الإحتكار آفة الإقتصاد العربي

الإحتكار آفة الإقتصاد العربي

تعد قضية الاحتكار من اكثر القضايا المثارة حالياً على الساحة الاقتصادية العربية، لا سيما في ظل تنامي هذه الظاهرة واستفحالها في الفترات الأخيرة، وما يتزامن معها من تزايد ملموس في أسعار السلع الأساسية.

وكما هو معروف يعني الاحتكار ببساطة، حجب السلعة عند رخص ثمنها، وعرضها عند الحاجة الماسة إليها، مما يترتب على ذلك من ارتفاع سعرها طبقا لنظرية العرض والطلب.

وقد أدت، ما تسمى، سياسات الخصخصة والتكيف الهيكلي التي اتبعتها العديد من الدول العربية، إلى بروز هذه الظاهرة، بعدما رفعت الدولة يدها عن الأسواق، ليلعب القطاع الخاص الدور الأكبر، في ظل جو من التنافس الحر.

خسائر المستهلكين

ورغم تزعم الولايات المتحدة للعقيدة الرأسمالية القائمة على أساس المنافسة السوقية دون تدخل الدولة، إلا أنها من أولى الدول التي أصدرت قانون منع الاحتكار وذلك عام العام 1890م، وطبقته مرات عديدة منها عام 1974م ضد شركة "أى تي أند تي" للاتصالات، وأدى ذلك وقتها إلى إنشاء 8 شركات للهاتف، بالإضافة إلى إصدار المحاكم الأمريكية أحكاما ضد شركة "مايكروسوفت" الشهيرة للبرمجيات، التي تسيطر على 90% من السوق العالمية لبرامج الحاسب الآلي، وذلك لحماية المستهلكين من الاحتكار.

وعن المنطقة العربية وبالتحديد في مصر، يعد سوق الحديد والصلب من أبرز القطاعات التي تعاني من استفحال الظاهرة الإحتكارية، بعد أن قامت شركة العز لحديد التسليح بشراء 9.9% من أسهم شركة حديد الدخيلة، ثم زيادة نصيبها إلى 27.9%، لتحتكر بذلك ما يقرب من 60% من إنتاج حديد التسليح في مصر، والذي تزامن بطبيعة الأمر مع زيادات كبيرة في أسعاره، ليبلغ حاليا ما يزيد على 4800 جنيه للطن، وهو ما يشكل ضربة قاصمة لسوق العقارات المصري، بالنظر إلى أنه يمثل 10% من تكلفة المنشآت السكنية و15% من تكلفة مشروعات البنية الأساسية، كما أدى ذلك إلى إرباك قطاع المقاولات ومعدلات انتظام العمالة بقطاع التشييد، إلى جانب تحمل المالية العامة للدولة لأعباء إضافية لدعم رجال الأعمال في هذا القطاع من ناحية ولزيادة تكلفة مشروعات البنية الأساسية من ناحية أخرى.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
كورونا تستنزف ميزانيات دول العالم الحر

وفي الأردن يرجع الارتفاع الملحوظ في أسعار الحديد بين الحين والآخر إلى احتكار 11 مصنعاً له، حيث ارتفعت الأسعار مؤخرا بنسبة 37%، والذي أدى إلى زيادة تكلفة البناء بمعدل 5.5%، إذ يمثل الحديد نسبة 6% من تكلفة العقارات.

ويمثل قطاع الاتصالات العربي من أكثر الأسواق التي يغيب عنها المنافسة، ففي معظم الدول العربية توجد شركتين على الأكثر، وهذا يؤدي إلى زيادة أسعار المكالمات الهاتفية، وقد أكد مدير عام مجموعة "المرشدون العرب" المتخصصة في البحوث والدراسات الاقتصادية أن وجود شركتين فقط لخدمات الهاتف الجوال في سوق ما لا يؤدي بالضرورة إلى اتفاقهما لكن من الممكن وبسهولة حدوث تنسيق وإصدار إشارات، وعلى سبيل المثال إذا أعلن مشغل أنه لن يخفض الأسعار فإن الرسالة تكون واضحة للشركة الأخرى التي تتخذ قراراتها بناءً على هذا الوضع، مؤكداً أن هذا مفيد للشركتين لكن الاستفادة ليست قصوى للاقتصاد أو المستخدمين.

الأسباب والآثار

ويؤكد الخبراء أن احتكار القلة هو أخطر أشكال الاحتكار، ويحدث عندما يتفق عدد من الشركات أو التجار الكبار على التلاعب في الأسعار أو افتعال الأزمات مما يشوه قواعد العرض والطلب التي يقوم عليها الاقتصاد الحر.

وبالإضافة إلى التحكم في الأسعار، تمتد آثار الاحتكار إلى الحد من المنافسة المشروعة، والسيطرة على النشاطات التجارية، وعدم استغلال كافة الموارد الطبيعية والإنتاجية بقصد التحكم بقاعدة العرض والطلب، وسوء توزيع الثروة والدخل. كما تتسبب الممارسات الاحتكارية في الإضرار بمستوى جودة السلع والخدمات، وبالتالي تقليل قدرة الاقتصاد القومي على المنافسة الخارجية.

ولا شك أن الشركات متعددة الجنسيات تلعب دوراً كبيراً في تكريس الظاهرة الاحتكارية في الدول العربية، فالشركات متعددة الجنسيات تمتلك مقومات رأسمالية عالية تفوق كثيرا الشركات الوطنية، مما يجعلها لا يستطيع منافستها، وبالتالي تتحكم الشركات متعددة الجنسيات في أسواق الدول العاملة بها، وتفرض ما تشاء من أسعار للسلع أو الخدمات التي تقدمها، مما يؤدي إلى الإضرار بالمنشآت الصغيرة، ومما يلحق الضرر بالاقتصاد القومي.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
المشروعات الصغيرة.. قاطرة التنمية العربية

ومن بين ما يقرب من 50 شركة متعددة الجنسية، تمتلك الولايات المتحدة 33 شركة، بينما تمتلك بريطانيا 5 شركات، وكل من اليابان وسويسرا 3 شركات، وألمانيا شركتين، وفرنسا واحدة، وبقية الدول 3 شركات فقط، وهذه الشركات تسيطر على عدة أنشطة وخدمات منها صناعة السيارات والمطاعم والملابس والخدمات المصرفية.

قصور قانوني

ومن أجل منع الأنشطة الاحتكارية تبنت العديد من الدول العربية قوانين المنافسة ومنع الاحتكار، من هذه الدول مصر واليمن وقطر، وهذه السياسات تهدف بالأساس إلى استقرار السوق المحلي وتحقيق العدالة أمام الشركات المنتجة ومقدمي الخدمات في الوصول إلى المستهلكين دون عوائق، وعلى قدم المساواة، مع توقيع عقوبات على الأشخاص أو الشركات التي تخالف ذلك.

على سبيل المثال، فقانون منع الاحتكار المصري يحتوي على 25 مادة، تنص إحداهما على إنشاء آلية للرقابة تحت اسم جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار يتولى تنفيذ وتفعيل آليات القانون، إلا أن هناك مواطن ضعف كثيرة ينطوي عليها هذا القانون، حيث لا يشدد القانون في العقوبات الخاصة بالمخالفة لبنوده، وينص في مادته 22 من جواز التصالح في حالة حدوث احتكار، علماً بأن الأرباح الناتجة عن عملية الاحتكار قد تفوق كثيراً مبلغ التصالح.

وفي هذا السياق يشير الخبراء القانونيون إلى أن القانون تقتصر عقوبته على الغرامة أو ما يعادلها، أي مصادرة السلع، وكان لابد لها أن تأخذ في اعتبارها نظم منع الاحتكار في الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة بما يتضمنه البعض منها من إجبار للمحتكر علي إنهاء وضعه الاحتكاري سواء من خلال تقسيم الشركة المحتكرة أو التخلي عن قسم من أسهمها وليس مجرد دفع غرامة مالية والاحتفاظ بالوضع الاحتكاري‏.‏

ويؤكد الخبير الاقتصادي عبد العزيز حمد العويشق على أن مكافحة الاحتكار ليست بالمهمة اليسيرة لأن التعامل مع المصالح الكبيرة التي تدرها الممارسات الاحتكارية يتطلب رقابة في نفس القوة، ولنا أن نعتبر من الدول الأخرى التي عانت من هذه الآفة. ويلزم لمكافحة الاحتكار أجهزة حكومية قوية مزودة بالكفاءات والصلاحيات والحصانات اللازمة لأداء هذه المهمة الصعبة. ولنأخذ عبرة من الدول الأخرى، فالولايات المتحدة الأمريكية أتت من خلفية وتقاليد ثقافية نقيضاً لمبادئها في الحرية الاقتصادية.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
فوركس والخيارات الثنائية

خلاصة القول أن الاحتكار أصبح من أبرز الظواهر المسيطرة على معظم الأنشطة الاقتصادية العربية، إلا أن مواجهته والتصدي له تتطلب وجود آليات فاعلة وحقيقية لإحكام الرقابة على الأسعار وتشديد الرقابة على الأسواق المحلية والتصدي بمنتهى الحزم للفئات المحتكرة، ودراسة تغليظ العقوبات في قوانين منع الاحتكار، مع ضرورة إنهاء استغلال النفوذ السياسي لبعض رجال الأعمال ذوي العلاقات بالمسئولين في مختلف المواقع والذي قد يؤدي إلى وجود تمييز في مجتمع الأعمال يمكن أن يدمر مصداقية أي خطوة لمواجهة الاحتكار.

أحمد حسين الشيمي - مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x