سلطة لا تمثل حتى شخوصها

بقلم/
مصر : ۲۳-۷-۲۰۱٤ - ۳:۱۱ م - نشر

سلطة لا تمثل حتى شخوصهامن أكثر الأمور مشقة على النفس الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه.. وتتحول هذه الظاهرة إلى واقع مأساوي لدى اولئك الذين يظنون أنهم يملكون "الحقيقة المطلقة". وتترسخ هذه الظاهرة في غياب الديموقراطية ونظام للمحاسبة والمؤسسات ينطبق على الجميع، مما يسمح للفرد أو النظام بالتهرب من مسؤولية أعماله وإلقائها على كاهل طرف آخر.

ما دفعني إلى هذا الكلام ما يتردد هذه الأيام من تصريحات تحمل كل معاني الضغينة والحقد على حركة المقاومة الإسلامية "حماس" أثاء المذبحة التي يقوم بها العدو الصهيوني في قطاع غزة منذ ١٦ يوماً، من فئة صغيرة من الأفـَّاقين والمنافقين، وفاقدي الانتماء والكرامة الذين فـُرضوا على شعبنا الفلسطيني منذ إقامة "السلطة الوطنية الفلسطينية" عام ١٩٩٤، والذين مارسوا الدعارة السياسية، وفضلوا المتاجرة بدماء شعبهم وقضيته الوطنية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لمصلحة مَنْ هذه الهجمة الشرسة من بعض المتنفذين في السلطة الفلسطينية، والأصوات المشبوهة الصادرة من بعض "النـُخـَب" السياسية والثقافية الفلسطينية والعربية ضد حركة حماس؟

خلافاً لما يظنه البعض، و"بعض الظن إثم.."، لستُ هنا أدافع عن "حماس"، فلدى الحركة العديد من الكفاءات العلمية التي تستطيع التصدي لهذه الهجمة الشرسة. ولا أضيف جديدا إذا قلت أنني أختلف مع الأخوة في حماس فكريا وسياسيا، ولكني شأني في ذلك شأن أي فلسطيني أكن للحركة ومناضليها كل الاحترام والتقدير.

لقد وصلت الوقاحة بـ"مسؤولي" السلطة الى اتهام حركة حماس باتهامات لم تصدر عن أعتى صقور الليكود الذين يملأهم الحقد على الفلسطينيين. هل من المعقول أن يخرج مئات الآلاف في العديد من الدول الأوروبية في تظاهرات حاشدة منددة بالعدوان، بينما تقف الضفة الغربية  -عمليا- دون حراك، تختفي وراء تظاهرات متواضعة حزينة نسمع فيها أصواتا وممارسات نشاز؟

على مدى ستة عشر يوما يتعرض قطاع غزة لهجوم همجي فيما كانت الجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية تتعرض لضغوط وممارسات قمعية لإرغام شعبنا على الرضوخ لإملاءات جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي.

وفي الوقت الذي إنطلقت فيه أكبر تظاهرة فلسطينية في الجليل والمثلث، نجد أن "أكبر" تظاهرة في نابلس كانت أقل بكثير من أصغر مظاهرة في كاراكاس. ويرجع الفضل في ذلك الى حمد الله وحكومته الرشيدة فبينما خرجت التظاهرة الأولى لتتحدى العدو الصهيوني في عقر "داره"، أحاط بالثانية مئات "الأشاوس" من أجهزة الأمن "الفلسطينية" الذين لم يترددوا في إثبات "كفاءتهم" و"خبراتهم" التي إكتسبوها بعد عدة دورات تدريبية على أيدي المخابرات المركزية الأمريكية في "مكافحة الإرهاب".

