاهد يحمل السلاح منذ الصغر. بتر الانتماء المكاني لدى الإنسان الفلسطيني الذي هجر منه بالقوة والسلاح والتآمر الدولي العالمي وتخاذل الحكام العرب وضعف فعل الذاكرة في تكوين شخصه.

هذا ما يلزم التركيز عليه في العمل الإبداعي في جميع مستوياته وفي الصورة يكون أقوى لأنها تركيبة من مكونات بصرية وسمعية فيكون فعلها أقوى في النفس في ذلك التوحد والتجمع الداخلي للصورة التي تبهر البصر وتثير المخيال. ودورها فعال وأساسي لأنها تقدر أن تربط الإنسان بمخزون الذاكرة وتعيد فعل الذاكرة التي تقوم بدورها عبر الصورة والمشهد والموسيقى واللحظة واللغة والكلمة فهي أقوى في التعبير ثم الشعر ثم القصة ثم المسرح وكل الأساليب التي تخدم القضية.

وفي رصد آخر للسينما الفلسطينية التي تخدم القضية نورد دراسة مقاربة جد متميزة للناقد السينمائي بشار ابراهيم تحت عنوان "ثلاث علامات في السينما الفلسطينية" وهي تقارب التجارب المميزة لكل من المخرجين ميشيل خليفي ورشيد مشهراوي وإيليا سليمان، الذين قدموا خصوصية النضال الفلسطيني في أفلامهم وحصدوا جوائز سينمائية بارزة. ونرى كيف استطاعت السينما الفلسطينية أن تفرض نفسها وتتجاوز الحواجز الخطرة للتواصل مع المشاهدين العرب والأجانب وتعبر عن الحقائق المغيبة، وترصد الأحداث والصراعات الساخنة على الأرض بلغة فنية عالية، يمكن أن نكتشفها في أعمال عشرات السينمائيين الفلسطينيين من أجيال مختلفة ويمكن أن نكتشف فرادة هذه التجربة وقوتها في أعمال ثلاثة من أهم المخرجين الفلسطينيين بتنويعات مختلفة.‏

ونختم الكلام بما جاء به الناقد السينمائي الفلسطيني بشار ابراهيم بكون صانعي سينما القضية الفلسطينية لم يستطيعوا النجاة بها من الوقوع في مستنقعات، والغوص في وحول السياسة فلسطينياً وعربياً، وهذا مما كان له أن يرهق القضية الفلسطينية، وينال من قدسيتها، ومن رمزيتها، ومن كونها القضية المركزية، وبالتالي من الإجماع حولها أو بصددها. لا ريب أن التشظي الفلسطيني، إلى حد الاقتتال، والانغماس في الخلافات العربية العربية، إلى حد الغرق، سيكون له تأثيره الكبير، ومن ثماره أن باتت القضية الفلسطينية غير مرغوب تناولها، أو الحديث عنها، في أفلام السينما، ومسلسلات الدراما التلفزيونية، مما عزّز من عزلتها، واقتصار من يتناولها على عدد من السينمائيين، كما أغلق في وجهها شاشات العرض، إلا في بعض المهرجانات السينمائية، مع امتناع شبه كامل عن السماح للفيلم بالوصول إلى صالات العرض الجماهيري، أو العروض التلفزيونية.

يبقى السؤال القائم، هل بالمُستطاع استعادة القضية الفلسطينية إلى جوهر الاهتمام، ويبقى أن السينما كما هي متأثرة ومنفعلة بهذا السؤال، فهي أيضاً قادرة على الإسهام في الإجابة التاريخية عنه، من خلال الأفلام التي يصرّ صانعوها على إنجازها، على رغم كل ما يبعث على الأسى والإحباط.

د. سعيدة الصديق

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق