دول الجوار – حروب مستمرة أو تكامل وتعاون؟

دول الجوار – حروب مستمرة أو تكامل وتعاون؟

في إطار “مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي” الذي اعده مركز دراسات الوحدة العربية في اواخر ثمانينات واوائل تسعينات القرن الماضي، بإشراف د. خير الدين حسيب ومشاركة عشرات المفكرين والباحثين العرب، جرى التركيز على موضوعين مهمين، الاول ضرورة إنهاء الصراع الفكري والسياسي بين التيار القومي والتيار الاسلامي، وقد تم تنفيذ ذلك من خلال اقامة المؤتمر القومي الإسلامي وعقد مصالحة تاريخية بين التيار القومي والتيار الديني، والثاني تطوير العلاقات بين دول الجوار والوطن العربي، دول الجوار هي إيران وتركيا واثيوبيا، وقد جرت محاولات عديدة من قبل المركز ومؤسسات عربية وايرانية وتركية لعقد مؤتمرات حوارية وتصالحية بين العرب والايرانيين والاتراك، وبعضها حقق نتائج ايجابية في حين ان بعض المؤتمرات لم يحقق المطلوب بسبب التطورات والصراعات السياسية والعسكرية وما جرى في الوطن العربي من ثورات شعبية وتدخلات خارجية.

واما على صعيد العلاقة مع اثيوبيا وغيرها من دول الجوار الافريقية فلم تحظ بالاهتمام المطلوب، باستثناء محاولات يتيمة من بعض المؤسسات العربية والتي كانت تنشط لتعزيز التعاون العربي–الافريقي لمواجهة الارهاب.

ومع ان مشروع سد النهضة، والذي بدأت اثيوبيا بناؤه قبل حوالي عشر سنوات، كان يشكل جرس انذار على صعيد مخاطر مستقبل العلاقات المصرية–السودانية–الاثيوبية، فلم يتم مواكبة هذا التطور الخطير بالمستوى المطلوب من الاهتمام، رغم انه عقدت بعض المؤتمرات في بيروت والقاهرة حوله، ورغم رفع الصوت عاليا في مصر تجاه مخاطره منذ عدة سنوات.

واليوم وازاء التطورات المتسارعة بشأن سد النهضة، وفي ظل التطورات العسكرية والسياسية الجارية في اكثر من دولة عربية وتزايد الدور الايراني والتركي في هذه الدول، لم تعد القضية توضع في اطار علاقات الوطن العربي بدول الجوار، بل اصبحت هذه الدول عنصرا فاعلا داخل الوطن العربي، سواء كان ذلك بشكل سلبي او ايجابي، حسب توصيف كل جهة وكل دولة لهذا الدور، ولذا كان لا بد من العودة لمشروع إستشراف مستقبل الوطن العربي والتحديات التي تحدث عنها وكيفية مقاربة هذه التحديات.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
موجة من لاجئي المناخ

فعلى ضوء هذا المشروع الإستشرافي، أطلق مركز دراسات الوحدة العربية انذاك المشروع النهضوي العربي، الذي يركز على تطوير الديمقراطية وحقوق الانسان والتنمية والحوكمة الرشيدة والتطور التقني او التكنولوجي والتحرر من الاستعمار والقضية الفلسطينية او الصراع مع العدو الصهيوني، وقد تبنى المؤتمر القومي العربي، ولاحقا المؤتمر القومي–الاسلامي، هذا المشروع وكان يعمل من اجل تبنيه وتطبيقه، وبموازة ذلك اعادة تقييم العلاقات مع دول الجوار وانهاء الصراع التاريخي مع هذه الدول وبناء علاقات جديدة ترتكز على التعاون والاحترام المتبادل.

لكن للاسف كل التطورات التي حصلت في الوطن العربي خلال السنوات العشر الاخيرة تناقضت مع المشروع النهضوي العربي، وقضت على كل محاولات التقارب او التعاون او التكامل مع دول الجوار، وتحوّل الوطن العربي الى ساحة صراع لهذه الدول مع دول عربية اخرى او من قبل القوى الدولية، واصبحت تركيا واثيوبيا وايران تتحكم بالثروات المائية للدول العربية المجاورة لها، وبدل ان يؤدي مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي إلى وعي المخاطر ومواجهتها، هانحن اليوم نقع في قلب هذه المخاطر والصراعات، واصبحت دول الجوار حاضرة في كل تفاصيل الواقع العربي.

فكيف نواجه هذه المخاطر والتحديات في ظل غياب المشروع العربي النهضوي والموحد؟ وفي ظل الصراعات العربية–العربية واستفادة دول الجوار من هذه الصراعات كي تصبح عاملا فاعلا ومؤثرا في الدول العربية وفي ظل تراجع المؤسسات العربية الرسمية والاهلية وتفكك معظم مجالس التعاون العربي في المشرق او المغرب او بين الدول العربية المتقاربة مثل مصر والسودان.

نحن امام خيارين لا ثالث لهما: إما البحث عن افاق للتعاون والتكامل مع دول الجوار وحل المشكلات بالحوار والمفاوضات والاستفادة من هذه الدول لصالح تطوير الوطن العربي، واما الاستمرار في الصراع والحروب والمواجهات مع هذه الدول والذهاب الى صراع دائم ومستمر لن يؤدي الا الى المزيد من الدمار والقتل وتدمير الدول العربية وسقوط المزيد من الخسائر في الارواح والممتلكات.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
غضب الجزائرين من caméra cachée يصل إلى فرنسا

طبعا لا يعني الحوار والتفاوض الاستسلام لمطالب هذه الدول اوالخضوع لارادتها، بل يعني البحث عن المصالح المشتركة، لكن كلا الخيارين: الحوار او الصراع والحرب، يتطلبان وجود مشروع عربي موحد ورؤية عربية مشتركة تجاه التحديات الداخلية والخارجية، وهذا ما نفتقده اليوم، ولعل مراجعة تاريخ الوطن العربي القديم والحديث تؤكد ان استمرار الصراعات والخلافات داخل الوطن العربي هي التي سمحت للدول والقوى الخارجية للتدخل والسيطرة على هذه الدول بحجة دعم جهة ضد اخرى او لحماية سلطة ضد سلطة.

نحن اليوم امام مأزق كبير في ظل الصراعات الممتدة في اكثر من دولة عربية، والمخاطر القادمة من سد النهضة ومن غيره من السدود التي اقيمت سابقا، كل ذلك يتطلب من العرب اعادة التفكير بطريقة جديدة بعيدا عن صراعات السلطة او الاستعانة بدول خارجية لحل مشاكلنا، فاذا لم نتوحد ونتفق على حل مشاكلنا الداخلية ونعيد بناء المشروع النهضوي العربي برؤية جديدة، فسندفع الثمن غاليا، وهذا ما تحدث عنه سابقا الروائي الجزائري الواسيني الاعرج في روايته، العربي الاخير، الذي يتنبأ فيها ان تتحول الدول العربية الى دول فاشلة تحتاج الى المساعدات الاجنبية تحت رعاية منظمة دولية تعنى بتقديم الاعانات للشعوب الفقيرة والجائعة.

الفرصة لا تزال متاحة امامنا في البحث عن المشروع العربي النهضوي واعادة البحث مجددا في علاقاتنا مع دول الجوار من موقع القوة وليس من موقع الضعف بشرط ان نكون موحدين وان نعرف ماذا نريد لا ان نغرق في الصراعات الداخلية والصراع على السلطة.

نحتاج مجددا لنهضة عربية حقيقية ومشروع جديد لاستشراف مستقبل الوطن العربي وإلا فسنغرق جميعا في الموت والدمار وتنتشر انهار الدماء في وطننا العربي بدل انهار النيل والفرات ودجلة والليطاني وغيرها.

[/responsivevoice]

اترك تعليقاً