في قاموس الرجال

في قاموس الرجال

٢٠٢٢/١/٩

سألَتْ، فبادرتُها بسرعة: "وهل من رجل لا يخون؟"، لكن سرعان ما ابتسمنا وتابعنا الحديث. طبعاً كل منا تعلم أن ثمّة رجالاً لا يخونون وإن كانوا النسبة الأضعف والأقل بين رجال الكون الذين لا يجدون إلى الإخلاص سبيلاً. موضوعنا اليوم: في قاموس الرجال.

يقولون إن الرجال غير النساء، وهل المرأة صخرة؟ هل مشاعر الرجال تختلف عن مشاعرنا؟ هل أحاسيسهم وحاجاتهم تختلف؟ لماذا يبرّرون لأنفسهم ويحرّمون على غيرهم؟. أسئلة كثيرة تطرحها النساء في محاولةٍ لمعرفة سبب تبرير الخيانة للرجال واعتمادها قاعدة في الحياة عموماً، فالرجل اقترن دائماً بصفة الخيانة وما دام الاستثناء هو الرجل الملتزم والذي يحترم زوجته وعائلته وبيته، وقبل كل شيء يقدّر نفسه ويتمنّع عن الخيانة ويترفّع عنها. وهذا الاستثناء، فلماذا لا يخون بعض الرجال؟

كسر الحواجز التقليدية

إذا خليت خربت"، هذا المثل الذي تصحّ استعادته هنا وإسقاطه على هذا الرجل الذي يؤكد أنه منذ زواجه قبل ١٥ عاماً، لم يخرج مع أي امرأة غير زوجته. "لم أتعرّض للمغريات؟ بلى طبعاً وكثيراً، وبعضها من أخي الأصغر الذي كان دوماً يبعث لي بنساء من أجمل الجميلات علّني أخطئ هدفي فتصيبني سهامهن وأخون عهداً قطعته على نفسي وزوجتي بألا أخون، لكن كل محاولاته باءت بالفشل. طبعاً ضعفت ولعب الشيطان في رأسي وعقلي، لكني لم أستسلم أبداً".

ومثله الرجل الذي كسر حواجز رخاميّة وخرج عن القوالب المألوفة للرجل التقليدي الذي فُطر على الخيانة، واتخذ لنفسه قالباً خاصاً به يستحق أن يكون نموذجاً يُحتذى، قالباً لم يمنع حريته الذاتية من جريانها الحياتي الطبيعي. أولاً، يعتبر هذا الرجل أن حبه لزوجته سبباً عميقاً كي لا يخون، "كما أنني أحترم كثيراً وعودي والتزاماتي والعهود التي اتخذتها ونذرت نفسي لأجلها". وأيضاً، يصف الخيانة على أنها درب ملعونة لن يسلكها أبداً ولا ينصح بسلوكها. طبعاً، عاش هذا الرجل حياته طولاً وعرضاً ولم يفته أي عرض وأي مغامرة نسائيّة، لكنه عرف قواعد اللعبة جيداً. وعندما وجد نصفه الآخر، قرر الالتزام وعدم التلاعب يميناً وشمالاً. لكن، هل لدى النساء إيمان بوجود هذا النوع من الرجال، المخلص الصادق الذي يعرف متى يضرب قدمه بالأرض ويثبتها ويقول لا؟

في قاموس الرجال

لطالما كان الرجال منشغلين بأعمالهم، والنساء غالباً ما يكن قرب اولادهن يرعينهن ويهتمين بشؤون منزلهن، ويأتي فجأة الرجال بعد انكشاف أمرهم ليعربوا عن أسفهم وندمهم. والآن، على النساء تصديق أن الرجال يتأسفون؟ بكل تأكيد هم يأسفون، لكن ليس على ما اقترفته غرائزهم إنما هم يذوبون أسفاً على افتضاح أمرهم. ثم يشرع الرجل مبرراً لنفسه أفعالاً شنيعة، مستحضراً أعذاراً نُقشت في قاموس الرجال منذ أزل الخيانة. فمنذ فجر الزلّات والانزلاقات، لم ينفكّ مَجْمَع الذكورة يقول إن الرجال لا يستطيعون كبح رغباتهم كونهم بتركيبتهم الفيزيولوجية يختلفون عن النساء، وغيرها من الأعذار الموجودة في قاموس الرجال. حسناً أيها الرجل، إذا كان الأمر كذلك، فماذا عن الإرادة وهي من صلب صفات الرجولة الحقّة التي تطبع الرجل؟ لماذا تتمكن النساء من كبح نفسها وإيقافها من الانحدار في عالم الخيانة؟ يعودون ليقولوا إن المرأة لا تتحكم بها رغباتها كما الرجل. ونعود لنقول أين الإرادة؟

بعد المقال الحالي شاهد:
عندما يتجمل الرجل

تطول لائحة الأعذار في قاموس الرجال، لكنها تبقى أعذاراً خلقها معشر الرجال لتبرير أفعالهم، لكن الخيانة من الطرفين تبقى خياراً دائماً، ويؤكد المعالج النفسي الدكتور باتريك فهد هذا الأمر، "فنحن البشر لم نولد ملتزمين بل نتعلم الالتزام، وتلك الأعذار إنما وُجدت كي يخدع بها الرجل نفسه أولاً ثم المرأة التي يخونها تالياً، فما من أحد وجد نفسه فجأة في الفراش مع امرأة أخرى من دون تخطيط مسبق، بل تحصل الخيانة عن سابق تصور وتصميم، وهم يخونون كونهم أنانيّين ولأنهم يهتمون بالجنس وبأنانيهم فقط لا غير".

معظم الناس يتحدثون عن أسباب خيانة الرجل، فالفرص جميعها متاحة أمامه كي يخون، لكن ماذا عن الرجل الذي لا يخون؟ فلنقلب الوضع ونسأل عن الأسباب التي تدفع الرجل كي يكون مخلصاً ولا يخون. ويرى فهد أن ثمّة عدداً ليس قليل من الرجال المخلصين وإن كانت نسبة النساء المحظوظات اللواتي يلتقين بأولئك الرجال قليلة، ويفنّد أسباباً عدة تجعل الرجل يختار أن يكون مخلصاً، ومنها مثلاً أن "الخيانة حماقة بسبب أخطارها وسيئاتها والأضرار التي تعود بها على العائلة، وبعض من يختبر ضرراً من الخيانة، يتكوّن لديه نوع من الجرح فلا يُقدم على الخيانة. والبعض يعتبر أن الخيانة عبارة عن قلة احترام للشريك وللنفس، وقد يتمتع الرجل بالأخلاق العالية والنضج والوعي، وقد يكون ضمناً ملتزماً دينياً أو لديه وعي وحس عال بالأمور المحيطة به. وكثيرون يقولون إن الخيانة ليست فعلاً جيداً، لكن من يعتبر ذلك حقيقة لا مشكلة لديه أن يخبر شريكته بأموره اليومية بالتفصيل ومشاركتها أفكاره وتقديمها الى أصحابه ودمجها في دائرة معارفه.

وثمّة من لا يخون لأنه لا يعرف كيف يخون، وبحسب فهد هم "لا يعرفون كيف يكونون قليلي التهذيب ويخونون من دون أن يُفتضح أمرهم. ورغم أنه عذر قبيح لعدم الخيانة، لكنّ ثمّة رجالاً لا يعرفون كيف يلعبونها بدهاء من تحت الطاولة ويكونون متسترين ومتخفين". لكن في المقابل، ثمّة رجالاً لا يخونون لأنهم يخوضون علاقة يحترمونها ويخافون عليها، فهم يرعونها ويرونها تكبر وتنضج وتتقدّم لا تتراجع، والسعادة هي سبب وجيه لعدم الخيانة، فالرجال والنساء الذين لا يشعرون بالسعادة في علاقاتهم هم أكثر عرضة للخيانة".

بعد المقال الحالي شاهد:
الومضة القصصية ومحاولات التمرد

كذلك يعطي فهد أهمية كبيرة للعلاقات المتعددة التي يخبرها الرجل قبل زواجه، "فالتجارب الكثيرة تمنح الرجل وعياً ونضجاً وتجعله يعلم جيداً ما يريد ويحدد أهدافه وحاجاته، وما ان يجدها في امرأة ما حتى يقرر الالتزام والانضباط والانخراط في علاقة جدية تغنيهم عن نساء الأرض جميعاً".

