مات الحياء من الألف للياء

بقلم/
مصر : ۲-۲-۲۰۱۳ - ٦:۳۰ ص - نشر

مات الحياء من الألف للياءإحترت كثيراً حول عنوان هذا المقال، فتارة أكتبه بعنوان "حجة البليد مسح التختة" لأنه يعبر عن لحظات عشناها جميعاً وهي عندما يُطلب منا المذاكرة نسرع في كثرة الطلبات من آبائنا معلقين ذلك بنجاحنا، وهنا أتذكر عندما كنت بالثانوية العامة حيث كان صراع بيني وبين أختي الصغرى التي كانت في القسم العلمي تريد كلية الطب وأنا في الأدبي وأريد العلوم السياسية، وكنت أشتري جميع الكتب الخارجية في المادة الواحدة وطبعاً أسمع من أمي "حجة البليد مسح التختة"، لكن على كل حال قد حققنا أهدافنا.

وأقف هنا وأنتقل من هذه الحالة الخاصة إلى العامة وهو ما شهدناه الأسبوع الماضي من الحوار المشروط ومليونية المبادرات التي بدأت بمبادرة عمرو موسى وأندهش  من توقيت طرح المبادرة يوم ٢٥ يناير وكأنه يعلم جيداً ما ستشهدته محافظات القناة في اليوم التالي، والتي كان سببها بعيداً عن النظام، تلت هذا مبادرة أبو الفتوح التي هُوجمت لأنها طرحت فكرة تشكيل لجنة لإدارة الأزمة مألفة من القوى السياسية ورغم أنه أفضل حل في هذه الآونة إلا أنه لم يرق لرغبة القوى السياسية التي لم تقبل بأقل من تشيكل حكومة طوارئ وهو الشرط الذي لم يخلو من أية مبادرة طرحت من قبل رموز المعارضة.

إن النقطة التي أود الإشارة إليها هنا هي ماذا بعد كل هذه المباردات؟ وماذا بعد التوقيع على وثيقة نبذ العنف؟ هل تلاشى العنف أم كانت بداية له؟ ولماذا كتب البرادعي وباللغة الإنجليزية، وهي إشارة إلى استهدافه مخاطبة الخارج الأجنبي وليس الداخل، مهدداً بأن العنف قادم وهي نفس الرسالة التي أختتم بها عمرو موسى مبادرته التي طرحت يوم ٢٥ يناير. كل هذا يتطلب توضيحاً ويستدعي تفسيراً، وهنا لا أستطيع أن أضف أكثر مما قاله الكاتب الرائع فهمي هويدي في مقاله بعنوان "في تفسير رفض الحوار" الذي نشر في جريدة الشروق بتاريخ ٣١-١-٢٠١٣.

وبعد لحظات أغير رأيي وأرغب في عنوان آخر للمقال كما هو عليه الآن، حيث أستشعر ظاهرة مستحدثة وغريبة على مجتمعنا، لم نكن نشهدها بهذه الدرجة، وهي عدم الخجل من التصرفات المتناقضة التي لا تتناغم مع مبادئنا وأفكارنا، ورغم أنني أشرت إليها في مقال سابق بعنوان "اللي على راسه بطحة" (نشر في ٢٣-١-٢٠١٣) إلا أنني لم أستوف التنظير والتحليل في هذه الظاهرة المنتشرة حالياً.

وهنا أبدأ بشيوع تغليب أهل الثقة على أهل الخبرة، والتي تضع حداً لحاملي المؤهلات والخبرات وتدفع بعناصر ليس لديها أي شيء سوى القرابة أو "الشللية"، لذا أتساءل كم ممن يظهرون على شاشات الفضائيات متخصصون في العلوم السياسية، إن العلوم السياسية هي علم الدولة وأرقى العلوم ومع ذلك وللأسف تحدث بأسمها من لا صفة له، ودخلها من لا عمل له، وفي ظل هذا فلا غرابة من أن يختفي متخصصيها من الإعلام، كما لاحظت تعمق دور ما نطلق عليه "مقاول أنفار" ففجأة نجد أشخاصاً ليس لديهم أية كفاءة أو مهارة سوى أنهم مستعدون لفعل أي شيء من أجل الشهرة وجلب المال، لا أنكر أن هذه الظاهرة كانت موجوه في نظام مبارك إلا أنه كان حريصاً على إخفائها من الظهور في الإعلام، والآن نجدها متفحلة في العملية السياسية وأصبح لها دور فاعل ويتم تصعيد رموزها إعلامياً والدفع بهم لأن يكونوا فاعلين جدد في الممارسة السياسية تحت مسمى النشطاء السياسيون أو شباب كذا وشباب كذا، وهنا أحزن كل الحزن من الزج بهم لتلويث العمل الثوري ولتشويه سمعة النشطاء الشرفاء.

ومن مظاهر عدم الحياء أيضاً، أنه عندما يقول أحد كلمة حق مراعياً ضميره ومبادئه يطلقون عليه إخوانياً أو عميلاً لأمن الدولة لضرب سمعته وفي ذات اللحظة يثنون على من لا قيمة له لسهولة برمجته والدفع به لأدوار معينة وهو ما يشبه دور محمد صبحي في فيلم "على بيك مظهر"، وكلنا شهدنا العديد ممن تم تصعدهم لمجرد أنهم ذموا وأنتقدوا تياراً سياسياً بعينه بصرف النظر عن عقلانية النقد وموضوعيته وهذا ما حول البراجمانية إلى إنتهازية سياسية حيث إتخذ هؤلاء من السياسة مجالاً للمتجارة، وهنا صدقت مقولة د. كمال المنوفي "دخلت التجارة في السياسة ففسدت التجارة وفسدت السياسة".

وعلى الجانب الآخر، تجب الإشارة إلى ما تقوم به جماعة الحزب الحاكم من فتح مناصب الدولة للمنتميين لهم فقط وكأنهم مواطنين بشرطة والآخرين لم يصلوا إلى هذا المستوى، وفي حالة أن أجبرتهم الظروف على التجمل يستهدفون رموزاً قريبة إلى إيديولوجيتهم وهو ما ظهر في إستقطاب بعض أساتذة العلوم السياسية المتخصصين في الفكر الإسلامي، إن هذا التصرف سبب حقيقي فيما نشهد الآن من توحد جبهات المعارضة ضدهم فليس من المقبول على الإطلاق أن يقصى أبناء الشعب من إعتلاء أجهز الدولة التي هي ملكاً لهم.

إن مصر ممتلئه بالعديد من أهل الخبرة والحكمة يجب استقطابهم وتوظيفهم في الأماكن المناسبة، آن الوقت لإعلاء أهل الخبرة وإحتواء القوى السياسية بمشاركتها في صنع القرار وذلك من خلال استهداف التكنوقراط من مختلف القوى السياسية، فكل حزب لديه العديد من هؤلاء لكنهم ليسوا ممن يرغبون في الشو الإعلامي أو يكثرون من التصريحات والمبادرات، فمن المستحيل أن تتتقدم دولة للأمام معتمدة على أناس لا يعرفون غير التلون والإنتهازية، لذا يجب على مؤسسة الرئاسة أن تبحث عن العقلاء والشرفاء لخلق توافق وطني حقيقي يهدف لنقل مصر إلى بر الأمان، وأن تنأى بعيداً عن من يحاولون الفوز بالمناصب متاجرين بالدم المصري، وأُذكِر الرئيس مرسي هنا بمقولة معاوية عندما سأله أعرابي كيف حكمت أربعين سنة ولم تحدث فتنة بالشام والدنيا تغلي؟ فقال معاوية إن بيني وبين الناس شعرة، إذا أرخوا شددت وإذا شدوا أرخيت.

وفاء داودمصر

مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق