منظمة أوبك هل تنهار قريبا؟

منظمة أوبك هل تنهار قريبا؟

منذ بدأت منظمة أوبك التي قامت من أجل هدف سياسي واقتصادي رئيسي وهو مواجهة الرأسمالية المتوحشة ممثلة في كارتل الشركات الكبرى المتحكمة في سوق النفط إنتاجا وتسويقا. ومن يومها وحتى الآن ومنظمة أوبك مازالت في مرمى نيران الرأسمالية العالمية، وهي تواجه اليوم عواصف كثيرة وأزمات شتى، دفعت الكثيرين للتساؤل: هل يشهد العالم إنهيار هذه المنظمة العريقة قريبا؟

تأسست منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) يوم ١٤ سبتمبر ١٩٦٠ بمبادرة من الدول الخمس الأساسية المنتجة للنفط في حينه (السعودية وإيران والعراق والكويت وفنزويلا) في اجتماع عقد بالعاصمة العراقية بغداد، وبذلك أصبحت أوبك أهم وأكبر منظمة أنشئت من طرف الدول النامية لرعاية مصالحها، والسيطرة بشكل أكبر على أسعار البترول وترتيبات الإنتاج، وتضم المنظمة حاليا اثنتي عشرة دولة هي: قطر، إندونيسيا، ليبيا، الإمارات، الجزائر، نيجيريا، أنغولا، إضافة إلى الدول الخمس المؤسسة، وانتقل مقرها عام ١٩٦٥ من سويسرا إلى العاصمة النمساوية فيينا.

الرأسمالية العالمية بقيادة أمريكا لم تكن لتسمح لمنظمة أوبك بالعمل بعيدا عن فلك النظام الدولي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فتم إنشاء منظمة “التعاون والتنمية الاقتصادية” وهي منظمة تأسست سنة ١٩٤٨ من أجل إدارة خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

وبعد فترة تم توسيعها لتشمل عضويتها بلدان غير اوروبية، وفي سنة ١٩٦٠ تم تغييرها لكي تواجه منظمة أوبك الساعية لمواجهة النفوذ المتنامي للرسألمية العالمية. بالجملة كانت منظمة “التعاون والتنمية الاقتصادية” إحدى أدوات الهيمنة والضغط الأمريكية للسيطرة الاقتصادية والمالية على العالم، ولا تختلف كثيرا عن سائر المنظمات الدولية التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وجسدت ثقافة المنتصر.

أوبك لم تلعب دورا سياسيا واضحا حتى جاءت لحظة التأثير الدولي الأبرز في مسيرة أوبك في حرب ٧٣ بين مصر وإسرائيل، عندما قررت أوبك خفض الإنتاج من النفط، وفرض حظرا على شحنات من النفط الخام إلى الغرب، الولايات المتحدة وهولندا تحديدا، حيث قامت هولندا بتزويد إسرائيل بالأسلحة وسمحت للأميركيين باستخدام المطارات الهولندية لإمداد ودعم إسرائيل، ونتيجة لهذا فإن سعر السوق للنفط ارتفع بشكل كبير على الفور، أثر الحظر بشكل فورى على مدفوعات الشركات في أوبك، وتضاعفت أسعار النفط أربع مرات بحلول عام ١٩٧٤وهذه الزيادة في أسعار النفط كان لها آثار ضخمة على الدول المصدرة للنفط، ومعظمها من بلدان الشرق الأوسط التي طالما هيمنت عليها القوى الاستعمارية الصناعية، حيث أمتلكت لأول مرة آداة ضغط قوية ومؤثرة، بعد أن أصبحت تسيطر على سلعة حيوية هامة جدا، وشكل تدفق رأس المال لها مصدرا هاما لتكوين ثروات واسعة .

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
القرصنة البحرية الصومالية

الدول الأعضاء في أوبك قاموا بتأميم شركات البترول في بلدانهم، وأبرزها، قامت المملكة العربية السعودية بالسيطرة على تشغيل شركة أرامكو، وغيرها من الدول الأعضاء في أوبك حذت حذوها، وتحقق حلم رئيس الوزراء الإيراني الدكتور مصدق حقيقة بعد أكثر من عشرين سنة من الاطاحة به بسبب خططه لتأميم الشركات الأمريكية العاملة بالنفط في إيران.

وفي الوقت نفسه، أنتجت الفوضى صدمة في الغرب، في الولايات المتحدة، ارتفع سعر التجزئة للجالون من البنزين من متوسط ٣٨.٥ سنتا في مايو ١٩٧٣ إلى ٥٥.١ سنتا في يونيو ١٩٧٤، وفى الوقت نفسه بورصة نيويورك للأوراق المالية فقدت ٩٧ مليار دولار في قيمة أسهمها في ستة أسابيع فقط!

حتى استبد اليأس بالأمريكان وفكروا في احتلال حقول النفط في الخليج. فقد أظهرت الوثائق السرية المفرج عنها بعد مرور سنوات الحظر؛ أن الحكومة البريطانية كانت تعتبر هذا القرار خطيرا جدا لدرجة أنها وضعت تقييما مفصلا عن الخطوات التي قد تتخذها الولايات المتحدة. وكانت الخطة الأمريكية تقوم على أساس أن القوات الأمريكية المحمولة جوا ستستولي على منشآت النفط في السعودية والكويت، وتطلب واشنطن من بريطانيا أن تفعل المثل في أبو ظبي بالإمارات. وقد أظهرت الوثائق كيف يحتل تأمين إمدادات النفط قمة اهتمامات الحكومات.

مرت منظمة أوبك بأزمات نفطية كثيرة نتيجة هذا الموقف السياسي الاقتصادي المزدوج من حرب ٧٣، أزمات شملت سنوات ٧٩، ٨٠، ٨٨، ٩٠، ٢٠٠١، ٢٠٠٣، ٢٠٠٨ انتهاء بالأزمة الأخيرة، وتمّ نعي أوبك فعليّا مرّات عديدة في الماضي، أبرزها في الثمانينيات، عندما انهارت أسعار النفط من ٣٥ دولار إلى نحو ١٠ دولار للبرميل في أعقاب تطوير صناعة النفط في بحر الشمال، وتراجعت إيرادات النفط السعودية بشكل ملحوظ، وحاول السعوديون حينذاك أيضًا مكافحة المنافسة الجديدة في بحر الشمال بواسطة رفع أسعار الإنتاج، وقد أدت العملية آنذاك أيضًا إلى انخفاض حادّ في الأسعار، وفي نهاية التسعينيات تراجع سعر برميل النفط إلى ٩ دولار وتم الحديث مجدّدا عن نهاية أوبك، ولكن المنظّمة نجت من جديد ،وحتي نشوة الصخر الزيتي الأمريكية الحالية أيضًا لن تستمرّ إلى الأبد.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
كفاكم تمثيلاً أيها الأرجوزات

وهناك محلّلون يتوقّعون بأنها ستنتهي قبل نهاية العقد الحالي، وسوف يستمرّ الطلب على النفط من قبل الأسواق الناشئة بالتزايد، حيث تملك أوبك ٨٠% من احتياطيات النفط في العالم. وحتى عام ٢٠٤٠، وفقا لوكالة الطاقة الدولية، ستنمو حصّة دول أوبك في سوق النفط العالمي بمقدار ٤٩% مقابل ٤٢% اليوم، وذلك بعد أنّ تنضب بشكل نهائي موارد النفط لدى بعض الدول التي ليست أعضاء في المنظمة. ومع كل هذه الأزمات ظلت المنظمة محتفظة بثباتها التنظيمي ووحدة أعضائها واتفاق الرؤية بينهم حتى الأزمة الأخيرة والتي وصلت لمستويات خطيرة من الخلاف.

أسعار النفط المتناقصة يوماً بعد يوم، ساهمت في اشتعال نيران ثورة ضد اللاعب الرئيسي داخل جدران منظمة أوبك؛ السعودية. هذه المعركة الداخلية خرجت للعلن بين السعودية ومنتجي النفط الأصغر مثل فنزويلا والجزائر، فهذه الدول ترغب بالتقليل من إنتاج النفط للمساعدة برفع أسعاره ودعم أوضاعهم الاقتصادية السيئة والتي تضررت بشدة جراء انخفاض أسعار النفط بشكل كبير منذ أكثر من عام، في حين تصر السعودية على عدم خفض الانتاج، ومحاولة الحفاظ على الحصة التسويقية مع كبح جماح الانخفاض في الأسعار. وكل فريق له مبرراته ودوافعه لاتخاذ مثل هذا الموقف.

انهيار أسعار النفط تسبب أضرار اقتصادية بالغة لدى الدول الأقل إنتاجاً للنفط، مثل الجزائر وأنجولا والإكوادور ونيجيريا وفنزويلا، وبدأت هذه الدول بطلباتها للسعودية بتغيير استراتيجيتها، في ظل الرفض السعودي أخذ الانقسام يضرب أوبك لأول مرة بهذه القوة. يقول المحلل الاقتصادي “فاضل غيث” الذي عمل على تغطية أخبار قطاع النفط منذ ٣٥ عاماً “أوبك لم تكن أبداً منقسمة بهذا الشكل”. ومن جهته حذر وزير النفط الفنزويلي بانخفاض أسعار النفط لتبلغ ٢٥ دولاراً للبرميل إن لم تتصرف “أوبك” بسرعة، ودعت الجزائر إلى تحديد أرضية ثابتة لأسعار النفط، بينما قال وزير النفط الأكوادوري إن الطريقة الوحيدة لإعادة التوازن للسوق تتمثل بقطع الانتاج نهائيا. في حين علق محمد سنوسي الثاني المدير السابق للبنك المركزي النيجيري في مقابلة مع وكالات الأنباء على الخلاف الدائر في أوبك بقوله “إن قرار السعودية بإفاضة السوق بالنفط يعتبر خاطئاً، مضيفاً “إنه لا يساعدهم ولا يساعد أي أحد”، في حين ألمح وزير النفط الإيراني إلى ما أسماه تواطؤ سياسي في معرض تفسيره لأسباب انهيار أسعار النفط ويبدو أن هذا “التواطؤ” الذي تحدث عنه وزير النفط الإيراني يقصد به صراع السعودية، بدعم من دول الخليج، مع منافساتها الرئيسية: روسيا، التي تنهار اقتصاديا في أعقاب تراجع أسعار النفط، وأيضا مع منتجي النفط الصخري داخل الولايات المتحدة.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
حيل الموساد لتجنيد الشباب

على الجانب الآخر فإن للسعودية مبرراتها الوجيهة في الإصرار على ضخ البترول في السوق العالمي، فقبل عشرة أعوام كانت السعودية أكبر دولة منتجة للنفط، إذ كانت تضخ ضعفي النفط الخام الذي كانت تنتجه الولايات المتحدة، لكن النفط الأمريكي ضرب التوقعات مع ثورة باستخراج الصخر الزيتي خلال السنوات الماضية، وهذا غير معادلة الطاقة العالمية، واليوم تنتج الولايات المتحدة ما يقارب الإنتاج السعودي من النفط. ولكونها المنتج الأساسي للنفط، فإن السعودية تملك تأثيراً كبيراً على أسعار النفط حول العالم، ويأمل السعوديون بهذه الطريقة أن يخرجوا منتجي النفط الأمريكيين من اللعبة على المدى الطويل بإبقاء الأسعار منخفضة، وبهذه الطريقة فإن السعوديين يمكنهم استعادة الحصة التي أخذها الأمريكيون من السوق النفطي. ناهيك عن عناد بعض الدول المنتجة للبترول والتي تدفع السعودية لمواصلة الضخ بقوة.

فقد صرح مصدر وزاري في الحكومة السعودية، بمقابلة مع جون دفتيريوس مراسل السي إن إن، إن السعوديين لن يتزحزحوا عن موقفهم إن استمرت روسيا بإنتاج ١١ مليون برميل في اليوم الواحد، وإن بقيت المكسيك خارج معادلة الدول غير المصدرة للنفط، وإن رفض العراق الدخول بقوانين “أوبك”، أي بعبارة أخرى يبدو وأن الأمور ستظل على حالها. وهو احتمال ترجحه التصريحات السعودية التي أكدت مراراً أنها لن تكرر الخطأ الذي ارتكبته في الثمانينيات من القرن الماضي، فقد خفضت الإنتاج في سبيل تحسين الأسعار، وانتهى بها الأمر إلى فقدان حصتها للمنتجين من خارج “أوبك” دون أن تتحسن الأسعار.

بيد أن أسباب أخرى تتكاتف لتدفع أسعار النفط إلى مستويات دنيا خلال العام المقبل وما تبقى من أيام خلال العام الجاري، منها:

أولاً: ارتفاع المخزونات التجارية وكميات النفط العائمة في البحار. في هذا الصدد قالت تقارير غربية ترصد حركة السفن والشحن في لندن، أن هنالك حوالى ١٠٠ مليون برميل عائمة في البحار، أي أنها شحنات على ظهر السفن الراسية بقرب موانئ الاستهلاك الرئيسية. وهي شحنات اشتراها أصحابها على أمل أن ترتفع الأسعار، من بين هذه الشحنات ٣٩ سفينة نفطية راسية بالقرب من ميناء جلفستون بولاية تكساس الأميركية، تقدر حمولاتها بحوالى ٢٨ مليون برميل. كما أن هنالك عدداً مماثلاً بالقرب من ميناء سنغافورة والموانئ الآسيوية الأخرى. ويضاف إلى هذه الكميات شحنات النفط الإيرانية العائمة وتقدر كمياتها بحوالى ٣٠ مليون برميل.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الثورة مستمرة في مصر

ثانياً: المخزونات التجارية والحكومية في الاقتصادات المتقدمة تقدر بحوالى ٤.٦ مليار برميل، حسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، من بين هذه الكميات ٣ مليار برميل من المخزونات التجارية لدى الشركات في دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، تلك المنظمة التي نشأت في الأساس لمواجهة منظمة أوبك. فيما تبلغ الاحتياطات الاستراتيجية التي تملكها الحكومات الغربية حوالى ١.٥٨١ مليار برميل.

العامل الثالث: توقعات الشتاء المعتدل في أميركا وأوروبا. وعادة ما ينعكس الشتاء على ارتفاع العقود المستقبلية لمشتريات النفط في البورصات ويقود إلى ارتفاع عقود ديسمبر ويناير وهذا العامل يعني أن استهلاك النفط في التدفئة في أوروبا وأميركا سيكون منخفضاً.

العامل الرابع: زيادة الإنتاج العراقي والصادرات النفطية العراقية. وحسب التقرير الذي نشرته رويترز يوم أواخر نوفمبر الماضي، من المحتمل أن يزيد العراق إنتاجه من النفط في وإن كان بشكل أقلّ دراماتيكية من هذا العام ما سيجعل معركة الحصّة السوقية تحتدم بين الدول الأعضاء في منظّمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) ومنافسيهم من خارجها وهي المعركة التي اضطرّت بسببها بغداد إلى بيع بعض أنواع الخام بسعر متدنّ. وأظهرت بيانات ملاحية لرويترز أن شركة النفط العراقية تعاقدت على بيع ٢٠ مليون برميل من النفط العراقي إلى الولايات المتحدة خلال شهر نوفمبر الماضي وحده، يعني ذلك زيادة بحوالى ٤٠%عن الكميات التي كان من المتوقع وصولها في أكتوبر، وتشير بيانات أمريكية إلى أن تلك الكمية تعادل أكثر من ٦٦٠ ألف برميل يومياً في المتوسط وسوف تشكل أكبر واردات شهرية عربية منذ طفرة النفط الصخري.

فلا يمكن القاء اللوم على السعودية وحدها في أزمة أسعار النفط الحالية، كما لا يمكن القبول بفكرة أن السعودية تتعمد تحطيم سوق البترول من أجل تنفيذ سياسات أمريكية في المنطقة، لأن المصالح القومية والأمنية مقدمة لدى أي نظام على علاقاته ومصالحه مع الغير، مهما كانت درجة قوة هذه العلاقات.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
فضيلة العقل بين التطرف ٢

الجميع الآن أصبح يتعامل مع أوبك على أنها فقدت دورها وتأثيرها على سوق الخام، فقد قال الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت الروسية أحد أكبر منتجي للنفط في العالم إيجور سيتشين، في تصريحات له في أكتوبر الماضي إن منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” فقدت تماماً دورها في تنظيم سوق الخام. وقال جاري روس المدير العام لشركة “بيرا” للطاقة الأمريكية: “أنه عالم جديد لا تستطيع أوبك ببساطة أن تدير السوق أكثر، الآن هو دور السوق في إملاء الأسعار، وهي ستنخفض بالتأكيد”، وقال الخبير الاقتصادي دينيس جرتمان: “أعتقد أنّنا شهدنا نهاية أوبك ككيان قابل للحياة، إنّ أوبك منكسرة تماما”. كما أشار إلى ذلك خبراء السلع الاقتصادية الرئيسيين في “بنك أمريكا” بقولهم أن منظمة أوبك النفطية لم تعد موجودة بأية طريقة ذات معنى، وأنها تفكّكت فعليّا.

يبدو من المؤكد أن الصراع الدائر حاليا بين السعودية وأطراف نفطية أخري حول زيادة الانتاج ومن ثم خفض أسعار النفط، والذي تقول المملكة أنها على استعداد لتحمل تبعاته حتى وإن بلغت أسعار النفط ٢٠ دولار للبرميل، سيقوّض حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما أنه يتحدّى صناعة الصخر الزيتي الأمريكية، ولكنه أيضًا ربما سيقوّض مكانة أوبك نفسها.

[/responsivevoice]

انشر تعليقك