وللإرادة أيضاً مكانها في عدم الخيانة، "فالرجل المخلص قد يكون اتخذ قراراً واعياً بالإخلاص، وهذا النوع من الرجال لديه إرادة قوية وصلبة وواضحة، وهم إما أن يعتبروا الزواج تسوية ويأخذوه على محمل الجدّ، او أنهم يقدّرون بأن لديهم امرأة ولا يريدون أن يقوموا بأي خطوة تجعلهم يخسرونها وهم واضحين في أسباب حبهم لها ولماذا هم معها ولماذا اختاروها، ويعتبرون أنهم محظوظين لأنهم معها ويكونون واقعين في الغرام، وهذا سبب عميق للإخلاص".

هذا الى جانب المبادئ التي يحملها الرجل في عقله، "فثمّة رجال يفكرون بنتائج العلاقة غير المشروعة، نجدهم مرتاحين في العلاقة التي هم فيها وبمواقعهم ولا يريدون أن يعكّر أي شيء صفو ما هم عليه، وهم لا يريدون أن يقعوا في أي مشكلة قد تدخلهم في فخ ما، كأن يؤدي ذلك الى الحمل أو التقاط مرض ما، أو انهم قد خانوا من قبل وكانت نتائج الخيانة مدمّرة لهم وقرروا ألاّ يخونوا مجدداً".

هذا المقال له 3 تعليقات

  1. Avatar
    نيرة وليد حميد شهاب

    بارك الله فيك وعطاءك. أتمنى أن يمنحنا الله لك ولنا الصحة والعافية، وآمل أن يمنحنا كل المشاعر التي نستحقها بكل ثراء.

  2. Avatar
    نيرة وليد حميد شهاب

    لكل مبدع إنجاز ولكل شكر قصيدة ولكل مقام مقال، ولكل نجاح شكر وتقدير، فجزيل الشكر نهديك ورب العرش يحميك. للنجاح أناس يقدّرون معناه، وللإبداع أناس يحصدونه، لذا نقدّر جهودك المضنية، فأنتَ أهل للشكر والتقدير، فوجب علينا تقديرك، فلك منا كلّ الثناء والتقدير. رسالة أبعثها مليئة بالحبّ، والتّقدير، والاحترام، ولو أنّني أوتيت كلّ بلاغة، وأفنيت بحر النّطق في النّظم والنّثر، لما كنت بعد القول إلا مقصّراً، ومعترفاً بالعجز عن واجب الشّكر. تتسابق الكلمات وتتزاحم العبارات لتنظم عقد الشكر الذي لا يستحقه إلا أنت إليك يا من كان له قدم السبق في ركب العلم والتعليم إليك يا من بذلت ولم تنتظر العطاء إليك أهدي عبارات الشكر والتقدير. إلى صاحب التميّز والأفكار التي تحمل الفكاهة وبصمة المشتاق، أزكى التحايا وأجملها وأنداها وأطيبها، أرسلها لك بكل ودّ وإخلاص. كلمة شكر وامتنان، إلى صاحب القلب الطيّب، إلى صاحب النّفس الأبيّة، إلى صاحب الابتسامة الفريدة، إلى من حارب وساهم بالكثير مِن أجلي. كلمة شكر وحب لصاحب أطيب قلب، لم تترد لحظة في مساعدتي يا أجمل أب. إن قلت لك شكراً فلن أوفيك حقك، وأن كتبت قصائد فلن تكفي لمدحك. أصدق كلمات الشكر والامتنان لكل شخص وقف بجانبنا وتخطى الكثير من العواقب من أجلنا. عجزت الكلمات تعبر عن مدى الجميل والعرفان اللي بدر منكم تجاهي ما ينساه إنسان.

  3. Avatar
    نيرة وليد حميد شهاب

    أتقدم لكم بأسمى آيات الحب والتقدير والعرفان على كل ما قدمتموه طوال فترة خدمتكم في هذه المؤسسة، فأنتم نعم الموظفين والمخلصين، الذين يحملون أمانة العمل والإخلاص في أعناقهم، ويحرصون على تقديم كل ما هو رائع ومفيد ولو على حساب انفسهم، فشكراً على دعمكم المستمر. مديونية الإنسان ليست فضيلة، وإنّما السداد فضيلة. تبدأ الفضيلة عندما يكرس نفسه بنشاط للعرفان بالجميل.

انشر تعليقك