ولا أريد أن أنكأ الجراح وأتساءل مع الآخرين: لماذا لم نرَ أيَّ أثر لهؤلاء المغاوير الأشاوس في مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية؟ ولماذا لا تظهر بنادق الأمن الفلسطيني إلا في مواجهة أبناء شعبهم في حين تخلى المقرات ويلزم الجميع بيوتهم عند الهجوم الإسرائيلي؟

من فضائية "الجزيرة" أطل علينا نمر حمـَّاد بطلعته "البهيـَّة" وإبتسامته "النديـّة" بتصريح قال فيه إن رفض حركة حماس المبادرة المصرية"، هي التي "تخلق المبررات للاحتلال للقيام بهذه المجازر" [كذا…]

كيف يمكن لشخص يشغل منصب مستشار سياسي لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية أن يخرج ويـُصرِّح وجثث الشهداء لا زالت في شوارع وأزقة الشجاعية، وألسنة اللهب لا زالت مشتعلة بالجثث والمباني؟

يبدو أن "كلاوزفيتس" عصره يريد أن يوحي لنا بأن إسرائيل دولة مجاورة مـُحبة للسلام تربطنا بها علاقات حـُسن الجوار والصداقة، مثل العلاقة القائمة بين السويد والنرويج، مثلا.. وفقا لأحكام "إتفاقية فينـّا للعلاقات الدبلوماسية".. وقامت حركة "حماس" الشريرة والمتعطشة للدماء باستفزازها بدون أي مبرر، مما دفعها إسرائيل للقيام برد فعل تمثل بهذه المجازر التي وصفها مقرر الأمم المتحدة حول أوضاع حقوق الانسان بأنها "جرائم حرب".

ولو تفضل نمر حمـَّاد وتكرم بالهبوط من بـُرجه العاجي الذي، بالمناسبة، لا يليق بـ"مناضل" يزعم أنه يساري، ونظر من شباك مكتبه في رام الله فإنه سيلاحظ أن العدو ما زال جاثما على كامل الأرض الفلسطينية، وسيرى مقر قيادة الجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية في "بيت إيل"، ومن بعدها سيجد مستوطنة "بسجوت" التي أقيمت على تلال مدينة البيرة.

نمر حمـَّاد يـُكرس بتصريحه هذا لنهج التخريب الذي مارسته وتمارسه هذه السلطة الفاقدة للنصاب والشرعية والقانونية والأخلاق والتي لا تمثل حتى شخوصها. إن حال اللجنة التنفيذية للمنظمة، وهي أعلى هيئة قيادية سياسية للشعب الفلسطيني، هو انعكاس لحال المجلسين، الوطني والمركزي. فهي لم يجر تجديد انتخابها منذ سنوات، رغم ما جرى لها وعليها من أحداث.

وبدلاً من معالجة هذا الوضع، وفق ما ينص عليه النظام الأساسي، بما يعيد لها دورها وأهليتها ومكانتها القيادية، وشمولية تمثيلها لكل التيارات السياسية الفلسطينية، بما يضفي مصداقية أكبر على وحدة ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني… جرى تعويمها أكثر، بفتح أبواب اجتماعاتها لكل من رغب، أو تواجد في مبنى الاجتماع، من ممثلي فصائل، أو وزراء في السلطة، أو أعضاء في المجلس التشريعي. وهكذا تهلهل وضعها أكثر، ولم تعد بياناتها أو قراراتها تحمل معنى أو موقفاً محدداً، أو تحظى باهتمام واحترام الرأي العام.

ومن الناحية القانونية فإن اللجنة التنفيذية تعتبر بحكم المنتهية واللاغية لفقدان النصاب القانوني ذلك أن أكثر من ثلث أعضائها، يعتبر شاغراً بالوفاة، أو الاعتقال، أو تجميد العضوية، أو التغيب، وهذا يقتضي، كما ينص النظام، على ضرورة الدعوة الفورية للمجلس الوطني لاجتماع غير عادي لملء هذه الشواغر. وعلاوة على ذلك فإنَّ ٧ فقط من أعضاء اللجنة الحالية منتخبون، والباقي معينون في خرق واضح للنظام الأساسي.

إنَّ الحق في مقاومة الاحتلال بشتى الوسائل حق مشروع لكل فلسطيني، حق تكفله المواثيق والشرائع الدولية، وأقرته الجمعية العامة للامم المتحدة في القرار ٣٣٧٦ الذي أنشأت بموجبه لجنة خاصة لتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة.

إن المقاومة هي التي أعادت قضية فلسطين إلى الواجهة الدولية.. لقد قرَّر هؤلاء "المناضلون" أن يـَصُمـّوا آذانهم عن سماع آهات الجرحى وصرخات الأرامل وعويل الأمهات اللواتي يحترقن من الألم والبؤس، وارتضوا لأنفسهم القيام بدور الأبواق في لعبة قذرة تديرها الولايات المتحدة الأمريكية ووكلاؤها في المنطقة، تلك الأنظمة البائدة التي تحاول العودة إلى الواجهة الدبلوماسية من نافذة الجرح الفلسطيني.

هؤلاء هم من يدعون تمثيل ١٢ مليون فلسطيني، ويصيحون ليل نهار أنهم" الممثل الشرعي والوحيد" لهذا الشعب المغلوب على أمره. لقد قامت "حكومة عموم فلسطين" وهي -بخلاف السلطة الفلسطينية- لا تملك إلا المكاتب المتواضعة والأختام المعترف بها. وكانت الوصاية العربية على الحكومة هي العامل الرئيسي الذي أدى إلى إجهاضها. ولكن التاريخ يـُسجـِّل لحكومة عموم فلسطين موقفها المبدئي الثابت الذي لم تتنازل عنه والمتمثل بتمسكها بالدستور وقرارات المجلس الوطني، ولم تقدم أي مشروع يقضي بحل القضية يـُنكر على الشعب الفلسطيني حقوقه التاريخية.

إن أحد قوانين التاريخ هو: أنه عندما يقع الاحتلال تسقط الشرعية الرسمية داخل الوطن وتصبح الشرعية للمقاومة وحدها، ومقاومة الشعب الفلسطيني للمحتل لا تقاس بحجمها الحالي، ولا بظروفها الحالية، وإنما تقاس بحجمها المستقبلي وقدرتها على الاستمرار.

ومن هنا فإن الذين يقاومون الاحتلال ويرفضونه هم وحدهم المعبرون عن الشرعية الوطنية، وهذا يعني أنه ليس من حق فئة أو مجموعة لا ترفع السلاح في وجه الاحتلال أن تدَّعي تمثيل الشعب الفلسطيني. فليس من حق أي فلسطيني، أو حركة فلسطينية، المساومة على الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف لـ١٢ مليون فلسطيني.

وبعد؛

لقد كافح شعبنا الفلسطيني ضد الصهيونية، ومن أجل حقه في الحياة الحرَّة الكريمة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، منذ العشرينيات من القرن الماضي. وإذا كان التنازل والمساومة والتفريط تبدو وكأنها ردود فعل طبيعية في هذه المرحلة، فإنها تبدو كذلك لأنها من طبيعة مرحلة الاحتلال.

ولا يعيب شعبنا الفلسطيني أن يكون البعض من فاقدي الانتماء والكرامة، الذين فـُرضوا على هذا الشعب الأبيّ، ووجدوا أنفسهم "قادة" في غفلة من الزمان، ضالعين في ردود الفعل هذه، فقد ظهرت عبر التاريخ فئات تنازلت وساومت وفرَّطت، ولم يكن الماريشال "بيتان" أولهم، كما أنَّ "قرضاي" لن يكون آخرهم في التاريخ المعاصر.

قبل ٦٦ عاما حذَّرَ شاعر فلسطين إبراهيم طوقان، وكأنه يوجه سهام نقده لنمر حمـَّاد وصائب عريقات وعزام الأحمد وأمثالهم :

"في يـَـَدينا بقية من بلاد… فاستريحوا كي لا تضيع البقية"

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق