خطاب نتنياهو رعونة لغوية أم عقيدة سياسية

خليل الأغا
مصر : ۲۵-۵-۲۰۱۱ - ۱۱:۲۰ ص - نشر

لندن – خاص لموقع أهـــلاً العربية – بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه أمام الكونغرس الأميركي الثلاثاء وكأنه جاء بجديد. الحقيقة أن كل ما تحدث عنه كان متوقعاً، تقليدياً، ومؤكداً لكل ما تحدث فيه سابقاً، بل إنه خلاصة كتابه "مكان تحت الشمس" الذي ألفه قبل أكثر من 13 عاماً. فلم إذاً أبدى كثير من المتابعين إنزعاجهم الشديد حين قال نتنياهو إن القدس الموحدة ستظل عاصمة إسرائيل إلى الأبد؟!

المواقف هي ذاتها التي نشأت عليها اسرائيل منذ اكثر من 63 عاماً، لم يغيروا ولم يبدولوا إلا ما قد تقتضيه أحياناً الحصافة الإعلامية، واللباقة الديبلوماسية ومحاذير العلاقات العامة. أما ما يعلمه الإسرائيليون لإطفالهم في المدارس والمعابد الدينية أن إسرائيل هي من البحر إلى النهر، بل أن أرض إسرائيل القديمة كانت ممتدة أكثر من ذلك. لا مكان لدى صانعي السياسة الإسرائيلية لـ"خزعبلات الدولة الفلسطينية" التي يحلم بها الفلسطينيون. هي لم تكن أبداً لا في خلدهم ولن تكون، لذا فعندما يكبر أطفالهم سيستغربون من أن هناك من يريد منازعتهم "دولتهم" بإدعاء أن لهم حقوقاً سياسية، وطنية، أو قانونية.

إذاً فالأمر ليس مجرد خلاف هنا وإختلاف في وجهات النظر أو حول قطعة أرض هنا أو مستوطنة هناك. فالإسرائيليون متمرسون جداً، وأشهد لهم بهذه الكفاءة، في المراوغة وخلق الإشكاليات الفرعية، وإستحداث بؤر إختلاف تبتعد تدريجياً عن المطالب الأساسية. ولديهم طواقم متخصصة في التفاوض والمراوغة. وكانت فرصة اوسلو خير "معمل حي" لتطبيق وممارسة وتطوير قدراتهم في هذاالمضمار. فمنذ 1992 إلى يومنا هذا وهم يمارسون فنونهم في مضمار المراوغة السياسية لدرجة إرهاق من يقابلهم، ولا أستتبعد خروج بعض من يقابلهم بعقد نفسية وأمراض عصبية.

الفرق بين الإسرائيليين والفلسطينيون أنهم واضحون جداً فيما يريدونه ولا يخفون ذلك وكل ما يفعله قادتهم المتعاقبون هو المراوغة، كل على طريقته الخاصة. فيما الفلسطينيون يترددون كثيراً، ويتراجعون ويتقدمون، ويختلفون، ويقبلون تارة ويرفضون اخرى، و"يطورون" مطالبهم من حين لاخر بحسب ما تقتضيه "البراغماتية" التفاوضية.

المشكلة لدى الفلسطينيين ومن خلفهم العرب –الذين نتمنى أن يكون صنيعهم بعد الثورات العربية مختلفاً– فهم بسيطون وطيبون إلى درجة السذاجة في أحيان كثيرة. فكلما جاءهم رئيس اميركي منذ عهد كلينتون يعدهم بالدولة الفلسطينية خلال سنتين. وتتوالى السنتان ويتوالى الرؤساء الاميركيون، الذين يبدو أنهم بعد إنتخابهم تصلهم قائمة ما يجب قوله للعالم ومن ضمنها عبارة "أخرج الى الفلسطينيين في خطاب وقل لهم: ندعم دولة فلسطينية إلى جانب دولة اسرائيل، وسنسعى إلى تحقيق الدولة خلال عامين". وإذا أعيد إنتخابه لفترة رئاسية ثانية فعليه تكرار العبارة مجدداً. فقد قالها كلينتون، ومن بعده بوش الإبن مرتان، ومن بعده أوباما الذي تكاد فترته الأولى تنتهي ولما تأتي بعد "السنتان".

ويتعلق قادة الفلسطينيين من المفاوضين كثيراً بمن يأتي إلى سدة الحكم في إسرائيل، بل وإنهم يدعمون علناً مرشحاً عن آخر لأن خصمه متعنت وأكثر يمينية. والحق أقول لما أرى في قادة إسرائيل منذ 63 عاماً أياً من اليسار الذي يحمل في حقيبته خارطة الدولة الفلسطينية. فشمعون بيريز الحمل الوديع الذي كان يفضله الفلسطينيون لزعامة الحكومة قديماً، يعتبر كبير المراوغين في إسرائيل، فهو يعطي في أحاديثه انطباعاً أنه أول من يجب أن يمنح الجنسية الفلسطينية من غير العرب في حال قامت الدولة، لكنه أكثر من يشدد أن القدس عاصمة موحدة لإسرائيل. بل إن الحمل الأكثر وداعة، إيهود أولمرت، لم يكن فقط يشدد على يهودية العاصمة بل عمل لسنوات طويلة حين كان رئيسا لبلدية القدس على تهويد المدينة بشكل لم يسبقه إليه أحد. فهم يفاوضون الفلسطينيين لسنوات ويبدون تشدداً كبيراً وقبيل مغادرتهم مناصبهم يوهمون الفلسطينيين أنهم كانوا على وشك تسليمهم مفاتيح الدولة، لكن نظراً لأنهم سيرحلون من مناصبهم فللأسف ستعود المفاوضات إلى نقطة البداية.

لم يحن بعد إنتهاء السنتين، التي يعد بهما زعماء البيت الأبيض، والأكيد أنهما ستكونان أطول سنتين في عمر الشعب الفلسطيني. وفي كل مرة نعتقد أن الرسالة الإسرائيلية تبدو أكثر جلاء ووضوحاً، وهو ما سيقلب المعادلة لدى الفلسطينيين ويجعلهم يخرجون بخطوة جرئية –أياً كانت– يفاجئنا هؤلاء القادة بشعارات فضفاضة لا تسمن ولا تغني من جوع بأنهم "مصممون على المضي قدما في طريق السلام". نحن نعرف قدراتهم وإمكانياتهم والخلفية السياسية التي قدموا منها، ولن نحملهم فوق طاقتهم ونقول لهم "ارموها في وجوههم" لكن ابقوا في خط السلام لكن ارونا خطوات جرئية بحق السماء!

هناك مثل فلسطيني يقول "اللي تعرف ديته اقتله" بمعنى اذا كنت تعرف سلفا ثمن ما ستقدم عليه فافعله. والإسرائيليون عرفوا "ديتنا" وخبروا سقف "تهديداتنا" وما يمكن ان "نؤذيهم" به. لذلك هم لا يكترثون كثيرا للتصريحات "النارية" والعنتريات الغاضبة التي يطلقها الفلسطينيون تعقيباً على خطواتهم وتصريحاتهم. للأسف هم قوم عمليون أكثر من الفلسطينيين، فهم اصحاب نفس طويل في التفاوض، ولكنهم أيضاً أصحاب يد طولى في البناء والإستيطان ومصادرة الأراضي. فلا غرو أن نعلم مثلا ان مساحة الإستيطان والأراضي التي صودرت من اصحابها الفلسطينيين وطرد سكان القدس وتهويد المدينة تضاعف عشرات المرات عما قبل اوسلو. فهم لا يضيعون الوقت لكن الفلسطينيون يفعلون. واستطاع الإسرائيليون تثبيت نظرية "الواقع على الارض" إذ اصبحت تؤخذ في الاعتبار وعلى هذا المبدأ فقط نجحت اسرائيل في تدمير واقعية الدولة الفلسطينية.

قد تبدو للبعض هذه الرؤية سوداوية ومتشاءمة، ليست على الإطلاق، لكنها الواقع المر، ولا يسغرب القارئ العربي والفلسطيني أن يأتي يوم سيقال فيه للفلسطينيين أرضكم هناك خلف النهر، فـالواقع على الارض هنا لم يعد يسمح. أنتم غالبية هناك والأرض كبيرة وسيقبل العالم بهذا تدريجياً وكل المؤشرات تميل في هذا الاتجاه لدى الرأي العام الاسرائيلي. قد يتركوا متطرفيهم أحياناً يتحدثون عن هذا الامر، لكنهم جميعا متفقون في ما بينهم على ذلك، انما يختلفون في طريقة توصيله للفلسطينيين.

وطالما بقي قادة الفلسطينيين من المفاوضين على ذات النهج التفاوضي، فسنصحوا يوماً لنجد من يقول لنا "كان غرضنا السلام لكننا لم نوفق ونأسف لضياع الحلم الفلسطيني ولضياع الأرض الفلسطينية ولضياع القدس، ونأمل من العالم ان يتوسط لدى اسرائيل لتسمح لنا بزيارة أنقاض المسجد الاقصى وأطلال كنيسة القيامة".

خليل الأغا بريطانيا

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

_______________

الصورة الأولى: الناشطة ريا أبيليا تهتف "أوقفوا جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل" أثناء خطاب نتنياهو بالكونجرس الأمريكي، ٢٤ مايو ٢٠١١.

الصورة الثانية: الناشطة ريا أبيليا في العلاج بالمستشفى بعد أن قام حرس الكونجرس ومؤيدو إسرائيل بالهجوم عليها بعد هتافها ضد نتنياهو.

الصورة الثالثة: جزء من فاعليات الذكرى الثالثة والستين للنكبة (إعلان قيام دولة للكيان الصهيوني الإسرائيلي على أرض فلسطين العربية).

الصورة الرابعة: تظهر أرض فلسطين باللون الأخضر وإسرائيل باللون الأبيض، بين عام ١٩٤٦ وعام ٢٠٠٠، وتظهر التوسع الإسرائيلي العنصري.

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق